كيفية صلاة الخوف
للخوف ثلاث حالات:
الحالة الأولى: الخوف غير الشديد.
وضابط الخوف غير الشديد هو الخوف من هجوم العدو على المجاهدين في حال انشغالهم بالصلاة إما لقربهم من المجاهدين ومعاينتهم لهم، وإما بإخبار الثقة بقدوم العدو إلى المجاهدين دون أن يكون هناك قتال والتحام بين الجيوش (٢) .
_________________
(١) الشرح الممتع (٤/٥٨٥) .
(٢) عيون الأثر في فنون المغازي والسير (٢/٧٩) والأم (١/٢١٨) .
[ ١ / ١٤٠ ]
وقد تعددت الروايات في كيفية صلاة الخوف في هذه الحالة، لأن الرواة إذا اختلفوا في قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبي - ﷺ - (١) واختلف الفقهاء في تعداد أنواع الصلاة الخوف تبعا لتعدد الروايات، فقد أوصلها بعضهم إلى ستة عشر صفة (٢) وقد صلاها النبي - ﷺ - بصفات مختلفة وإن كانت متفقة في المعنى، وذلك للمحافظة على الصلاة، والاحتياط من كيد العدو.
جاء في معالم السنن: (صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله - ﷺ - في أيام مختلفة، وعلى أشكال متباينة يتوخى من كل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مؤتلفة في المعاني) (٣) .
وقال الإمام أحمد ﵀: (كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة يروى فيها كلها جائزة) (٤) .
والذي يظهر أن هذه الصور في صلاة الخوف غير الشديد التي جاءت بها الروايات الصحيحة جاءت مراعية للأحوال التي يكون عليها العدو، فمرة يكون العدو في جهة القبلة، ومرة يكون إلى غير جهة القبلة، ومرة يكون الحذر منهم أشد، إلى غير ذلك من الأحوال.
وقد رأيت أن أجعل صلاة الخوف غير الشديد في أربعة أوجه لتستوعب الروايات التي جاءت عن النبي - ﷺ - في صلاة الخوف وذلك على النحو الآتي:
الوجه الأول: الصلاة بالمجاهدين جميعا.
وقد ورد في هذا الوجه ثلاث صفات:
_________________
(١) شرح الزرقاني لموطأ الإمام مالك (١/٥٢١)
(٢) حاشية ابن عابدين (٣/٧٤) والتمهيد (١٥/٢٦٩) وعارضة الأحوذي (٣/٣٧) وشرح صحيح مسلم للنووي (٦/٣٧٢) والمبدع (٢/١٢٦) وكشاف القناع (١/٤٩٣) .
(٣) معالم السنن للخطابي (١/٢٣٣) .
(٤) المغنى (٣/٣١١) وكشاف القناع (١/٤٩٣) .
[ ١ / ١٤١ ]
الصفة الأولى:
أن يصف الإمام المجاهدين خلفه صفين فأكثر حضرا كان الخوف أو سفرا، فيكبر بهم تكبيرة الإحرام جميعا ويركع بهم فإذا سجد، سجد الصف الأول معه وحرس الصف الآخر، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية سجد الصف المتأخر، ثم يلحقون بالإمام ويتقدمون مكان الصف الأول ويتأخر الصف الأول (١)، فإذا سجد الإمام في الركعة الثانية سجد معه الصف الذي يليه، فإذا جلس الإمام ومن معه للتشهد سجد الصف الحارس، ثم يلحقون بالإمام في التشهد ويسلم بهم جميعا (٢) .
دليل هذه الصفة:
١- عن جابر ﵄ قال: (شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف فصفنا صفين صف خلف رسول الله - ﷺ - والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي - ﷺ - وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضي النبي - ﷺ - السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي - ﷺ - ركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى
_________________
(١) لو بقى كل صف مكانه صح، وهو خلاف الأولى انظر كشاف القناع (١/٤٩٤) وروضة الطالبين (٢/٥١) .
(٢) كشاف القناع (١/٤٩٣) ومغني المحتاج (١/٥٧٤) والوسيط في المذهب (٢/٢٩٧) .
[ ١ / ١٤٢ ]
النبي - ﷺ - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي - ﷺ - وسلمنا جميعا) (١) .
٢-عن أبي عياش الزرقي - ﵁ - (٢) قال: (كنا مع رسول الله - ﷺ - بعسفان (٣) وعلى المشركين خالد بن الوليد (٤) فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر (٥)
فلما حضرت العصر قام رسول الله - ﷺ - مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله - ﷺ - صف، وصف بعد
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، ح رقم (٨٤٠) .
(٢) هو: زيد بن الصامت، ويقال ابن النعمان، ويقال اسمه عبيد بن معاوية أبو عياش الزرقي الأنصاري، شهد أحدا وما بعدها، يقال: إنه عاش إلى خلافة معاوية، انظر الإصابة (٧/٢٤٥) ت رقم (١٠٣١٥) ومشاهير علماء الأمصار ص ٣٨ ت رقم (٦١) .
(٣) عسفان: بضم أوله وسكون ثانيه. وهي قرية تبعد عن مكة بحوالي ستة وثلاثين ميلا بها مزارع ونخيل وقيل سميت عسفان لتعسف السيل فيها، وهي: قرية عامرة الآن بها مدارس ومرافق حكومية تقع على الطريق السريع بين مكة والمدينة وتبعد عن مكة شمالا بـ ٨٠ كيلو متر تقريبا. انظر معجم البلدان (٤/١٣٧) ت رقم (٣٨٩٥) وتوضيح الأحكام (٢/٣٧٣) .
(٤) هو خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي سيف الله المسلول يكني أبا سليمان شهد مع كفار قريش الحروب ضد النبي - ﷺ - حتى أسلم سنة سبع من الهجرة بعد خيبر شهد فتح مكة مع النبي - ﷺ - وحنينا والطائف ومؤتة استخلفه أبو بكر الصديق ﵁ على الشام حتى عزله عمر ﵁ له أثر مشهور في قتال الفرس والروم توفي بحمص وقيل: بالمدينة المنورة سنة ٢١ هـ انظر: الإصابة (٢/٢١٥) ت رقم (٢٢٠٦) وأسد الغابة (١/٥٨٦) ت رقم (١٣٩٩) .
(٥) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] ..
[ ١ / ١٤٣ ]
ذلك الصف صف أخر) ثم ذكر الحديث كحديث جابر السابق وزاد (فصلاها بعسفان مرة وصلاها يوم بني سليم) (١) .
فصفة الصلاة في الحديثين واحدة، قال في عون المعبود: حديث جابر، وحديث أبي عياش الزرقي مفهومهما واحدا (٢) .
شروط هذه الصفة:
ذكر بعض الفقهاء شروطا لهذه الصفة هي (٣) .
١- أن يكون العدو في جهة القبلة.
٢- أن يكون العدو على مستوى من الأرض لا يسترهم شيء عن أبصار المجاهدين.
٣- أن يكون في المجاهدين كثرة حتى يتمكنوا من الصلاة والحراسة.
ولم أجد -حسب ما اطلعت عليه- من منع الأخذ بهذه الصفة من الفقهاء (٤)،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه مع شرحها عون المعبود كتاب الصلاة باب صلاة الخوف ح رقم (١٢٣٣) والدارقطني باب صفة صلاة الخوف ح رقم (١٧٥٩) ورقم (١٧٦٠) والنسائي في سننه مع شرح السيوطي، كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٥٤٨) قال الشوكاني في نيل الأوطار: رجال إسناده عند أبي داود والنسائي رجال الصحيح (٣/٣١٩) . وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي انظر المستدرك للحاكم كتاب صلاة الخوف، ح رقم (١٢٥٣) ج (١/٤٨٨) والتلخيص بهامشه للذهبي.
