فأقول وبالله وحده أستعين:
لم ينطق بكلمة " الإجماع " في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي إلا هذا الشيخ وما حمله على ذلك إلا شدته وتعصبه لرأيه وإغماضه لعينيه عن كل ما يخالفه من النصوص فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات ولو كان
[ ١٦٧ ]
في وقتي متسع لألفت رسالة خاصة أرد فيها ما تيسر لي من أقوالهم في هذه المسألة،ولكن لا بد لي من أن أنقل هنا بعضها مما يدل على بطلان الإجماع الذي ادعاه.
فأقول:
الأول: قال ابن حزم في كتابه " مراتب الإجماع " (ص ٢٩) ما نصه: واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويديها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا؟
وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى.
الثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في " الإفصاح " (١/ ١١٨ - حلب): واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها. كما يأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريبا.
الثالث: جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري في بحث حد عورة المرأة (١/ ١٦٧ - الطبعة الثانية): أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة،فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة "
[ ١٦٨ ]
ثم استثنى من ذلك مذهب الشافعية وفيه نظر ظاهر لما تقدم في " الإفصاح " وغيره مما تقدم ويأتي.
الرابع: قال ابن عبد البر في " التمهيد " (٦/ ٣٦٤) - وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثور -:
" على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة حتى ظفرها "
ثم قال ابن عبد البر:
هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة (١) وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل (٢).
_________________
(١) ١ - قلت: وهذا مما خالف فيه التويجري فأوجب على المرأة أن تستر وجهها وكفيها حتى ظفرها في الصلاة إذا كانت تصلي بحضرة الأجانب دون حجة سوى مجرد الدعوى مع مخالفته ما كان عليه النساء في عهده ﷺ كما سترى في الكتاب في قصة الرجل الذي كان ينظر إلى المرأة في الصلاة (ص ٧٠) مع مخالفته في ذلك لقول ابن عبد البر هذا والإجماع الذي نقله
(٢) ٢ - قلت: قول أحمد هذا رواه أبو داود أيضا في " مسائل الإمام أحمد " (ص ٤٠)
[ ١٦٩ ]
قلت: وقد كنت نقلت فيما يأتي من الكتاب (ص ٨٩) عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على أن وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟ وإذا كان الإمام أحمد يقول فيما صح عنه: " من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا؟ ". إذا كان هذا قوله فيمن لا يدري الخلاف فماذا كان يقول يا ترى فيمن يدري الخلاف ثم يدعي الإجماع؟
فإن قيل: فمن أين يكون له أن الشيخ يعلم الخلاف المذكور ومع ذلك فهو يتجاهله ويكابر؟
فأقول: علمت ذلك من كتابه الذي رد عليه ثانيا.
أما الأول فإنه نقل (ص ١٥٧) عن الحافظ ابن كثير: أن الجمهور فسر آية الزينة بالوجه والكفين أعاد ذلك (ص ٢٣٤).
وأما الآخر فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي ومنهم ابن بطال (١) الذي نقلت عنه فيما يأتي في الكتاب (ص ٦٣) أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا.
_________________
(١) بلفظ: " إذا صلت المرأة لا يرى منها ولا ظفرها تغطي كل شيء منها " وتبناه الشيخ التويجري في كتابه ولم يلتفت إلى الإجماع الذي ذكره ابن عبد البر وعليه العلم من عهد النبي ﷺ إلى اليوم.
(٢) ١ - هو العلامة علي بن خلف القرطبي شرح البخاري في مجلدات مات سنة (٤٤٩)
[ ١٧٠ ]
تأويل الشيخ لكلام العلماء وتعطيله إياه:
فتجاهل الشيخ ذلك كله ولم يتعرض له بجواب اللهم إلا جوابه الذي يؤكد لكل القراء أنه مكابر عنيد وهو قوله (ص ٢٣٦):
إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء - ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه - إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب
وقلده في هذا القول جمع ممن يمشي في ركابه كابن خلف في " نظارته " وأخيرا محمد بن إسماعيل الإسكندراني في " عودة الحجاب " (٣/ ٢٢٨) وغيرهما كثير والله المستعان.
ونظرة سريعة في قول ابن بطال المذكور يكفي في إبطال جواب الشيخ هداه الله وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشيخ خريت ماهر - ولا فخر - في تضليل قرائه وصرفهم عن الاستفادة من أقوال علمائهم بتأويله إياها وإبطال دلالاتها الصريحة تماما كما يفعل أهل الأهواء بتعطيلهم لنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المتعلقة بالأسماء والصفات الإلهية وهذا شيء يعرفه الشيخ منهم فيبدو أنه قد سرت عدواهم إليه - حفظه الله - ولو في مجال الأحكام هداه الله.
وتأكيدا لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة الذين افترى الشيخ عليهم بتأويله لكلامهم على خلاف مرادهم فأقول:
_________________
(١) كما في " سير الذهبي " (١٨/ ٤٧)
[ ١٧١ ]
أولا: مذهب أبي حنيفة:
قال الإمام محمد بن الحسن في " الموطأ " (ص ٢٠٥ بشرح التعليق الممجد - هندية):
ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلا من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعمامة من فقهائنا.
وقال أبو جعفر الطحاوي في " شرح المعاني " (٢/ ٣٩٢ - ٣):
أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمه الله تعالى.
