اشتراط الجماعة لصلاة الخوف
تمهيد: لا خلاف بين العلماء أن صلاة الجماعة مشروعة (٥) واختلفوا في حكمها في حال الأمن إلى قولين:
_________________
(١) جامع البيان للطبري (٢/٥٨٨) .
(٢) سبق تخريجه.
(٣) مغني المحتاج (١/٥٧٩) والاختيار للموصلي (١/٨٩) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٥) والبناية على الهداية (٣/٢٠١) .
(٤) راجع الحالة الأولى في كيفية صلاة الخوف.
(٥) بدائع الصنائع (١/٣٨٤) وحاشية الروض المربع (٢/٢٥٥) ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ١٠٩.
[ ١ / ١٧٤ ]
القول الأول: أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان.
قال بهذا الحنابلة (١) وهو قول عند الشافعية (٢) وابن حزم (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] .
وجه الدلالة من الآية: أن الله ﷾ أمر بإقامة الجماعة حال الخوف ففي غيره أولى (٤) .
٢- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم..) (٥) .
وجه الدلالة من الحديث: أنه - ﷺ - توعدهم بالعقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم (٦) .
واختلف أصحاب هذا القول هل الجماعة شرط لصحة الصلاة أم لا؟
فنص الإمام أحمد ﵀ على أن الجماعة ليست شرطا لصحة الصلاة (٧) .
_________________
(١) الشرح الكبير (١/٣٨٣) والمغني (٣/٥) .
(٢) سبل السلام (٢/٤١) وروضة الطالبين (١/٣٣٩) ونيل الأوطار (٣/١٢٣) .
(٣) المحلى بالآثار (٣/١٠٤) .
(٤) حاشية الروض المربع (٢/٢٥٧) ومجموع الفتاوى (٢٣/٢٢٧) .
(٥) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الأذان باب وجوب صلاة الجماعة، ح رقم (٦٤٤) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب المساجد باب فضل صلاة الجماعة ح رقم (٦٥١) .
(٦) سبل السلام (٢/٤١) .
(٧) المغنى لابن قدامة (٣/٧) وحاشية الروض المربع (٢/٢٥٩) والشرح الكبير (١/٣٨٤) .
[ ١ / ١٧٥ ]
والدليل ما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) .
وجه الدلالة: أن المفاضلة تدل على أن المفضول فيه فضل، فيلزم من ذلك أن يكون صحيحا (٢) .
ويستدل أيضا: بأنه لا قائل بوجوب الإعادة على من صلى وحده (٣) .
وفي رواية عند الإمام أحمد أخذ بها ابن تيمية، وابن حزم وغيرهما، أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، فمن صلى في بيته دون عذر لم تصح صلاته (٤) .
واستدلوا بما سبق من أدلة وجوب الصلاة على الأعيان.
وبما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من سمع المنادي فلم يمنع من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى» (٥) .
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، ح رقم (٦٤٥) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، ح رقم (٦٥٠) .
(٢) الشرح الممتع (٤/٢٠٥) .
(٣) المغنى لابن قدامة (٣/٧) .
(٤) المغنى (٣/٧) وحاشية الروض المربع (٢/٢٥٩) والشرح الكبير (١/٣٨٤) والمحلى بالآثار (٣/١٠٤) .
(٥) أخرجه أبو داود مع عون المعبود كتاب الصلاة باب التشديد في ترك الجماعة، ح رقم (٥٤٧) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب ما جاء من التشديد في ترك الجمعة، ح رقم (٤٩٤٠) وأخرجه الدارقطني في سننه كتاب الصلاة باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه، ح رقم (١٥٤٠) وصححه الحاكم وابن حبان. انظر: المستدرك للحاكم، كتاب الصلاة، ح رقم (٨٩٦) قال الذهبي في التلخيص بهامش المستدرك تابعه داود بن الحكم، وانظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة باب فرض الجماعة، ح رقم (٢٠٦١) .
[ ١ / ١٧٦ ]
ولأن ما ثبت وجوبه في الصلاة كان شرطا في صحة الصلاة كسائر الواجبات (١) .
