٣٨١ - " نهى عن المتعة، وقال: ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه ". [الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه مسلم (٤/ ١٣٤) من طريق معقل عن ابن أبي عبلة عن عمر ابن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ فذكره
[ ٢٧٦ ]
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه سوى معقل هذا وهو ابن عبيد الله الجزري.
قال الذهبي فيه: " صدوق ضعفه ابن معين ".
وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يخطىء ".
قلت: فمثله يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته، أو لغيره على الأقل، ولم يتفرد بهذا الحديث، فقد أخرجه مسلم وغيره من طرق عن الربيع بن سبرة، لكن ليس فيها ذكر تأييد التحريم إلى يوم القيامة، إلا في هذه وفي طريق أخرى سأذكرها إن شاء الله، ومن أجل هذه الزيادة أوردت الحديث في هذه " السلسلة " وإلا فأحاديث النهي عن المتعة أشهر من أن تخرج هنا، وإن أنكرتها طائفة من الناس، اتباعا لأهوائهم، ولا ينفع البحث معهم إلا بعد وضع منهج علمي لنقد أحاديث الفريقين على ضوئه، وهيهات هيهات.
والطريق التي أشرت إليها يرويها عبد العزيز بن عمر (بن عبد العزيز):
حدثني الربيع بن سبرة به بلفظ:
" أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ".
أخرجه مسلم (٤/ ١٣٢) والدارمي (٢/ ١٤٠) وابن ماجه (١٩٦٢) والطحاوي (٢/ ١٤) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٧/ ٤٤ / ١) و
[ ٢٧٧ ]
ابن الجارود (٦٩٩) والبيهقي (٧/ ٢٠٣) وأحمد (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥، ٤٠٥ - ٤٠٦).
وفي عبد العزيز هذا كلام يسير نحو الكلام في معقل، فأحدهما يقوى حديث الآخر
لاسيما وقد وجدت له شاهدا من حديث جابر، يرويه صدقة بن عبد الله عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:
" خرجنا ومعنا النساء اللاتي استمتعنا بهن، فقال رسول الله ﷺ: هن حرام إلى يوم القيامة، فودعننا عند ذلك، فسميت بذلك ثنية الوداع، وما كانت قبل ذلك إلا ثنية الركاب ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٤ / ٢)،وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥):
" وفيه صدقة بن عبد الله، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وجملة القول: أن الحديث بمجموع طرقيه وهذا الشاهد صحيح بلا ريب، والله تعالى هو الموفق.
(تنبيه):
جاء في كثير من طرق هذا الحديث أن التحريم كان يوم الفتح وهو الصواب وجاء في بعضها أنه كان في حجة الوداع وهو شاذ كما حققته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل " رقم (١٩٥٩، ١٩٦٠).
[ ٢٧٨ ]
١٠١٠ - " نهى عن المتعة (زمان الفتح متعة النساء)، وقال: ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ". [الصحيحة]
قال ﵀:
رواه مسلم (٤/ ١٣٤) والباغندي في " مسند عمر " ص (١٢) عن عمر بن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه مرفوعا. والزيادة التي بين المعكوفتين رواية لمسلم من طريق ابن شهاب عن الربيع ابن سبرة.
وله شاهد بلفظ: " هن حرام إلى يوم القيامة. يعني النساء المتمتع بهن ". رواه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٤ / ٢) عن صدقة بن عبد الله عن إسماعيل بن أمية عن محمد ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرجنا ومعنا النساء اللاتي استمتعنا بهن، فقال رسول الله ﷺ: فذكره. قال: فودعننا عند ذلك، فسميت بذلك ثنية الوداع، وما كانت قبل ذلك إلا ثنية الركاب. وأعله الهيثمي في " المجمع " (٤/ ٢٦٤) بقوله: " وفيه صدقة بن عبد الله وثقه أبوحاتم وغيره وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله رجال الصحيح ".
قلت: وفي هذا الإطلاق تسامح فإن شيخ الطبراني أحمد بن مسعود ليس من رجال الصحيح بل إني لم أعرفه ولعله أحمد بن مسعود الوزان من شيوخ بن المظفر، ترجمه الخطيب (٥/ ١٧١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
[ ٢٧٩ ]
قلت: والحديث نص صريح في تحريم نكاح المتعة تحريما أبديا، فلا يغتر أحد بإفتاء بعض أكابر العلماء بإباحتها للضرورة، فضلا عن إباحتها مطلقا مثل الزواج كما هو مذهب الشيعة.
١٩٠٢ - (لمسلم عن سبرة " أمرنا رسول الله في ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها "). ص ١٧٥ صحيح.
أخرجه مسلم (٤/ ١٣٢ - ١٣٣) والبيهقي من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال: فذكره. وتابعه عمارة بن غزية عن الربيع بن سبرة به أتم منه ولفظه: " أن أباه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة قال: فأقمنا بها خمس عشرة (ثلاثين بين ليلة ويوم)، فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد، فبردي خَلِق. وأما برد ابن عمى فبرد جديد غض حتى إذا كنا بأسفل مكة،أو بأعلاها فتلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وماذا تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين وبراها صاحبي تنظر إلى عطفها فقال: إن برد هذا خلق وبري ﷺ جديد غض فتقول: برد هذا لا بأس به ثلاث مرار أو مرتن، ثم استمتعت منها فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ ".