(٢) عون المعبود شرح سنن أبي داود (٣/٥٦) .
(٣) مغني المحتاج (١/٥٧٤) والحاوي (٢/٤٧٣) والمستوعب (٢/٤١٥) والمبدع (٢/١٢٦) والمبسوط (٢/٤٧) والكافي في فقه أهل المدينة المالكي (١/٢٥٤) .
(٤) المبسوط (٢/٤٧) وبدائع الصنائع (١/٥٥٧) وبداية المجتهد (١/١٨٠) وشرح الزرقاني الموطأ مالك (١/٥٢٦) والأم (١/٢١٥) روضة الطالبين (٢/٥٠) والإنصاف (٢/٣٤٧) وكشاف القناع (١/٤٩٣) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٣) .
[ ١ / ١٤٤ ]
إلا أن الحنفية قالوا في صفتها: إذا سجد الإمام سجد معه الصف الأول، فإذا رفعوا روءسهم من السجدة الأولى، سجد الصف الثاني والصف الأول قعود يحرسونهم (١) وهم بهذا خالفوا النصوص الصحيحة، كما في حديث جابر، وأبي عياش، فالأولى الأخذ بما جاء في الأحاديث.
وقال الشافعي: بأن الصف الأول يحرس، والصف الثاني هو الذي يسجد مع الإمام (٢)، وهو قول عند الحنابلة لأنه أحوط (٣) .
قال النووي: والصحيح المختار جواز الأمرين (٤) .
والذي يظهر أن التزام الصفة التي جاءت في الأحاديث هو الأولى والله أعلم.
الصفة الثانية:
إذا حضرت الصلاة جعل الإمام المجاهدين طائفتين: طائفة معه، وطائفة في وجه العدو وظهورهم إلى القبلة ثم يكبر بهم جميعا التي معه والتي في وجه العدو، ثم يركع بالطائفة التي معه ويسجد فإذا قام إلى الركعة الثانية ذهبت الطائفة التي معه إلى وجه العدو وجاءت الأخرى فصلوا لأنفسهم الركعة الأولى، ثم لحقوا بالإمام وهو قائم ينتظرهم فصلى بهم الركعة الثانية، ثم جلسوا وجاءت الطائفة التي في الحراسة فصلوا الركعة الثانية لهم، ثم جلسوا مع الإمام والطائفة التي معه وسلم بهم جميعا (٥) .
_________________
(١) المبسوط (٢/٤٧) وبدائع الصنائع (١/٥٥٧) .
(٢) روضة الطالبين (٢/٥٠) ومغنى المحتاج (١/٥٧٤) .
(٣) الإنصاف (٢/٣٤٨) والمحرر في الفقه لمجد الدين أبو البركات (١/١٣٧) .
(٤) روضة الطالبين (٢/٥٠) .
(٥) كشاف القناع (١/٤٩٨) ونيل الأوطار (٣/٣٢١) .
[ ١ / ١٤٥ ]
دليل هذه الصفة:
ما رواه أبو هريرة ﵁ عام غزوة نجد (١)
قال: (قام رسول الله - ﷺ - إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله - ﷺ - فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابلوا العدو ثم ركع رسول الله - ﷺ - ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام فقابلوا العدو، ثم قام رسول الله - ﷺ - وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﷺ - قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﷺ - قاعد ومن كان معه، ثم كان السلام، فسلم
_________________
(١) نجد: اسم لكل ما ارتفع عن تهامة انظر معجم البلدان (٥/٣٠٤) ت رقم (١١٩٢٤)، وغزوة نجد هي غزواة ذات الرقاع، وسميت بذلك لأن أقدام المسلمين رقت من الحفاء فلفوا عليها الخرق على القول الراجح في سبب تسميتها، وقد ذكر أصحاب السير أنها وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، قبل الخندق انظر السيرة النبوية لابن هشام (٣/٢٠٣) وعيون الأثر (٢/٧٩) وقال ابن قيم الجوزية في الزاد، والبخاري في صحيحه وغيرهما إنها وقعت بعد خيبر وهذا الراجح لأن النبي - ﷺ - لم يصل صلاة الخوف يوم الخندق وصلاها في غزوة ذات الرقاع فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان ولأن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري، شهدا غزوة ذات الرقاع وإسلامهما بعد خيبر. انظر زاد المعاد (٣/٢٥١) وما بعدها وصحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع واختار هذا القول ابن حجر في فتح الباري (٧/٥٣٢) ..
[ ١ / ١٤٦ ]
رسول الله - ﷺ - وسلموا جميعا فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة) (١) .
يظهر من هذا الحديث، أن العدو كانوا إلى غير جهة القبلة، وأن المجاهدين الذين معه الإمام والذين في جهة العدو كبروا جميعا مع الإمام تكبيرة الإحرام إلى غير جهة القبلة.
لكن جاء من طريق آخر عن أبي هريرة قال: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل (٢) لقي جمعا من غطفان (٣» فذكر معنى الحديث دون لفظه قال فيه حين ركع بمن معه وسجد قال: (فلما قاموا مشوا القهقرى (٤) إلى مصاف أصحابهم ولم يذكر استدبار القبلة) (٥) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود كتاب الصلاة باب صلاة الخوف ح رقم (١٢٣٧) والنسائي في سننه مع شرح السيوطي، كتاب الصلاة الخوف، ح رقم (١٥٤٢) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب من قال: قضت الطائفة الثانية الركعة الأولى ح رقم (٦٠٥٦) . قال الشوكاني: سكت عنه أبو داود، والمنذري ورجال إسناده ثقات عند أبي داود والنسائي. انظر: نيل الأوطار (٣/٣٢١) وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي انظر المستدرك، كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٢٥٣) والتلخيص بهامشه للذهبي ج (١/٤٨٨) .
(٢) موضع بنجد من أرض غطفان، انظر: معجم البلدان (٥/٣٢٠) ت رقم (١١٩٦٧) .
(٣) قبيلة كبيرة من قيس عيلان، وهي بطن من جهينة. انظر لباب الألباب في تحرير الأنساب للسيوطي.
(٤) الرجوع إلى الخلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشية. انظر: المعجم الوسيط (٢/٧٦٤) .
(٥) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الصلاة باب صلاة الخوف ح رقم (١٢٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب من قال: قضت الطائفة الثانية الركعة الأولى ح رقم (٦٠٥٧) . قال الشوكاني: في إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال مشهور إذا لم يصرح بالتحديث وقد عنعن هنا. انظر: نيل الأوطار (٣/٣٢١) .
[ ١ / ١٤٧ ]
والذي يبدو أن الروايتين في قصة واحدة والخلاف بينهما، إنما هو في القبلة ففي الرواية الأولى، الذين في جهة العدو كبروا تكبيرة الإحرام إلى غير القبلة، وفي الرواية الثانية أنهم كبروا إلى جهة القبلة، والذي يظهر أن حمل الرواية الأولى على الثانية هو الأولى، لأن استقبال القبلة شرط في الصلاة لا يجوز تركه، إلا في حال الضرورة عند شدة الخوف والتحام القتال، ولا ضرورة هنا، والله أعلم.
الصفة الثالثة:
يقسم الإمام المجاهدين طائفتين: طائفة تصلي معه فتكبر إذا كبر وتركع معه وتسجد معه، فإذا رفع من السجدة الأولى مكث جالسا، وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قاموا يمشون القهقرى إلى مصاف الطائفة الأخرى، وجاءت الطائفة الأخرى فكبروا وركعوا، ثم يسجد الإمام السجدة الثانية له من الركعة الأولى فيسجدون معه، ثم يقوم الإمام للركعة الثانية ويسجدون لأنفسهم السجدة الثانية، ثم يقومون مع الإمام وتأتي الطائفة الأخرى معهم فيركع بهم الإمام جميعا ويسجد بهم جميعا سريعا ثم يسلم بهم جميعا.
