تيمم المجاهد بغير التراب مما هو من جنس الأرض
كالرمل والحصى ونحو ذلك
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض، كالرمل والحصى ونحو ذلك إلى قولين.
القول الأول: أنه لا يجوز التيمم بغير التراب. وبهذا قال الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢) وأبو يوسف من الحنفية (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] . فالمقصود بالصعيد في الآية التراب.
قال ابن عباس (٤) ﵁: (الصعيد التراب الخالص) (٥) .
_________________
(١) الأم (١/٥٠) والمجموع للنووي (٢/٢٤٦) .
(٢) المغني (١/٣٢٤) والمبدع (١/٢١٩) والمستوعب (١/٢٩١) .
(٣) المبسوط (١/١٠٩) وبدائع الصنائع (١/١٨١) .
(٤) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشي أبو العباس ابن عم الرسول - ﷺ - ولد بالشعب حين حاصرت قريش بني هاشم، وكان له عند موت النبي - ﷺ - ثلاث عشرة سنة، دعا له النبي - ﷺ - بالعلم والتأويل فكان حبر هذه الأمة وعالمها، وكان يسمى البحر لكثرة علمه، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ انظر الإصابة (٤/١٢١) ت رقم (٤٧٩٩) وأسد الغابة (٣/١٨٦) ت رقم (٣٠٣٥) .
(٥) بدائع الصنائع (١/ ١٨١) والمغني (١/ ٣٢٤) .
[ ١ / ٩٨ ]
٢- عن حذيفة (١) ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» (٢) فخص التراب كبونه طهورا (٣) .
القول الثاني: أنه يجوز التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض، كالحصي والرمل ونحو ذلك وبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) .
واستدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] .
وجه الدلالة من الآية: أن الصعيد المذكور في الآية مشتق من الصعود وهو العلو وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم جميع أنواع الأرض، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد (٧) .
_________________
(١) هو: حذيفة بن حسل ويقال: حسيل بن جابر بن عمرو، أبو عبد الله العبسي ابن اليمان، صاحب سر رسول الله - ﷺ - في المنافقين لم يعلمهم أحد إلا حذيفة شهد أحدا مع النبي - ﷺ - وقتل أبوه بها، وأرسله النبي - ﷺ - ليلة الأحزاب ليأتيه بخبر الكفار مات بعد مقتل عثمان سنة ٣٦ هـ - ﵁ - انظر: أسد الغابة (١/٤٦٨) ت رقم (١١١٣) وسير أعلام النبلاء (٢/٣٦١) . ت رقم (٧٦) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح رقم (٥٢٢) .
(٣) المغني (١/٣٢٥) .
(٤) بدائع الصنائع (١/١٨١) والبحر الرائق (١/٢٥٩) .
(٥) المعونة (١/١٥٠ وبداية المجتهد (١/٧٤» .
(٦) المغني (١/٣٢٥) والمبدع (١/٢٢٠) .
(٧) بدائع الصنائع (١/١٨١) والبحر الرائق (١/٢٥٩) والمعونة (١/١٥٠) والتمهيد (١٩/٢٨٩) .
[ ١ / ٩٩ ]
ونوقش هذا الاستدلال بأن حديث حذيفة وتفسير ابن عباس للصعيد الوارد في الآية يخصص الصعيد بالتراب (١) .
٢- قوله - ﷺ - «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٢)،
وجه الدلالة من الحديث أن اسم الأرض يتناول جميع أنواعها (٣) فيشمل التراب والحصى والرمل ونحو ذلك.
ونوقش هذا: بأنه محمول على ما قيده حديث حذيفة ﵁ فيكون المقصود بالأرض في الطهور التراب (٤) .
والذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار لما خصت به الآية من حديث حذيفة وتفسر ابن عباس ﵄، وذلك عند وجود التراب.
فإن عدم التراب والغبار جاز التيمم بما هو من جنس الأرض، من الرمل أو الحصى أو نحو ذلك للضرورة (٥) .
وعلى هذا فالمجاهد في سبيل الله يتيمم بالتراب، أو بالغبار على ملابسة أو الجدار، ونحو ذلك.
فإن لم يجد التراب ولا الغبار، فإن له أن يتيمم بما هو من جنس الأرض للضرورة إلى ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) المجموع (٢/٢٤٧) .
(٢) عن جابر بن عبد الله جزء من حديث أخرجه البخاري مع الفتح كتاب التيمم باب رقم ١، ح رقم (٣٣٥) ومسلم بشرح النووي كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح رقم (٥٢٤) .
(٣) بدائع الصنائع (١/١٨١) .
(٤) المجموع (٢/٢٤٧) .
(٥) المغني (١/٣٢٦) والمبدع (١/٢٢٠) .
[ ١ / ١٠٠ ]