أخرجه مسلم (٤/ ١٣١ - ١٣٢) والبيهقي وأحمد (٣/ ٤٠٥) وزاد بعد قوله: (أن يستمتع منك أحدنا "؟: " قالت: وهل يصلح ذلك؟ قال: قلنا: نعم ".
[ ٢٨٠ ]
وهو رواية لمسلم. وتابعه عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد قال: سمعت أبي ربيع ابن سبرة يحدث عن أبيه سبرة بن معبد: " أن نبي الله ﷺ عام فتح مكة أمر أصحابه بالتمتع من النساء قال: فخرجت أنا وصاحب لي. . . " الحديث نحوه
أخرجه مسلم والبيهقي (٧/ ٢٠٢) وأحمد (٣/ ٤٠٤).
١٩٠٣ - (حكى عن ابن عباس: " الرجوع عن قوله بجواز المتعة ") ٢/ ١٧٥. ضعيف.
أخرجه الترمذي (٢٠٩ - ٢١٠) والبيهقي (٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦) من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: " إنما كانت المتعة في أول الاسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى نزلت الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ".
هذا لفظ الترمذي وقال البيهقي: " وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، فنسخ الله ﷿ الأولى فحرمت المتعة وتصديقها من القرآن ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾،وما سوى هذا الفرج فهو حرام ". وسكت عليه هو والترمذي! وموسى بن عبيدة ضعيف وكلن عابدا. ولذلك قال الحافظ في " الفتح " (٩/ ١٤٨): ". . . فإسناده ضعيف وهو شاذ مخالف لما تقدم من علة إباحتها.
[ ٢٨١ ]
قلت: يشير إلى ما أخرجه البخاري عن أبي جمرة قال: " سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء؟ فرخص فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة أو نحوه فقال ابن عباس: نعم ".
وأخرجه الطحاوي (٢/ ١٥) والبيهقي (٧/ ٢٠٤) بلفظ: " إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل. . . ". وليس عندهما " فرخص ".
وهذا بظاهره يدل على أنه رجع عن القول بإباحة المتعة إطلاقا إلى القول بعدم جوازها مطلقا أو مقيدة بحال عدم وجود الضرورة وكأنه رجع إلى ذلك بعد أن عارضه جماعة من الصحابة في إطلاقه القول بإباحتها فروى البخاري (٤/ ٣٤١) عن محمد بن علي: " أن عليا ﵁ - قيل له: ان إبن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية ".
وأخرج مسلم وغيره دون ذكر ابن عباس فيه. وفي رواية لمسلم عنه: " سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان: إنك رجل تائه نهانا رسول الله ﷺ. . .). فذكره.
وكذلك رواه النسائي (٧/ ٩٠). ورواه أحمد (١/ ١٤٢) بلفظ: " قال لابن عباس وبلغه أنه رخص في متعه النساء فقال له علي بن أبي طالب: إن رسول الله قد نهى. . . ".
ورواه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٤ / ١) بلفظ: " تكلم علي وابن عباس في متعة النساء فقال له علي: إنك امرؤ تائه. . . "
وعن سالم بن عبد الله قال: " أتي عبد الله بن عمر فقيل له ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال ابن عمر: سبحان الله! ما أظن أن ابن عباس يفعل
[ ٢٨٢ ]
هذا قالوا: بلى إنه يأمر به قال: وهل كان ابن عباس إلا غلاما صغيرا إذ كان رسول الله ﷺ ثم قال ابن عمر: نهانا عنها رسول الله ﷺ وما كنا مسافحين ".
قلت: وإسناده قوي كما قال الحافظ في " التلخيص " (٣/ ١٥٤). وعن نافع عن ابن عمر: " سئل عن المتعة؟ فقال: حرام فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها فقال: فهلا سرموم (١) بها في زمان عمر ". أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٤) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وعن ابن شهاب أخبرني عن عروة بن الزبير: " أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله ﷺ) فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك ".
قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلا ما هي والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الاسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها ".
أخرج مسلم (٤/ ١٣٣ - ١٣٤) والبيهقي (٧/ ٢٠٥) وفي رواية له: " يعرض بابن عباس ". وزاد في آخرها: " قال ابن شهاب: وأخبرني عبيد الله: أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة ويغمص ذلك عليه أهل العلم فأبى ابن
_________________
(١) ١ - كذا الأصل بدون إعجام
[ ٢٨٣ ]
عباس أن ينتكل عن ذلك حتى طفق بعض الشعراء يقول:. . . . . . . يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟ هل لك في ناعم خود مبتلة تكون مثواك حتى مصدر الناس. قال: فازداد أهل العلم بها قذرا ولها بغضا حين قيل فيها الأشعار ".
قلت: وإسنادها صحيح. رلها طريق أخرى عنده بنحوه وزاد: " فقال ابن عباس: ما هذا أردت وما بهذا أفتيت إن المتعة لا تحل إلا لمضطر ألا إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير ". وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك كما في " التقريب ". ثم روى من طريق ليث عن ختنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في المتعة: " هي حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير " وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف أيضا.
وجملة القول: أن ابن عباس ﵁ روي عنه في المتعة ثلاثة أقوال:
الأول: الإباحة مطلقا.
الثاني: الإباحة عند الضرورة.
والآخر: التحريم مطلقا وهذا مما لم يثبت عنه صراحة بخلاف القولين الأولين فهما ثابتان عنه. والله أعلم
[الإرواء]
[ ٢٨٤ ]