دليل هذه الصفة:
عن عائشة ﵂ قالت (صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف قالت: فصدع (١) رسول الله - ﷺ - الناس صدعتين، فصف طائفة وراءه وقامت طائفة وجاه العدو، قالت: فكبر رسول الله - ﷺ - وكبرت الطائفة الذين صفوا خلفه، ثم ركع وركعوا ثم سجد وسجدوا ثم رفع رأسه فرفعوا ثم مكث رسول الله - ﷺ - جالسا وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ثم قاموا ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف
_________________
(١) صدعت القوم صدعا فتصدعوا أي: فرقتهم فتفرقوا، انظر: المصباح المنير ص ٥.
[ ١ / ١٤٨ ]
رسول الله - ﷺ - فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم ثم سجد رسول الله - ﷺ - سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله - ﷺ - في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ثم قامت الطائفتان جميعا فصفوا خلف رسول الله - ﷺ - فركع بهم ركعة فركعوا جميعا، ثم سجد فسجدوا جميعا ثم رفع رأسه ورفعوا معه كل ذلك من رسول الله - ﷺ - سريعا جدا لا يألوا (١) أن يخفف ما استطاع ثم سلم رسول الله - ﷺ - فسلموا ثم قام رسول الله - ﷺ - قد شركه الناس في صلاته كلها) (٢) .
والذي يظهر أن الصفة الثانية في حديث أبي هريرة ﵁ والصفة الثالثة في حديث عائشة ﵂ قد اتفقتا في أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته ثم يلحق بالإمام.
الوجه الثاني: قسمة المجاهدين في الصلاة إلى طائفتين.
وقد ورد في هذا الوجه صفتان:
الصفة الأولى:
إذا حضرت الصلاة وخاف المجاهدون العدو جعلهم الإمام طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يقوم الإمام إلى الركعة الثانية ويتم الذين معه
_________________
(١) آلى معناها: اجتهد انظر المعجم الوسيط (١/٢٥) .
(٢) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود كتاب الصلاة باب صلاة الخوف ح رقم (١٢٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب من قال: قضت الطائفة الثانية ح رقم (٦٠٥٨) والحاكم في المستدرك كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٢٤٩) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ثم قال الحاكم وهو أتم حديث وأشفاه في صلاة الخوف (١/٤٨٧) وانظر التلخيص للذهبي بهامش المستدرك وقال الشوكاني: في إسناده محمد بن إسحاق، لكنه صرح بالتحديث، انظر: نيل الأوطار (٣/٣٢١) .
[ ١ / ١٤٩ ]
صلاتهم ويسلمون ثم يذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيدخلون مع الإمام في الركعة الثانية له ويصلي بهم فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الركعة الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم (١) .
دليل هذه الصفة:
حديث صالح بن خوات (٢) (عمن شهد مع النبي - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم (٣) .
الصفة الثانية:
يجعل الإمام المجاهدين طائفتين: واحدة في وجه العدو والأخرى يصلي بهم ركعة، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية لم يتم المقتدون به الصلاة، وإنما يذهبون إلى مكان الطائفة التي في وجه العدو وهم في الصلاة فيقفون سكوتا، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلى مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، ثم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا (٤) .
_________________
(١) المبدع (٢/١٢٧) والشرح الكبير (١/٤٥٠) والإنصاف (٢/٣٤٩) وروضة الطالبين (٢/٥٢) والمجموع (٤/٢٩٢) والوسيط (٢/٣٠٠) وشرح الزرقاني لموطأ مالك (١/٥٢٢) .
(٢) هو: صالح بن خوات بن جبير بن النعمان الأنصاري المدني، روي عن أبيه وخاله سهل، وروي عنه ابنه خوات، ويزيد بن رومان، وثقه النسائي وابن حبان. انظر تهذيب التهذيب (٤/٣٣٩) ت رقم (٦٥٨) وتهذيب الأسماء واللغات (١/٢٤٨) ت رقم (٢٦١) .
(٣) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع ح رقم (٤١٢٩) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الخوف ح رقم (٨٤٢) .
(٤) المبسوط (٢/٤٦) وبدائع الصنائع (١/٥٥٨) والاختيار للموصلي (١/٨٩) وبداية المجتهد (١/١٨٠) والوسيط في المذهب (٢/٣٠١) والمبدع (٢/١٣٣) والشرح الكبير (١/٤٥٤) .
[ ١ / ١٥٠ ]
دليل هذه الصفة:
١- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (غزوت مع رسول الله - ﷺ - قبل نجد فوازينا العدو فصاففنا فقال رسول الله - ﷺ - يصلي لنا فقامت طائفة معه تصلي وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول الله - ﷺ - بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع رسول الله - ﷺ - بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين) (١) .
٢- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف فقاموا صفين، صف خلف رسول الله - ﷺ - وصف مستقبل العدو فصلى بهم رسول الله - ﷺ - ركعة، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم النبي - ﷺ - ركعة، ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا) (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري الفتح، كتاب الخوف، باب صلاة الخوف، ح رقم (٩٤٢) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، ح رقم (٨٣٩) .
(٢) أخرجه أبو داود في سننه مع شرحها عون المعبود، كتاب الصلاة باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم، ح رقم (١٢٤٠) والدارقطني باب صفة صلاة الخوف، ح رقم (١٧٦٦) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب من قال في هذا كبر بالطائفتين جميعا، ح رقم (٦٠٤٤) وقال البيهقي: هذا الحديث مرسل، لأن أبا عبيدة لم يدرك أباه، وفيه خصيف الجزري ليس بالقوي (٣/٣٧١) وانظر: ميزان الاعتدال (١/٦٥٣) ت رقم (٢٥١١) وكتاب العلل ومعرفة الرجال (١/٢٤٨) فمن العلماء من وثق خصيف ومنهم لم يوثقه ومنهم من رماه بالإرجاء.
[ ١ / ١٥١ ]
وقد ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى ترجح الأخذ بالصفة الأولى فيصلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون وتأتي الثانية تصلي معه ركعة ثم تتم ما بقي عليها ثم يسلم بهم (٢) .
واستدلوا على ترجيح هذه الصفة بما يلي:
أ- أنها أوفق لظاهر كتاب الله ﷿ وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] فيه إضافة الفعل إليه - ﷺ - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فأضاف فعل السجود إليهم، فأقتضى الظاهر انفرادهم به، ثم أباح لهم الانصراف بعد فعله فصار تقدير قوله تعالى: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أي صليت بهم ركعة فعبر عنه بالقيام الذي هو ركن فيها وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي صلوا الركعة الثانية فلينصرفوا فعبر عنه بالسجود الذي هو ركن فيها.
_________________
(١) بداءة المجتهد (١/١٧٩) وحاشية الدسوقي (١/٣٩٢) والأم (١/٢١١) والمجموع (٤/٢٩٣) وكشاف القناع (١/٤٩٣) والشرح الكبير (١/٤٤٩) .
(٢) روي عن الإمام مالك أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية، ثم يأتون بما بقي عليهم ولا ينتظرهم ليسلم بهم، لأن الإمام لا ينتظر المأموم وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، وكلا الأمرين جائز عند الإمام مالك، قال في الكافي: وكلا القولين لأئمة أهل المدينة وقال بهما جميعا مالك انظر: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي (١/٢٥٣) والتمهيد (٥/٢٦٢) وشرح الزرقاني (١/٥٢٣) .
[ ١ / ١٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فظاهر قوله تعالى: ﴿لم يصلوا﴾ أي لم يصلوا شيئا منها، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أي جميع الصلاة بكاملها (١) .
