قوله (١): " يحرم على الجنب أن يمكث في المسجد لحديث عائشة قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: " وجهوا هذه البيوت عن المسجد. . فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب " رواه أبو داود.
وعن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: " إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب "
رواه ابن ماجه والطبراني "
قلت: سوق الحديث على هذه الصورة يوهم القارئ أنهما حديثان بإسنادين متغايرين أحدهما عن عائشة والآخر عن أم سلمة وليس كذلك بل هما حديث واحد بإسناد واحد مداره على جسرة بنت دجاجة اضطربت في روايته فمرة قالت: " عن عائشة " ومرة: " عن أم سلمة " والاضطراب مما يوهن به الحديث كما هو معروف عند المحدثين لأنه يدل على عدم ضبط الراوي وحفظه.
_________________
(١) ١ - أي: الشيخ سيد سابق في فقه السنة.
[ ٣١ ]
يضاف إلى ذلك أن جسرة هذه لم يوثقها من يعتمد على توثيقه بل قال البخاري: " عندها عجائب ".
ولذلك ضعف جماعة هذا الحديث كما قال الخطابي.
وقال البيهقي:
" ليس بالقوي لما "
وقال عبد الحق:
" لا يثبت "
وبالغ ابن حزم فقال: " إنه باطل " (١)
وللحديث شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمه لأن في أحدهما متروكا وفي الآخر كذابا وقد خرجتهما وفصلت القول فيهما في " ضعيف سنن أبي داود " (رقم ٣٢)
والقول عندنا في هذه المسألة من الناحية الفقهية كالقول في مس القرآن من الجنب للبراءة الأصلية وعدم وجود ما ينهض على التحريم وبه قال الإمام أحمد وغيره
قال البغوي في " شرح السنة " (٢/ ٤٦): " وجوز أحمد والمزني المكث فيه وضعف أحمد الحديث لأن راويه أفلت مجهول وتأول الآية
_________________
(١) ١ - قلت: وقد خفي هذا التحقيق على الشوكاني فقوى حديث عائشة بحديث أم سلمة كما خفي عليه أن علة الحديث جسرة هذه فانظر " السيل الجرار " (١/ ١٠٩)
[ ٣٢ ]
على أن (عابري السبيل) هم المسافرون تصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون وقد روي ذلك عن ابن عباس ".
قوله: " وعن يزيد بن حبيب أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم إلى المسجد فكانت تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء ولا طريق إليه إلا من المسجد فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ رواه ابن جرير"
قلت: كذا في الأصل: " ابن حبيب " ولعله خطأ مطبعي والصواب: " ابن أبي حبيب " كما في " تفسير ابن جرير " وكتب الرجال وهو أبو رجاء المصري وكان فقيها من ثقات التابعين إلا أنه كان يرسل.
فهذه الرواية معللة بالإرسال فلا يفرح بها.
[تمام المنة ص ١١٩].