ذهب عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وابن حزم وغيرهم (١) إلى أن شهيد المعركة لا يغسل، ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك.
جاء في شرح السنة: اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يغسل (٢) .
واستدلوا بما يلي:
١- عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - في شهداء أحد: (أمرهم بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) (٣) .
٢- عن أنس بن مالك ﵁ (أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم) (٤) .
_________________
(١) رءوس المسائل ص ١٩٣ بدائع الصنائع (٢/٧١) والمبسوط (٢/٩٤) والمدونة (١/١٨٣) . والكافي في فقه أهل المدينة (١/٢٧٩) والمجموع (٥/٢٢١) والوسيط (٢/٣٣٧) والمغني (٣/٤٦٧) والإنصاف (٢/٤٦٨) وشرح منتهى الإرادات (١/٣٤٤) والمحلى بالآثار (٣/٣٣٦) .
(٢) شرح السنة للبغوي (٥/٣٦٦) .
(٣) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب من لم يرى غسل الشهداء، ح رقم (١٣٤٦) وباب الصلاة على الشهيد ح رقم (١٣٤٣) .
(٤) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل ح رقم (٣١٣٣) وقال النووي في المجموع: رواه أبو داود بإسناد حسن (٥/٢٢٦) وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الجنائز، ح رقم (١٣٥٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، انظر: المستدرك والتلخيص للذهبي بهامشه (١/٥٢٠) وأخرجه الدارقطني في سننه، كتاب السير، ح (٤١٦١) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب المسلمون يقتلهم المشركون في المعركة ح رقم (٦٧٩٧) .
[ ١ / ٢٥٣ ]
وجه الدلالة: أن الحديثين صحيحان صريحان في أن شهداء أحد لم يغسلوا، ولا سيما أن جابر بن عبد الله - ﵁ - كان حاضر المعركة، فهو يخبر بما رأي، وهكذا سائر الشهداء في ميدان المعركة مع العدو لا يغسلوا.
وذهب الحسن البصري (١) وسعيد بن المسيب إلى أنه يغسل (٢) .
وعللوا لقولهم بما يلي (٣) .
١- أن الغسل سنة الموتى من بني آدم.
٢- أن غسل الميت تطهير له حتى يجوز الصلاة عليه بعد غسله.
وقال في عدم غسل شهداء أحد: أن الجراحات فشت في الصحابة في ذلك اليوم، وكان يشق عليهم حمل الماء إلى المدينة (٤) .
ونوقش هذا بما يلي:
١- أما التعليلات المذكورة، فتردها السنة الصحيحة في ترك غسلهم (٥) .
٢- وأما قولهم إن الجراحات كثرت في الصحابة وشق عليهم حمل الماء من المدينة ليغسلوهم، فإنه لو كان ترك غسلهم للتعذر، لأمر النبي - ﷺ - أن ييمموا بالتراب، ولكنه لم يأمرهم.
وكذلك لم يعذرهم في ترك الدفن، والمشقة في حفر القبور أعظم منها في الغسل (٦) .
_________________
(١) هو: الحسن بن يسار البصري، أبوه مولى زيد بن ثابت، وأمه خيرة مولاهم أم سلمة أم المؤمنين، ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر، كان سيد أهل زمانه علما وعملا، توفي سنة ١١٠ هـ بالبصرة. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/٥٦٣) ت رقم (٢٢٣) وطبقات ابن سعد (٧/١٥٦) .
(٢) المجموع (٥/٢٢٥) والمبسوط (٢/٤٥) ونيل الأوطار (٤/٢٩) .
(٣) المبسوط (٢/٤٩) ونيل الأوطار (٤/٢٩) .
(٤) المرجعان السابقان في هامش رقم (٣) .
(٥) شرح سنن أبي داود لابن القيم بحاشية عون المعبود (٨/٢٨٥) .
(٦) المبسوط (٢/٤٩) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
الترجيح
الراجح ما ذهب إليه عامة الفقهاء أن شهداء المعركة لا يغسلون، للسنة الصحيحة لترك غسل من قتل في المعركة، كما في شهداء أحد، ولأن دفنهم بدمائهم دون غسل ميزة للشهداء يوم القيامة.
كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك» (١) .