ب- لسلامتها من كثرة المخالفة، ولأنها أحوط للحرب، لأن المجاهد يتمكن من الضرب والطعن وإعلام غيرة بما يراه من أمر العدو (٢) .
وذهب الحنفية (٣) وبعض المالكية (٤) إلى ترجيح الصفة الثانية التي يسندها حديث عبد الله بن عمر، وابن مسعود ﵃
وجه ترجيحهم ما يلي:
١- أن هذه الصفة موافقة للأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل إمامه (٥) .
٢- أن رواية ابن عمر قوية الإسناد فهي وردت بنقل أهل المدينة وهم حجة في النقل على من خالفهم (٦) .
_________________
(١) الحاوي الكبير (٢/٤٦١) والأوسط (٥/٤٤) والأم (١/٢١١) وكشاف القناع (١/٤٩٥) والذخيرة (٢/٤٤٠) والمعونة (١/٣١٦) .
(٢) شرح الزرقاني (١/٥٢٥) وروضة الطالبين (٢/٥٢) والمجموع (٤/٢٩٣) وحاشية الروض المربع (٢/٤١٢) والمغني لابن قدامة (٣/٣٠٢.
(٣) المبسوط (٢/٤٦)، وبدائع الصنائع (١/٥٥٨) .
(٤) الذخيرة (٢/٤٣٩) وشرح الزرقاني لموطأ الإمام مالك (١/٥٢٤) ومنهم أشهب.
(٥) المبسوط (٢/٤٧) .
(٦) حاشية الدسوقي (١/٣٩٢) .
[ ١ / ١٥٣ ]
الترجيح
الذي يظهر أن الصفة التي ذهب إليها الجمهور هي الأولى في صلاة الخوف على هذا الوجه، لأنها موافقة لظاهر القرآن، والصفة التي أختارها الحنفية فيها مخالفات عدة منها:
١- أن قولهم تنصرف الطائفة الأولى وهي في الصلاة يؤدي إلى أن تمشي أو تركب وهي في الصلاة، وهذا عمل كثير ينافي الصلاة، وفيه استدبار للقبلة دون حاجة أو ضرورة.
٢- أن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف ما كانت حال الأمن، والخائف أولى بالتخفيف لحاجته إليه، وللرفق به (١) . وكلا الصفتين ثابتة وجائز العمل بهما والخلاف إنما هو في الأفضل والله أعلم.
إذا تقرر معرفتنا من خلال هذا الوجه بصفتيه كيف تصلي صلاة الخوف الثنائية سواء كانت المقصورة في السفر أو صلاة الفجر فكيف تصلي المغرب المجمع على أنها لا تقصر (٢) والصلاة الرباعية في الحضر على هذا الوجه؟
أولا: صلاة المغرب:
ذهب الجمهور إلى أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة (٣) واستدلوا على هذا بما يلي (٤):
_________________
(١) المغنى (٣/٣٠٢) .
(٢) الإجماع لابن المنذر ص ١٩.
(٣) البحر الرائق (٢/٢٩٦) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٣٢٩) والمدونة (١/١٦٠) والذخيرة (٢/٤٣٨) والوسيط (٢/٣٠٤) والأم (١/٢١٢) والحاوي الكبير (٢/٤٦٤) والمغني (٣/٣٠٩) والمستوعب (٢/٤١٣) والمبدع (٢/١٣٠) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٣) .
(٤) البحر الرائق (٢/٢٩٦) والمعونة (١/٣١٨) والحاوي الكبير (٢/٤٦٤) والوسيط (٢/٣٠٤) والمغنى (٣/٣١٠) والشرح الكبير (٢/٤٥٢) والإنصاف (٢/٣٥٢) .
[ ١ / ١٥٤ ]
١- أن صلاة الخوف مبنية على المساواة بين الطائفتين، فإذا لم يمكن انقسام الركعة كان صلاته بالأولى ركعتين أولى، لأن أول الصلاة أكمل من آخرها.
٢- ولأن في ذلك خفة في الانتظار، وإسراع في الفراغ من الصلاة، وهذا المطلوب في صلاة الخوف.
٣- ولأن الطائفة الأولى أحق بالركعتين، لما لها من حق السبق.
٤- ولأن الطائفة الثانية تصلي جميعا صلاتها في حكم الإتمام، والأولى في حكم الانفراد، فكانت الطائفة الأولى أحق.
وذهب الشافعية في قول على خلاف الأظهر، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين (١) .
واستدلوا بما يلي:
١- أنه روي عن علي ﵁ أنه صلى ليلة الهرير (٢) هكذا (٣) .
٢- ولأن الطائفة الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام والتقدم، فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات ليجبر النقص (٤) .
_________________
(١) الأم (١/٢١٣) وروضة الطالبين (٢/٥٤) والحاوي الكبير (٢/٤٦٥) .
(٢) هي إحدى ليالي صفين بين علي ومعاوية ﵄ اقتتلوا حتى الصباح وصار الناس إلى السيوف بعد نفاذ النبل وتقصف الرماح، وقيل: سميت بذلك لعجزهم عن القتال حتى صار بعضهم يهر على بعض. انظر: تاريخ الطبري (٥/٤٧) .
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب الدليل على ثواب صلاة الخوف ح رقم (٦٠٠٨) وانظر الأم (١/٢١٣) والحاوي الكبير (٢/٤٦٥) .
(٤) المغني (٣/٣١٠)
[ ١ / ١٥٥ ]
والذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح لما يلي:
١- لقوة تعليلاتهم، ولأن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، وما ذكره الجمهور أقرب إلى المقصود.
٢- أن ما روي عن علي ﵁ ليلة الهرير أنه صلى بالأولى ركعة، فقد روي عنه أنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير بالطائفة الأولى ركعتين (١) وبهذا يوافق الجمهور في أن الأولى أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين.
فإن صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين فقد خالف الأولى وصلاته صحيحه عند الجمهور (٢) لأن صلاة المغرب لم يرد فيها شيء عن النبي - ﷺ - قال الشوكاني لم يرد في صلاة المغرب في الخوف فعل ولا قول عن النبي - ﷺ - (٣) .
وقال الحنفية: إذا صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين فسدت صلاة الطائفتين، أما الطائفة الأولى فلانصرافهم في غير أوان الانصراف، وأما الثانية فلأنهم لما أدركوا الركعة الثانية صاروا من الطائفة الأولى لإدراكهم الشفع الأول، وقد انصرفوا في أوان رجوعهم فتبطل (٤) .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور أن الصلاة صحيحة، وقد خالف الأولى لما سبق من الأدلة.
فإن صلى المغرب بكل طائفة ركعة فهل تصح الصلاة؟
_________________
(١) نيل الأوطار (٣/٣٢٢) .
(٢) الذخيرة (٢/٤٣٨) والحاوي الكبير (٢/٤٦٥) والمغني (٣/٣١٠) والمبدع (٢/٣١٠) .
(٣) المرجع السابق نيل الأوطار (٣/٣٢٢) .
(٤) تبين الحقائق (١/٢٣٣) وفتح القدير (٢/٦٥) .
[ ١ / ١٥٦ ]
ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) إلى أن صلاة الطائفة الأولى باطلة لا تصح، ووجه البطلان: أن الطائفة الأولى انصرفت من الصلاة في غير أوان الانصراف، وتصح صلاة الطائفة الثانية والثالثة.
ووجه ذلك أنها موافقة سنة صلاة الخوف.
ولم أجد للحنابلة والشافعية قول في ذلك -حسب ما اطلعت عليه- من كتبهم.
ثانيا: الصلاة الرباعية:
لا خلاف بين الفقهاء فيما أعلم أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين (٣) .