ثانيا: مذهب مالك "
روى عنه صاحبه عبد الرحمن ابن القاسم المصري في " المدونة " (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال:
فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل.
ونقله ابن عبد البر في " التمهيد " (١٥/ ١١١) وارتضاه
وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: (إلا ما ظهر منها) بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩):
وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب. (قال:) فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها.
[ ١٧٢ ]
تأمل قوله: " وغير صلاتها ".
وفي " الموطأ " رواية يحيى (٢/ ٩٣٥):
سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ قال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله.
قال الباجي في " المنتقى شرح الموطأ " (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص:
يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها.
ثالثا: مذهب الشافعي:
قال في كتابه " الأم " (٢/ ١٨٥):
المحرمة لا تخمر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي.
وقال البغوي في " شرح السنة " (٩/ ٢٣):
فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة.
فهل هذه النصوص - أيها الشيخ - في الصلاة؟
رابعا: مذهب أحمد:
روى ابن صالح في " مسائله " (١/ ٣١٩) عنه قال:
[ ١٧٣ ]
المحرمة لا تخمر وجهها ولا تنتقب، والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها.
قلت: فقوله: " ليس به بأس " يدل على جواز السدل فبطل قول الشيخ بوجوبه كم بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرها ابن تيمية في " الفتاوى " (١٥/ ٣٧١) وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن " الإنصاف " وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في " البحث الأول " وعلل ذلك بقوله:
لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء.
ومثل هذا التعليل ذكر في كثير من الكتب الفقهية وغيرها ك " البحر الرائق " لابن نجيم المصري (١/ ٢٨٤) وتقدم نحوه عن الشوكاني في أول هذا " البحث الخامس " (٢٧).
ومما سبق يتبن للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها خلافا للمتشددين والمقلدين هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في " الموطأ " وقول ابن عبد البر: " وغير صلاتها " على بطلان تأويل التويجري المذكور وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل لأن ذلك خارج الصلاة.
[ ١٧٤ ]
فأريد الآن أن أبين لقرائنا الأفاضل علما كتمه المذكورون - أو جهلوه وأحلاهما مر - أن سلف الأئمة رحمهم الله تعالى - فيما سبق - أم المؤمنين عائشة ﵂ قولا وفعلا.
أما القول: فهو:
(صحيح) " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع لا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت " (١)
أخرجه البيهقي في " سننه " (٥/ ٤٧) بسند صحيح وعزاه إليه الحافظ في " الفتح " (٤/ ٥٢ - ٥٣) ساكتا عليه فهو ثابت عنده فهو شاهد قوي لحديثها المتقدم في هذا " البحث الخامس " صفحة (٢٧ - ٢٨): " يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض. . . ". وكذلك يشهد له حديثها الآتي.
وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت:
" فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلة الراحلة (٢) قلت له: وهل ترى من أحد "
_________________
(١) ١ - هذا الأثر أعرض الشيخ عن ذكره لأنه حجة عليه ولما ذكره مؤلف ما سماه ب " فصل الخطاب " (ص ٤٥) من رواية البيهقي هذه أسقط منها موضع الحجة عليهما أيضا: " إن شاءت " لأنها في عدم الوجوب ومن جهله أنه يظن أن الأثر دون هذه الزيادة يفيد الوجوب وإنما يفيد الجواز والزيادة تؤكده وقلده في الإسقاط - مع الأسف - الأخ الإسكندراني (٣/ ٣٠٤) مع أنه عزاه للبيهقي بالجزء والصفحة فهل وصل التقليد إلى هذا الحد أم هو الاشتراك في إثم الإسقاط وكتم الحقيقة؟
(٢) ٢ - أي سببها والمعنى: أنه يضرب رجل أخته بعود في يده عامدا لها - في صورة من يضرب الراحلة - حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها. كذا حققه النووي في
[ ١٧٥ ]
(صحيح).
أخرجه مسلم (٤/ ٣٤) والنسائي في " السنن الكبرى " (٢/ ٢٢٣ - المصورة) والطيالسي أيضا في " مسنده " (١٥٦١) لكن بلفظ:
فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء من يده.
فسقط منه قولها: " عنقي " ورواية مسلم أصح سندا وأرجح متنا كما بينته في " المقدمة " ولذلك لم يعزه الشيخ إلى مسلم وتبعه على ذلك بعض المقلدة - كالمدعو درويش في " فصله " (ص ٤٣) -؛لأنها حجة عليهم من جهة أن الخمار لا يغطي الوجه لغة كما تقدم وكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل - كما في بعض الروايات - فعل منها نقول به ولكن لا يدل على الوجوب خلافا لزعم المخالفين.
قلت: فبطل بهذا البيان تأويل الشيخ المذكور لمخالفته أقوال أئمة الفقه المصرحة بجواز الكشف عن الوجه في الصلاة وخارجها بحضرة الرجال ولتعليل بعضهم الجواز بحاجة المرأة إلى البيع والشراء والأخذ والإعطاء وبجواز المؤاكلة أيضا وكل هذه الأقوال يحملها الشيخ على الصلاة وليس بحضرة الرجال فما أبطله من تأويل بل تعطيل. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[الرد المفحم ص ٣٠]
_________________
(١) " شرح مسلم "
[ ١٧٦ ]