القول الثاني في حكم صلاة الجماعة: أنها غير واجبة على الأعيان، ثم اختلفوا بينهم. هل هي فرض كفاية، أم سنة مؤكدة؟ فعند الشافعية على الصحيح أنها فرض كفاية (٢) .
وعند الحنفية (٣) والمالكية (٤) أنها سنة مؤكدة والسنة المؤكدة عند كثير من الحنفية بمعنى الواجب قال في بدائع الصنائع: قال عامة مشائخنا أنها واجبة، ورد على الكرخي (٥) وغيره من الحنفية الذين قالوا: أنها سنة مؤكدة، بأن هذا ليس اختلافا في الحقيقة، بل من حيث العبارة، لأن السنة المؤكدة والواجب سواء، فإن الكرخي قال: هي سنة، ثم فسرها بالواجب، فقال: الجماعة سنة لا يرخص لأحد التأخر عنها، إلا لعذر وهذا تفسير الواجب (٦) .
واستدلوا بأنها ليست فرضا على الأعيان:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٣/٢٣٢) .
(٢) روضة الطالبين (١/٣٣٩) ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ١١٠ والمجموع للنووي (٤/٨٧) وفي قول للشافعية أنها سنة مؤكدة انظر المراجع السابقة للشافعية ونيل الأوطار (٣/١٢٣) .
(٣) الاختيار للموصلي (١/٥٧) والبحر الرائق (١/٦٠٢) .
(٤) حاشية الخرشي (٢/١٣٢) وحاشية الدسوقي (١/٣١٩) والتلقين ص (١١٨) .
(٥) هو: عبيد الله بن الحسين بن دلال: أبو الحسن الكرخي، الحنفي، انتهت إليه رئاسة العلم والمذهب الحنفي، من مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير في فروع الفقه الحنفي، وله رسالة في أصول الفقه، وغير ذلك توفي في بغداد سنة ٣٤٠ هـ. انظر: الجواهر المضية (٢/٤٩٣) ت رقم (٨٩٤) والفهرست لابن النديم ص ٢٥٨ ومعجم المؤلفين (٢/٣٥١)، ت رقم (٨٧٧١) .
(٦) بدائع الصنائع (١/٣٨٤) .
[ ١ / ١٧٧ ]
بقوله - ﷺ - (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) .
وجه الدلالة: أن المفاضلة تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين (٢) .
وناقشوا استدلال أصحاب القول الأول بما يلي:
١-الآية التي استدلوا بها المراد بها تعليم صلاة الخوف وبيانها عند ملاقاة العدو، لأن ذلك أبلغ في الحراسة فلا دليل على وجوب الجماعة فيها (٣) .
والجواب من وجهين:
الأول: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، والأمر المطلق يقتضي الوجوب فهي واجبة حال الخوف (٤) .
الثاني: أن صلاة الخوف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها من ترك استقبال القبلة والعمل الكثير والتأخر عن متابعة الإمام، ولو كانت صلاة الجماعة غير واجبة لكان قد التزم المصلي محظورا مبطلا للصلاة لأجل فعل مستحب، فعلم أنها واجبة (٥) .
٢- وناقشوا الاستدلال بالحديث من وجهين:
الأول: أن الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) المجموع للنووي (٤/٨٨) والحاوي الكبير (٢/٢٩٨) .
(٣) الحاوي الكبير (٢/٣٠١) .
(٤) مجموع الفتاوى (٢٣/٢٢٧) .
(٥) مجموع الفتاوى (٢٣/٢٢٧)
[ ١ / ١٧٨ ]
الثاني: أن النبي - ﷺ - قال: (لقد هممت) ولم يفعل ولو كان واجبا ما تركه (١) .
والجواب على الوجه الأول: أن النبي - ﷺ - كان يقيل المنافقين في الأمور الباطنة، أما ما ظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم فإنه يعاقبهم عليه، فلولا أن في ذلك ترك واجب لما حرقهم ثم إنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره (٢) .