لأن صلاة الخوف مبنية على المساواة بين الطائفتين وفي الرباعية تحصل المساواة وإنما الخلاف فيما إذا جعل الإمام المجاهدين أربع فرق فصلى بكل فرقة ركعة، ثم يكملون لأنفسهم ما بقي عليهم، فقد اختلفوا إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصلاة صحيحة في حق الإمام ومن خلفه، ولا إعادة عليه ولا عليهم، ولكن هذا خلاف الأولى، وهذا قول عند الشافعية (٤) وقول عند الحنابلة (٥) .
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/٢٣٣) وحاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق (١/٢٣٣) .
(٢) حاشية الدسوقي (١/٣٩٥) والذخيرة (٢/٤٣٨) وقال سحنون: تبطل صلاة الإمام وصلاتهم لتركه سنتها.
(٣) بدائع الصنائع (١/٥٥٧) وحاشية الدسوقي (١/٣٩٣) وجواهر الإكليل (٢/٥٦٢) والأم (١/٢١٣) وروضة الطالبين (٢/٥٥) والإنصاف (٢/٣٥٢) والمستوعب (٢/٤١٤) والمغني لابن قدامة (٣/٣٠٥) وإن صلى بالطائفة الأولى ثلاث ركعات وبالطائفة الثانية ركعة أو العكس صحت الصلاة، لأن الإمام لم يزد على انتظارين ورد الشرع بمثلهما. انظر الأم (١/٢١٣) والحاوي الكبير (٢/٤٦٥) والمغني (٣/٣٠٨) والمبدع (٢/١٣١) .
(٤) الأم (١/٢١٣) وروضة الطالبين (٢/٥٥) .
(٥) الإنصاف (٢/٣٥٣) والمغني (٣/٣٠٩) .
[ ١ / ١٥٧ ]
ودليلهم: أن الحاجة تدعو إلى ذلك، فأشبه ما لو فرقهم فرقتين (١) . ونوقش: أنه لا فرق بين أن تكون به حاجة إلى ذلك أم لا، لأن الرخص إنما يصار إليها بما ورد الشرع به (٢) .
القول الثاني: أن الصلاة تصح من البعض وتبطل من البعض الآخر وبهذا قال الجمهور (٣) إلا أنهم اختلفوا فيمن تصح صلاته ومن تبطل من الطوائف ففي قول عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٤) أنها تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية وتفسد صلاة الإمام والطائفة الثالثة والرابعة.
ووجه صحة صلاة الطائفة الأولى والثانية:
أنهما خرجتا من الصلاة قبل أن تفسد صلاة الإمام بالانتظار الثالث، لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - انتظار ثالث في صلاة الخوف، فزاد انتظار لم يرد الشرع به.
ووجه فساد صلاة الإمام والطائفة الثالثة والرابعة: إن الإمام بطلت صلاته بالانتظار الثالث، ولأن الطائفة الثالثة والرابعة إنما به وصلاته باطلة من أولها، فبطلت صلاتهما (٥) فإن لم تعلما ببطلان صلاة الإمام فلا تبطل صلاتهما؛ لأن ذلك مما يخفى كما لو أتم بمحدث لم يعلم حدثه لم تبطل صلاة المأموم (٦) .
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٣/٣٠٩) .
(٢) المرجع السابق.
(٣) تبيين الحقائق (١/٢٣٣) وحاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق (١/٢٣٣) والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/٣٩٥) والأم (١/٢١٣) والوسيط (٢/٣٠٤) والمغني لابن قدامة (٣/٣٠٨) والإنصاف (٢/٣٥٣) .
(٤) الأم (١/٢١٣) والوسيط (٢/٣٠٤) والمغني لابن قدامة (٣/٣٠٨) والإنصاف (٢/٣٥٣) .
(٥) الأم (١/٢١٣) والوسيط (٢/٣٠٤) والمغني لابن قدامة (٣/٣٠٨) والإنصاف (٢/٣٥٣) .
(٦) الإنصاف (٢/٣٥٣) والمغني (٣/٣٠٩) والشرح الكبير (١/٤٥٣) والأم (١/٢١٣) .
[ ١ / ١٥٨ ]
وقال الحنفية (١)، والمالكية (٢) تبطل صلاة الطائفة الأولى والثالثة، لأنهما فارقا الإمام في غير محل المفارقة.
وتصح صلاة الإمام في الجميع، لأنهم لم يجعلوا كثر الانتظارات من الإمام مبطلة للصلاة، وتصح كذلك صلاة الطائفة الثانية والرابعة، لأن مفارقتهما للإمام كانت وفي وقت الانصراف (٣) .
القول الثالث:
أن الصلاة باطلة في حق الإمام وجميع الطوائف، قال به سحنون (٤) من المالكية وهو قول عند الحنابلة (٥) . لأن الصلاة تبطل بالانتظار الأول، لأنه زاد على انتظار الرسول - ﷺ - زيادة لم يرد الشرع بها (٦) . والذي يظهر في صلاة المغرب والصلاة الرباعية في الحضر في حال الخوف أن قسمة المجاهدين إلى طائفتين يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الأخرى باقي الصلاة هو الأولى والأرجح لما يأتي:
١- أن ذلك أقرب إلى المساواة بين الطائفتين في الصلاة.
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/٢٣٣) وحاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق (١/٢٣٣) .
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/٣٩٥) .
(٣) المراجع السابقة في هامش رقم (١، ٢) .
(٤) هو: أبو سعيد عبد السلام بن حبيب بن حسان التنوخي الحمصي، المغربي القيرواني المالكي، فقيه المغرب وقاضي قيروان وصاحب المدونة في مذهب الإمام مالك، يلقب بسحنون ساد أهل المغرب في تحرير مذهب الإمام مالك، وانتهت إليه رئاسة العلم، توفي سنة ٢٤٠ هـ انظر سير أعلام النبلاء (١٢/٦٣) ولسان الميزان (٣/١٢) ت رقم (٣٦١٣) .
(٥) الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي (١/٣٩٥) والمغني (٣/٣٠٩) .
(٦) المغنى لابن قدامة (٣/٣٠٩) وحاشية الدسوقي (١/٣٩٦) .
[ ١ / ١٥٩ ]
٢- أن النبي - ﷺ - كان يقسم الناس إلى طائفتين يصلي بالأولى نصف الصلاة وبالأخرى النصف الثاني، كما سبق في الأحاديث الصحيحة ولم يرد عنه - ﷺ - فيما أعلم أنه قسم الناس إلى ثلاث طوائف أو أربع.
٣- أن صلاة الخوف مبنية على التخفيف والإسراع فيها حتى يتفرغ المجاهدون للقتال، وقسمة المجاهدين إلى أكثر من طائفتين يؤدي إلى التطويل في الصلاة وكثرة المشقة فيها.
إذا تقرر أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية بقية الصلاة فهل ينتظر الإمام الطائفة الثانية قائما للركعة الثالثة أم جالسا في التشهد؟. اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى قولين:
القول الأول: أنه ينتظر الطائفة الثانية قائما، وهو المشهور عند المالكية (١) ووجه عند الشافعية (٢) وصف بأنه الأفضل، ورواية عند الحنابلة (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- أنه لا غاية من قعوده ولا أمارة يعلمون بها فراغه من تشهده أو أوان قيامهم لقضاء ما عليهم إلا أن يشير إليهم وذلك زيادة عمل في الصلاة مستغنى عنه، فكان انتظاره إياهم قائما أولى (٤) .
٢- ولأن الإمام يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار والتشهد يستحب تخفيفه (٥) .
_________________
(١) مواهب الجليل (٢/٥٦٣) والقوانين الفقهية ص ٧٦ والمعونة (١/٣١٨) .
(٢) حاشية القليوبي وعميرة (١/٤٤٤) والحاوي الكبير (٢/٤٦٥) .
(٣) الشرح الكبير (١/٤٥٣) والمبدع (٢/١٣١) .
(٤) المعونة (١/٣١٨) .
