اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مشروعية المسح على الجبيرة بالماء إلى قولين:
القول الأول: يشرع المسح على الجبيرة بالماء سواء كانت في أعضاء الوضوء، أو في سائر البدن في الحدث الأكبر، للمجاهد في سبيل الله وغيره، وبهذا قال الجمهور من الفقهاء (١) .
وشرطوا: أن يكون في نزع الجبائر عن الجراح أو الكسور ضرر عليه، فإن لم يكن في نزعها ضرر، فلا يجوز المسح عليها (٢) .
واستدل الجمهور بما يلي:
١- عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأله أصحابه قال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) (٣) .
_________________
(١) الاختيار للموصلي (١/١٤١) والبخر الرائق (١/٣٢٢) والمبسوط، والكافي في فقه أهل المدينة (١/١٧٩) وحاشية الدسوقي (١/١٦٣) والمعونة (١/١٤١) ومواهب الجليل (١/٥٣١) والمغني (١/٣٥٥) والمبدع (١/١٥١) والأوسط في السنن (٢/٢٥) وكفاية الأخيار ص (٦٢) .
(٢) فتح القدير (١/١٤١) وبدائع الصنائع (١/٩٠) حاشية الدسوقي (١/١٦٣) والحاوي الكبير (١/٢٧٧) وكفاية الأخيار ص ٦٢ والفروع لابن مفلح (١/١٦٦) والمغني (١/٣٥٥) .
(٣) سبق تخريجه.
[ ١ / ١١٣ ]
٢- ما روي عن علي ﵁ قال: كسر زندي يوم أحد.. فقلت: يا رسول الله ما أصنع في الجبائر، فقال: (امسح عليها) (١) .
وجه الدلالة: أنه إذا شرع المسح على الجبائر عند كسر الزند، فيلحق به ما كان في معناه من الجروح والقروح.
ونوقش هذا الحديث: بأنه ضعيف (٢) .
ويمكن الجواب عنه: بأن حديث علي ﵁ وإن كان ضعيفا، فإنه يعضد له حديث جابر ﵁ في صاحب الشجة، أنه يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها.
٣- عن ابن عمر ﵄ أنه توضأ وكفه معصوب فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك (٣) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب المسح على العصائب والجبائر، ح رقم (١٠٨٢) والحديث ضعيف قال البيهقي: عمرو بن خالد الواسطي معروف بوضع الحديث كذبه أحمد وابن معين وغيرهما انظر: السنن الكبرى (١/٣٤٩) وقال في نصب الراية أبو خالد الواسطي متروك، وقال أبو حاتم: هذا حديث باطل، وقال ابن معين عمرو بن خالد الواسطي كذاب غير ثقة ولا مأمون (١/١٨٦) وقال النووي اتفق الحفاظ على ضعف الحديث لأنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي انظر المجموع (١/٣٦٨) .
(٢) المحلى بالآثار (١/٣١٧) .
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهار باب المسح على العصائب والجبائر، ح رقم (١٠٨١) وقال: هو عن ابن عمر صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الطهارات، باب المسح على الجبائر، ح رقم (١٥) وعبد الرزاق في مصنفه كتاب الطهارة باب المسح على العصائب والجروح، ح (٦٢٥) وألفاظ هذه الأحاديث مختلفة.
[ ١ / ١١٤ ]
ونوقش هذا: بأنه فعل من ابن عمر وليس إجابا للمسح (١) .
ويمكن الجواب عنه: بأن ابن عمر ﵁ من أشد الصحابة التزاما بسنة النبي - ﷺ - ولأن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبيرة، واستدامة لبسها للخوف على العضو المجروح يمنع من وصول الماء إليه (٢) .
القول الثاني: لا يجوز المسح على الجبائر بالماء.
وهو قول: الحناطي (٣) من الشافعية قال: يتيمم ولا يمسح على الجبيرة بالماء (٤) وقول ابن حزم (٥) .
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أنه لم يأت قرآن ولا سنة ثابتة بجواز المسح على الجبيرة فيسقط المسح (٦) . ويمكن الجواب عنه: بأن السنة جاءت بجواز المسح على الجبائر، كما في حديث صاحب الشجة.
_________________
(١) المحلى بالآثار (١/٣١٧) .
(٢) البحر الرائق (١/٣٢١) .
(٣) هو: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الحناطي الطبري، كان حافظا لكتب الشافعي، له مصنفات كثيرة، ومسائل غريبة، توفي بعد الأربعمائة من الهجرة بقليل، انظر تهذيب الأسماء (٢/٢٥٤) ت رقم (٣٧٩) وطبقات ابن السبكي (٤/٣٦٧) .
(٤) المجموع للنووي (٢/٣٦٩) .
(٥) المحلى بالآثار لابن حزم (١/٣١٦) .
(٦) المحلى بالآثار لابن حزم (١/٣١٧) .
[ ١ / ١١٥ ]
٢- قول سعيد بن جبير (١) ﵀ في الجراح: (اغسل ما حوله ولا تقربه الماء) (٢) .
ويمكن الجواب عنه: أنه يحتمل أن المراد الجراح المكشوفة إذا كانت تتضرر بالغسل، أو بالمسح بالماء. وبهذا يظهر أن قول الجمهور بجواز المسح على الجبائر هو الراجح، وأن قول ابن حزم في سقوط المسح والتيمم عن العضو الذي عليه جبيرة قول ضعيف، لأن العضو موجود فلا يسقط فرضة.
ومن قال: ينتقل صاحب الجبيرة إلى التيمم ويترك المسح بالماء على الجبيرة فيه بعد لأن المسح بالماء أقرب إلى الطهارة بالماء، ولأن التيمم قد يكون في غير محل الجبيرة، ومحل التيمم هو الوجه والكفين (٣) فالمسح بالماء أولى، والله أعلم.
_________________
(١) هو: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الواليبي الكوفي، أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد من كبار أئمة التابعين ومن أكثرهم علما، وعبادة وورعا قتله الحجاج ظلما في شعبان سنة ٩٥ هـ ولم يعش الحجاج بعده إلا أياما، انظر سير أعلام النبلاء (٤/٣٢١) ت رقم (١١٦) وتهذيب الأسماء واللغات (١/٢١٦) ت رقم (٢٠٨) .
(٢) مصنف عبد الرزاق كتاب الطهارة باب المسح على العصائب والجروح ح رقم (٦٢٤) .
(٣) الشرح الممتع (١/٢٠٠) .
[ ١ / ١١٦ ]