أما الوجه الثاني: فإنه تركهم، لأنه يجوز ترك الواجب لما هو أوجب منه (٣) وربما أنه كان في البيوت أطفال ونساء ممن لا تجب عليهم صلاة الجماعة، فترك ذلك من أجلهم، قال الشيخ ابن عثيمين: الذي منعه، أنه لا يعاقب بالنار إلا الله ﷾ (٤) .
الترجيح
الذي يظهر لي مما تقدم في حكم صلاة الجماعة أنها فرض عين لما سبق من الأدلة الدالة على وجوبها على الأعيان، ولمواظبة النبي - ﷺ - عليها حتى في حالات قتال الأعداء وشدة الخوف، ثم لو كانت سنة لما توعد تاركها بالعقاب، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول - ﷺ - وبمن صلى معه، فتعين أنها فرض عين وليست شرطا في صحة الصلاة، كما ذهب إليه بعض الحنابلة، وابن حزم، وغيرهم لما سبق من أحاديث المفاضلة التي تدل على صحة صلاة الفرد بدون عذر، وقياسهم الشروط على
_________________
(١) المجموع للنووي (٤/٨٨) .
(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/٢٢٩) .
(٣) شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/٣٨١) .
(٤) الشرح الممتع (٤/١٩١) .
[ ١ / ١٧٩ ]
سائر الواجبات في الصلاة قياس مع الفارق، لأن صلاة الجماعة واجبة للصلاة وسائر الواجبات في الصلاة واجبة في الصلاة ذاتها، فهي ألصق بها من الواجب لها (١) والله أعلم. إذا تقرر هذا فهل الجماعة شرط في صلاة الخوف؟
إذا كان الخوف غير شديد فهي واجبة على الأعيان، وليست شرطا لصحة الصلاة على ما رجحنا من أقوال أهل العلم، ويجري فيها الخلاف السابق ذكره.
والأدلة على أنها واجبة على الأعيان في الخوف غير الشديد ما سبق من أدلة الوجوب، وما سبق أيضا من صفات صلاة الخوف والتي كان فيها الرسول - ﷺ - محافظا على صلاة الجماعة على اختلاف صورها وصفاتها (٢) .
ولأن في صلاة المجاهدين جماعة، هيبة في قلوب العدو، وتأليف بين المجاهدين، وتقوية لهم على الجهاد في سبيل الله.
أما إقامة الجماعة في حال شدة الخوف، فقد اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه يصح إقامة الجماعة في صلاة شدة الخوف ويومئون بالركوع والسجود (٣)
واستدلوا بما سبق من الأدلة الواردة في فضل صلاة الجماعة ولزومها.
وقال الحنفية وهو قول عند الحنابلة لا يلزمهم إقامة الصلاة جماعة في اشتداد الخوف (٤)
_________________
(١) الشرح الممتع (٤/٢٠٧) .
(٢) راجع: الحالة الأولى في كيفية صلاة الخوف.
(٣) بلغه السالك (١/١٨٦) وحاشية العدوى بحاشية الخرشي (٢/٢٨٤) . الأم (١/٢٢٢) والمجموع (٤/٣١٢) والشرح الكبير (١/٤٥٧) والمغني لابن قدامة (٣/٣١٩) وتجب عند الحنابلة كغيرها لعموم الأدلة. انظر: كشاف القناع (١/٤٩٩) والفروع لابن ملفح (٢/٨٥) .
(٤) المبسوط (٢/٤٨) وبدائع الصنائع (١/٥٥٩) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٥) والشرح الكبير (١/٤٥٧) .
[ ١ / ١٨٠ ]
واستدلوا بأنه لا يمكن في حال اشتداد الخوف الاقتداء بالإمام، لأنه قد يتأخر ويتقدمون عنه (١) .
الترجيح
والذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح لأنه إذا أمكن صلاتها فرادى فصلاتها جماعا أولى لكن بشرط متابعة الإمام، ولا يضر التقدم عليه للحاجة إلى ذلك في صلاة الخوف (٢) ولا تجب لأن شدة الخوف عذر في ترك الجماعة. والله أعلم.