(٥) المبدع (١/١٣١) والشرح الكبير (١/٤٥٣) والكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٤١) حاشيتا القليوبي وعميرة (١/٤٤٤) .
[ ١ / ١٦٠ ]
٣- ولأن أجر القائم أكثر من القاعد (١) .
القول الثاني: أنه ينتظرهم جالسا، وهذا قول عند المالكية (٢) وأحد الوجهين عند الشافعية (٣) ورواية عند الحنابلة (٤) .
واستدلوا بما يلي:
١- أن انتظاره إياهم في الجلوس أقر إلى المساواة لأنهم يدركونه في أول قيامه (٥) .
٢- ولأن الجلوس أخف على الإمام من القيام، وإذا انتظرهم قائما احتاج إلى قراءة سورة بعد الفاتحة وهذا خلاف السنة (٦) .
قال في الشرح الكبير: كلا الآمرين جائز (٧) والذي يظهر أن الخلاف إنما هو في الأفضلية ولعل انتظاره إياهم في القيام أفضل، لأن ثواب القائم في الصلاة أكثر وحتى لا يحصل إشكال على الطائفة الأولى في المفارقة والطائفة الثانية في الدخول إلى الصلاة، لأن الطائفة الثانية قد تحرم بالصلاة معه قبل قيامه فلا يحصل الاتباع، والله أعلم.
الوجه الثالث: الصلاة بكل طائفة صلاة كاملة.
صفة الصلاة على هذا الوجه:
_________________
(١) المبدع (١/١٣١) والشرح الكبير (١/٤٥٣) والكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٤١) حاشيتا القليوبي وعميرة (١/٤٤٤) .
(٢) مواهب الجليل (٢/٥٦٣) والقوانين الفقهية ص ٧٦ والمعونة (١/٣١٨) .
(٣) الأم (١/٢١٣) وحاشيتا القليوبي وعميرة (١/٤٤٤) وروضة الطالبين (٢/٥٥) .
(٤) المبدع (١/١٣١) والشرح الكبير (١/٤٥٣) والكافي في فقه أحمد (١/٢٤١) .
(٥) المعونة (١/٣١٨) وحاشيتا القليوبي وعميرة (ا/٤٤٤) والكافي في فقه أحمد (١/٢٤١) .
(٦) المبدع (١/١٣١) والشرح الكبير (١/٤٥٣) .
(٧) الشرح الكبير (١/٤٥٣) .
[ ١ / ١٦١ ]
إذا حضرت الصلاة جعل الإمام المجاهدين طائفتين طائفة في وجه العدو، والطائفة الأخرى معه يصلي بها جميع الصلاة سواء كانت ركعتين أو ثلاثا أو أربعا، ثم يسلم بهم فيذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلى بهم تلك الصلاة مرة ثانية تكون لهم فريضة وله نافلة (١) .
أدلة هذه الصفة ما يلي:
١- عن جابر ﵁ قال: (كنامع النبي - ﷺ - بذات الرقاع (٢) فأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكان للنبي - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان) (٣) .
قال النووي (معناه صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا، وبالثانية كذلك، وكان النبي - ﷺ - متنفلا في الثانية، وهم مفترضون) (٤) .
٢- عن أبي بكرة (٥) ﵁ قال: (صلى النبي - ﷺ - في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى بهم ركعتين، ثم سلم فانطلق الذين صلوا
_________________
(١) مغنى المحتاج (١/٥٧٥) والوسيط في المذهب (٢/٢٩٧) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٢) .
(٢) سبق بيان صفة صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع بصفة أخرى، وهذا لا يمنع أن تتعدد صفة صلاة الخوف في غزوة واحدة وقد تحمل على أن هذه الصفة في فرض والصفة الأخرى في فرض أخر، أو تحمل على تعدد الوقائع، انظر: نيل الأوطار (٣/٣١٩) وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام (٢/٣٧٤) .
(٣) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، ح رقم (٤١٣٦) وصحيح مسلم بشرح النووي كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف ح رقم (٨٤٣) .
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٦/٣٧٨) .
(٥) هو: نفيع بن الحارث، وقيل: ابن مسروح بن كلدة، نزل من حصن الطائف إلى النبي - ﷺ - ببكرة فاشتهر بأبي بكرة، أسلم وكان من فضلاء الصحابة، روى عن النبي - ﷺ - وروى عنه أولاده توفي بالبصرة سنة ٥١ هـ، وقيل: ٥٢ هـ. انظر: أسد الغابة (٥/٣٨) ت رقم (٥٧٣١) والإصابة (٦/٣٦٩) ت رقم (٨٨١٦) .
[ ١ / ١٦٢ ]
معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين، ثم سلم فكانت لرسول الله - ﷺ - أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين) (١) .
٣- عن أبي بكرة ﵁ (أن النبي - ﷺ - صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انفرقوا وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات) (٢) .
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الأخذ بهذه الصفة إلى قولين:
القول الأول: يجوز الأخذ بهذه الصفة، وبهذا قال الشافعية (٣) والحنابلة (٤) وابن حزم (٥) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه مع شرحها عون المعبود، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف (من قال يصلي بكل طائفة ركعتين) ح رقم (١٢٤٤) والنسائي في سننه بشرح السيوطي، كتاب صلاة الخوف، ح رقم (١٥٥٠) والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف وأقسامها، ح رقم (١٧٦٣) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب الإمام يصلي بكل طائفة ركعتين، ح رقم (٦٠٣٦) وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١٥/٢٣١) ح رقم (٢٠٣٧٦) .
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب الإمام يصلي بكل طائفة ركعتين، ح رقم (٦٠٣٨) والحاكم في المستدرك كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٢٥١) وقال: سمعت أبا علي الحافظ، يقول: هذا حديث غريب، أشعث الحمراني لم يكتبه إلا بهذا الإسناد، وهو صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، انظر: التلخيص للذهبي بهامش المستدرك، وأخرجه الدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف وأقسامها ح رقم (١٧٦٥) وصححه ابن خزيمة انظر صحيح ابن خزيمة كتاب الصلاة باب صلاة الإمام المغرب بالمأمومين صلاة الخوف ح رقم (١٣٦٨) .
(٣) نيل الأوطار (٣/٣٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (٦/٣٧٤) .
(٤) الإنصاف (١/٣٥٥) والكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٣٩) .
(٥) المحلى بالآثار (٣/٢٣٤) .
[ ١ / ١٦٣ ]
واستدلوا بما سبق من أدلة هذه الصفة من حديث جابر، وأبي بكرة ﵁ قال ابن حزم: هي أفضل صفات صلاة الخوف، لأن هذا آخر فعل رسول الله - ﷺ - لأن أبا بكرة شهد معه ولم يسلم إلا يوم الطائف، ولم يغز ﵊ بعد الطائف إلا غزوة تبوك (١) .
وقال ابن قدامة: (وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة إمامه ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين) (٢) .
القول الثاني: لا يجوز الأخذ بهذه الصفة وبهذا قال الحنفية (٣) والمالكية (٤) .
واستدلوا بأنه في حق الطائفة الثانية يحصل اقتداء المفترض بالمتنفل وهذا لا يجوز (٥) وقال الحنفية: إن كان الإمام مقيما فصلى بكل طائفة ركعتين جاز ذلك (٦) لأنه في هذه الحالة لا يحصل اقتداء مفترض بمتنفل. والذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، فيجوز الأخذ بهذه الصفة، لأن الروايات التي جاءت في صفتها صحيحة والله أعلم.
الوجه الرابع: صلاة الخوف ركعة واحدة في السفر.
وصفة هذا الوجه:
إذا حضرت الصلاة قسم الإمام المجاهدين إلى طائفتين طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يذهبوا إلى مواقع الطائفة الأخرى وتأتي الطائفة الأخرى فيصلى
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المغنى (٣/٣١٣) .
