اتفق الأئمة الأربعة، وابن حزم وغيرهم. أن شهيد المعركة مع الكفار يكفن في ثيابه التي قتل فيها (١) .
واستدلوا بما يلي:
١- عن جابر ﵁ قال: (رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله - ﷺ -) (٢) .
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: (أمر رسول الله - ﷺ - بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (٣) .
_________________
(١) المبسوط (٢/٥١) وبدائع الصنائع (٢/٧٣) والمدونة (١/١٨٣) والكافي في فقه المدينة (١/٢٧٩) والمجموع (٥/٢٢٤) وروضة الطالبين (٢/١٢٠) والمغني (٣/٤٧١) وكشاف القناع (١/٥٧٥) . والمحلى لابن حزم (٣/٣٣٦) .
(٢) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، ح رقم (٣١٣١) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز باب من استحب أن يكفن في ثيابه، ح رقم (٦٨١١) وابن ماجة في سننه كتاب الجنائز باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم، ح رقم (١٥١٥) والإمام أحمد في مسنده ج (١٢/٣٢) ح رقم (١٤٨٩٣) قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. انظر: المجموع: (٥/٢٢٤) .
(٣) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الجنائز باب في الشهيد يغسل ح رقم (٣١٣٢) قال في عون المعبود: في إسناده علي ابن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة وعطاء بن السائب، وفيه مقال (٨/٢٨٣) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز باب من استحب أن يكفن في ثيابه، ح رقم (٦٨١٢) قال النووي في المجموع: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم (٥/٢٢٤) ورواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٢٠) ح رقم (٢٢١٧) قال أحمد شاكر: إسناده حسن. قال ابن حجر: رواه أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس وفي إسنادهما ضعف، لأنه من رواية عطاء ابن السائب وهو مما حدث به عطاء بعد الاختلاط وعطاء بن السائب ثقة إلا أنه خلط في أخر حياته، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان اختلط بآخره ولم يفحش حتى يستحق أن يعدل به عن مسلك العدول. انظر: التلخيص الحبير (٢/١١٨) وانظر: تهذيب التهذيب (٧/١٨٣) .
[ ١ / ٢٦١ ]
إذا تقرر أن شهيد المعركة مع الكفار يكفن في ثيابه التي قتل فيها، فهل هذا على وجه الاستحباب والأولوية، أم للوجوب، اختلف الفقهاء إلى قولين:
القول الأول: أنه يجب تكفينه في ثيابه التي قتل فيها ولا تنزع عنه، وهذا قول الحنفية (١) والمالكية (٢) والصحيح عند الحنابلة (٣) واختاره الشوكاني (٤) .
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: (أمر رسول الله بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (٥) .
وجه الدلالة: أنه أمر - ﷺ - أن يدفنوا بثيابهم والأمر عند إطلاقه يقتضي الوجوب.
ونوقش: بأن الأمر فيه محمول على الاستحباب للجمع بين الأدلة (٦) .
القول الثاني: إنه يستحب تكفينه في ثيابه التي قتل فيها، ولولي الشهيد أن ينزع عنه ملابسه التي قتل فيها، ودفنه فيها أفضل وأولى، وهذا قول الشافعية (٧) ورواية عند الحنابلة اختارها ابن قدامة (٨) .
واستدلوا بما روي عن صفية (٩) ﵂ (أنها أرسلت إلى النبي - ﷺ - ثوبين يكفن فيها حمزة ﵁ فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجل آخر) (١٠) .
_________________
(١) المبسوط (٢/٥١) والبناية في شرح الهداية (٣/٣٢٠) وروءس المسائل ص (١٩٤) .
(٢) بلغه السالك (١/٢٠٤) والذخيرة (٢/٤٧٥) وحاشية الدسوقي (١/٤٢٦) .
(٣) كشاف القناع (١/٥٧٥) والإنصاف (٢/٥٠٠) والمبدع (٢/٢٣٦) .
(٤) نيل الأوطار (٤/٤٠) .
(٥) سبق تخريجه.
(٦) المغني (٣/٤٧١) .
(٧) المجموع (٥/٢٢٤) ومغنى المحتاج (٢/٣٦) وروضة الطالبين (٢/١٢٠) .
(٨) المغني (٣/٤٧١) والشرح الكبير (١/٥٤٦) والكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٢٨) والمبدع (٢/٢٣٦) .
(٩) هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية عمة رسول الله - ﷺ - ووالدة الزبير ابن العوام، وهي شقيقة حمزة، وأمها هالة بنت وهب خالة رسول الله - ﷺ - توفيت في خلافة عمر. انظر الإصابة (٨/٢١٣) ت (١١٤١١) وأسد الغابة (٦/١٧٢) ت رقم (٧٠٥٩) .
(١٠) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب الدليل على جوازالتكفين في ثوب واحد رقم (٦٦٨٤) وقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط وفيه عثمان الجزري ولم أجد من ترجم له، وبقية رجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد باب ما جاء في الكفن (٣/٢٤) .
[ ١ / ٢٦٢ ]
وجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - كفن حمزة رضي الله في ثوب غير الذي قتل فيه، وكذلك الرجل الذي وجد مقتولا كفن في ثوب غير الذي قتل فيه، فدل ذلك على جواز تكفين الشهيد في غير ما قتل فيه.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه محمول على أن حمزة ﵁ والرجل الذي وجد معه قد سلبت ثيابهما لأن المشركين مثلوا بحمزة وعلى هذا فإن تكفينه في هذه الحالة بثوب آخر واجب، ويحتمل أن الثوب الذي وضع على حمزة وعلى صاحبه ضم إلى ما كان عليهما من ثياب قتلا فيها (١) .
الترجيح
الذي يظهر أن القول الأول الذي يوجب دفن شهيد المعركة مع الكفار بثيابه التي قتل فيها، هو الراجح لأمر النبي - ﷺ - بذلك، كما في حديث ابن عباس ﵄ ولم يوجد صارف لهذا الأمر بشرط أن تستر ثيابه جميع بدنه، فإن لم تستر جميع بدنه زيد في ثيابه ما يستره. والله أعلم.