(٣) المبسوط (٢/٤٧) وبدائع الصنائع (١/٥٥٦) .
(٤) التمهيد (١٥/٢٧٥) وعارضة الأحوذي (٣/٣٧) .
(٥) المبسوط (٢/٤٧) واللباب في شرح الكتاب (١/٨٢) والتمهيد (١٥/٢٧٥) .
(٦) المبسوط (٢/٤٨) وبدائع الصنائع (١/٥٥٦) .
[ ١ / ١٦٤ ]
بهم ركعة ثم يسلم بهم ولا يقضون فله ركعتان ولكل طائفة ركعة (١) .
وأدلة هذه الصفة ما يلي:
١- عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله - ﷺ - صلى بذي قرد (٢) فصف الناس خلفه صفين، صف خلفه وصف مواز العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة ولم يقضوا) (٣) .
٢- وعن ثعلبة بن زهدم (٤) قال: (كنا مع سعيد بن العاص (٥) بطبرستان (٦) فقام
_________________
(١) المغنى لابن قدامة (٣/٣١٤) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٣) .
(٢) ذو قرد: ماء على بعد ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، انظر: معجم البلدان (٤/٣٦٢) ت رقم (٩٥١٠) .
(٣) أخرجه النسائي في سننه مع شرح السيوطي كتاب صلاة الخوف، ح رقم (١٥٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، ح رقم (٦٠٤٨) وصححه الحاكم انظر المستدرك كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٢٤٦) وصححه ابن خزيمة انظر: صحيح ابن خزيمة كتاب الصلاة باب صلاة الإمام في شدة الخوف ح رقم (١٣٤٤) وصححه ابن حبان. انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان كتاب الصلاة باب صلاة الخوف ح رقم (٢٨٦٠) .
(٤) هو ثعلبة بن زهدم التميمي الحنظلي من بني ثعلبة تابعي ثقة، وقيل: له صحبة روى عنه الأسود بن هلال. انظر: الإصابة (١/٥١٧) ت رقم (٩٣٥) وأسد الغابة (١/٢٨٦) ت رقم (٥٩٥) .
(٥) هو: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو عثمان، له يوم مات النبي - ﷺ - تسع سنين، ممن كتب القرآن لعثمان بن عفان ﵁ ولي الكوفة وغزا طبرستان ففتحها وكذا جرجان ولي المدينة لمعاوية، وتوفي بها سنة ٥٣ هـ وقيل: غير ذلك. انظر: أسد الغابة (٢/٢٣٩) ت رقم (٢٠٨٢) والإصابة (٣/٩٠) ت رقم (٣٢٧٨) .
(٦) طبرستان: بلدان واسعة ومدن كثيرة يشملها هذا الاسم يغلب عليها الجبال، وهي بين الري وقوس والبحر وبلاد الديلم. انظر: معجم البلدان (٤/١٤) ت رقم (٧٨٤٩) .
[ ١ / ١٦٥ ]
فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال أبو حذيفة: أنا فصلى بهؤلاء ركعة ولم يقضوا) (١) .
وقد اختلف الفقهاء في الأخذ بهذه الصفة إلى قولين:
القول الأول: يجوز الأخذ بهذه الصفة، قال به جمع من الصحابة والتابعين وابن حزم الظاهري وظاهر كلام الإمام أحمد يقتضي الجواز (٢) .
واستدلوا بما يلي:
١- ما سبق من حديث ابن عباس، وما جاء عن حذيفة ﵄ في صلاة الخوف أنها ركعة واحدة.
٢- ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) (٣) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون ح رقم (١٢٤٢) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب صلاة الخوف، باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، ح رقم (٦٠٤٦) و(٦٠٤٧) وصححه الحاكم في المستدرك كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٢٤٥ ووافقه الذهبي انظر: التلخيص بهامش المستدرك وصححه ابن خزيمة انظر: صحيح ابن خزيمة كتاب الصلاة، باب صلاة الإمام في شدة الخوف ح رقم (١٣٤٣» .
(٢) الحاوي الكبير (٢/٤٦٠) والمجموع (٤/٢٨٨) والأوسط في السنن (٥/٢٨) والمغني لابن قدامة (٣/٣١٥) والمبدع (٢/١٣٤) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٦) ونيل الأوطار (٣/٣٢٢) .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة المسافرين وقصرها ح رقم (٦٨٧) .
[ ١ / ١٦٦ ]
٣- ولأنه لما سقط شطر الصلاة لأجل المشقة في السفر، وجب أن يسقط بالخوف شطر أخر لتزايد المشقة (١) .
القول الثاني: أنه لا يجوز الأخذ بهذه الصفة، وبهذا قال الجمهور (٢) .
واستدلوا: بأن الخوف لا ينقص من عدد الركعات شيئا، وإنما تأثيره في هيئة الصلاة وصفتها (٣) .
وناقشوا أدلة من جوز هذه الصفة بما يلي:
١- ناقشوا حديث ابن عباس في صلاة الخوف بذي قرد من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث لا يثبت.
الثاني: وعلى فرض ثبوته فإن ابن عباس لم ينقل ذلك عن النبي - ﷺ - لصغر سنه فالأخذ برواية من حضرها وصلاها مع النبي - ﷺ - أولى، وهي مخالفة لما رواه ابن عباس (٤) .
٢- وناقشوا ما جاء عن حذيفة: بأنه أخرج البيهقي من حديث سليم السلولي أن حذيفة صلاها بطبرستان مثل صلاة النبي - ﷺ - بعسفان (٥) وتقدمت صفتها.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٢/٤٦٠) والمجموع (٤/٢٨٨) .
(٢) الأم (١/٢١٧) والحاوي الكبير (٢/٤٦٠) والمجموع (٤/٢٨٨) ونيل الأوطار (٣/٣٢٢) وكشاف القناع (١/٤٩٧) والكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٤١) والمبسوط (٢/٤٦) والتمهيد (١٥/٢٧١) وبداية المجتهد (١/١٨٠) وشرح السنة للبغوي (٤/٢٨٦) .
(٣) المستوعب (٢/٤١١) وحاشية الروض المربع (٢/٤١١) والحاوي الكبير (٢/٤٦٠) والمجموع (٤/٢٨٨) .
(٤) الأم (١/٢١٧) والحاوي الكبير (٢/٤٦٠) والمبدع (٢/١٣٤) والمغني لابن قدامة (٣/٣١٦) .
(٥) البيهقي في السنن الكبرى كتاب صلاة الخوف باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولم يقضوا ح رقم (٦٠٤٧) .
[ ١ / ١٦٧ ]
فالأخذ بهذه الرواية موافق للرواية الصحيحة في صلاة الخوف فيحمل حديث حذيفة عليها:
٣- أن المراد بقوله في حديث ابن عباس وحذيفة: (لم يقضوا) أي لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن، أو لم يقضوا في علم من روى ذلك (١) .
٤- وناقشوا حديث ابن عباس في أن صلاة الخوف في السفر ركعة: بأن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردا كما جاء في الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي - ﷺ - وأصحابه في الخوف جمعا بين الروايات (٢) .
٥- وناقشوا تعليلهم بأنه لما سقط شطر الصلاة لأجل المشقة في السفر وجب أن يسقط بالخوف الشطر الآخر لتزايد المشقة بأن هذا منتقض بالمرض فإن مشقته أشد ولا أثر له في القصر بالإجماع، ثم يبطل ما ذهبوا إليه بالإمام، فإنه يصلي ركعتين (٣) .
والجواب على هذه المناقشة كما يلي:
١- قولهم أن حديث ابن عباس بذي قرد لا يثبت، فيه نظر فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي على التصحيح (٤) .
_________________
(١) نيل الأوطار (٣/٣٢٢) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/٣٤٩، ٣٥٠) وفتح الباري لابن حجر (٢/٥٥١) .
(٢) المبسوط (٢/٤٦) ونيل الأوطار (٣/٣٢٢) والمجموع (٤/٢٨٨) وشرح صحيح مسلم (٥/٢٠٤) وفتح الباري (٢/٥٥١) .
(٣) المجموع (٤/٢٨٩) والحاوي الكبير (٢/٤٦٠) .
(٤) المستدرك للحاكم، كتاب صلاة الخوف ح رقم (١٢٤٦) ج (١/٤٨٥) والتلخيص بهامشه للذهبي.
[ ١ / ١٦٨ ]
وقولهم أن ابن عباس لم ينقل ذلك عن النبي - ﷺ - لا يؤثر، فقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة مع أن عامتها مرسلة عن النبي - ﷺ - ولم ينازع في ذلك أحد من السلف وأهل الحديث والفقهاء (١) .
٢- وأما قولهم أن حذيفة صلاها بطبرستان مثل صلاة النبي - ﷺ - بعسفان، كما في رواية سليم السلولي عند البيهقي، فيحتمل أن هذه صفة أخرى لصلاة الخوف في طبرستان حيث كان العدو إلى جهة القبلة فصلاها كصلاة النبي - ﷺ - بعسفان، ثم هذه الرواية ضعيفة، لأن سليما السلولي مجهول كما قال ابن حزم (٢) .
٣- أما قولهم أن المراد بقوله في الحديث (لم يقضوا) أي لم يعيدوا بعد الأمن فقد قال الشوكاني: هذا بعيد جدا (٣) ويرد عليهم بحديث ابن عباس عند مسلم (وفي الخوف ركعة) (٤) .
فهذا حديث صحيح ذكر أن صلاة الخوف ركعة.
٤- وأما قولهم في حديث ابن عباس الذي جاء فيه (وفي الخوف ركعة) أن المراد ركعة مع الإمام وأخرى يأتي بها متفردا: فإنه مردود بما جاء في حديث ابن عباس بذي قرد، وحديث حذيفة (ولم يقضوا) أي أنهم لم يأتوا بركعة منفردين، وما جاء عن حذيفة أنه أمر بقضاء ركعة، فهذا قد انفرد به الحجاج بن أرطاة (٥) وهو ساقط لا تحل الرواية عنه، ثم لو صح لما منع من
_________________
(١) شرح ابن القيم لسنن أبي داود بحاشية عون المعبود (٤/٨٩) والتلخيص الحبير لابن حجر (٢/٧٥) .
(٢) المحلى بالآثار (٣/٢٣٧) .
(٣) نيل الأوطار (٣/٣٢٢) .
(٤) سبق تخريجه.
(٥) الحجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي الكوفي. كان فقيها واحد مفتي الكوفة، وكان فيه تيه، جائز الحديث إلا أنه صاحب إرسال، ويعيب الناس منه التدليس، وحديثه فيه زيادة، قال ابن معين: صدوق ليس بالقوي وقال أبو زرعة: صدوق يدلس، وقال النسائي: ليس بالقوي: (انظر: تهذيب التهذيب (٢/١٧٢» ت ٣٦٥.
[ ١ / ١٦٩ ]
رواية الثقات أنهم لم يقضوا بل يكون كل ذلك جائزا (١) .
الترجيح
الذي يظهر بعد ما تقدم من الأدلة، والمناقشة أن هذه الصفة ثابتة لصحة الأحاديث التي جاءت بها، لكن تحمل على الصلاة في شدة الخوف والتحام الجيوش فتصلي ركعة واحدة وتجزئ كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم (٢) قال مجاهد (٣) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال: هذه في حال العدو يصلي راكبا وراجلا يومئ حيث كان وجهه والركعة الواحدة تجزئه (٤) ولأن في صلاة شدة الخوف يغتفر ترك الركوع والسجود، فكذلك ترك الركعة والله أعلم.
الحالة الثانية من حالات الخوف: شدة الخوف.
وضابط شدة الخوف هو: إطلال العدو على المجاهدين فيتراءون معا، ولا يدعهم العدو يصلون نازلين بل يهاجمونهم والمجاهدون في غير حصن فينالهم السلام والرمي (٥) .
_________________
(١) المحلى بالآثار (٣/٢٣٧) .
(٢) الأوسط في السنن (٥/٢٨) والإنصاف (١/٣٥٧) ونيل الأوطار (٣/٣٢٢) وشرح السنة للبغوي (٤/٢٨٥) .
(٣) هو: مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي الأسود، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي شيخ القراء والمفسرين، أخذ القرآن، والتفسير والفقه عن ابن عباس وغيره من الصحابة، ثقة عالم بالقرآن، أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، مات سنة ١٠١ هـ وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/٤٤٩) وتهذيب التهذيب (١٠/٣٨) .
(٤) المحلى بالآثار (٣/٢٣٦) .
(٥) الأم للشافعي (١/٢٢٢) وحاشية سعدي حلبي بهامش فتح القدير (٢/٦٧) .
[ ١ / ١٧٠ ]
اتفق الفقهاء -فيما أعلم- على أن المجاهدين يصلون رجالا وركبانا إلى القبلة وغير القبلة إيماء بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الركوع في حال شدة الخوف دون حصول القتال والتحام الجيوش والضرب والطعن (١) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩] .
قال ابن عمر ﵄ (فإن كان خوفا هو أشد.. صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبل القبلة أو غير مستقبليها) (٢) .
الحالة الثالثة للخوف: التحام الجيوش وحصول القتال، والضرب والطعن.
اختلف الفقهاء في هذه الحالة، هل يصلي المجاهدون صلاة شدة الخوف أم يؤخرون الصلاة إلى انكشاف القتال؟ إلى قولين:
القول الأول: أنهم يصلون صلاة شدة الخوف رجالا أو ركبانا إلى القبلة أو إلى غيرها يؤمئون بالركوع والسجود على حسب استطاعتهم وقدرتهم ولا يتركون الصلاة مطلقا.
_________________
(١) الاختيار للموصلي (١/٨٩) وفتح القدير (٢/٦٤) والبناية على الهداية (٣/٢٠١) وحاشية الدسوقي (١/٣٩٣) والمدونة للإمام مالك (١/١٦٢) والذخيرة (١/٤٤١) والأم (١/٢٢٢) والحاوي الكبير (٢/٤٧٠) وروضة الطالبين (٢/٦٠) ومغني المحتاج (١/٥٧٨) والمستوعب (٢/٤١٧) والمحرر في الفقه (١/١٣٨) والمغني (٣/٣١٦) والمبدع (٢/١٣٦) وكشاف القناع (١/٤٩٩) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٦) .
(٢) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير باب (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا..) ح رقم (٤٥٣٥) قال الإمام مالك عن نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - ﷺ - انظر: موطأ الإمام مالك، كتاب صلاة الخوف، ص (١٣١) وقال ابن حجر في الفتح: اختلف في قوله (فإن كان خوفا أشد..) هل هو: مرفوع أم موقوف على ابن عمر، والراجح وقفه. انظر: فتح الباري (٢/٥٥٠) .
[ ١ / ١٧١ ]
وبهذا قال جمهور الفقهاء (١) .
القول الثاني: أنهم لا يصلون صلاة شدة الخوف في حال القتال وكثرة الضرب والطعن ويؤخرون الصلاة إلى انكشاف القتال، وبهذا قال الحنفية (٢) وهو قول عند المالكية (٣) وقول عند الشافعية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) .
وقد سبق بيان هذه الأقوال، وأدلة كل قول ومناقشتها والترجيح عند الحديث عن وقت صلاة الخوف، وما قيل: هناك، يقال: هنا (٦) والله أعلم.