هذا ثم إن كثيرا من المشايخ اليوم يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه، بل يحرم وفيما تقدم في هذا البحث كفاية في الرد عليهم ويقابل هؤلاء طائفة أخرى يرون أن ستره بدعة وتنطع في الدين كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبت في السنة في بعض البلاد اللبنانية فإلى هؤلاء الإخوان وغيرهم نسوق الكلمة التالية:
ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة وقد كان ذلك معهودا في زمنه ﷺ كما يشير إليه ﷺ بقوله:
(صحيح) (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (تفسير سورة النور) (ص ٥٦):
(وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن).
[ ٢٤١ ]
والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي ﷺ كن يحتجبن حتى في وجوههن، وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول:
١ - (صحيح) عن عائشة قالت:
(خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق (هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم) فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر: كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).
٢ - (صحيح) وعنها أيضا في حديث قصة الإفك قالت:
(. . . فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت (وفي رواية: فسترت) وجهي عنه بجلبابي. . .) الحديث.
٣ - (صحيح) عن أنس في قصة غزوة خيبر واصطفائه ﷺ صفية لنفسه قال:
(فخرج رسول الله ﷺ من خيبر ولم يعرس بها، فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله ﷺ رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت ووضعت ركبتها على فخذه وسترها
[ ٢٤٢ ]
رسول الله ﷺ وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه).
٤ - (حسن في الشواهد) عن عائشة قالت:
(كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه).
٥ - (صحيح) عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
(كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام).
٦ - عن صفية بنت شيبة قالت:
(رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة).
٧ - عن عبد الله بن عمر قال:
(لما اجتلى النبي ﷺ صفية رأى عائشة منتقبة وسط الناس فعرفها).
٨ - (حسن) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:
(أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال: كان عثمان ينادي: ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل. فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد).
[ ٢٤٣ ]
ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفا في عهده ﷺ، وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن وإليك مثالين على ذلك:
١ - (صحيح) عن عاصم الأحول قال:
(كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ هو الجلباب قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب).
٢ - عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال:
حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر فقال القاضي: شهودك. قال:
قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة:
قومي. فقال الزوج:
تفعلون ماذا؟ قال الوكيل:
ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج:
وإني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها.
[ ٢٤٤ ]
فردت المرأة وأخبرت بما كان من زوجها - فقالت:
فإني أشهد القاضي: أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.
فقال القاضي:
يكتب هذا في مكارم الأخلاق.
فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود. وإن كان لا يجب ذلك عليها،بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها.
(فائدة هامة):
قوله تعالى في آية النور المتقدمة في أول هذا الشرط: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [٣١] يعني: المؤمنات كما قال مجاهد وغيره من السلف خلافا لبعض المعاصرين فإنه زعم أن المعنى: الصالحات من النساء سواء كن مسلمات أو كافرات.
قال الشوكاني في (فتح القدير) (٤/ ٢٢):
(وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات).
وقال البيهقي في كتاب (الآداب) (ص ٤٠٧ - لبنان): (وأما قوله: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ فقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن
[ ٢٤٥ ]
الجراح: إن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فامنع ذلك).
وفي رواية أخرى:
(فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها).
قلت: الرواية الأولى عند البيهقي في (السنن) (٧/ ٩٥) من طريق عيسى بن يونس: ثنا هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي عن عبادة بن نسي الكندي قال: كتب عمر. . . ألخ
ورواه ابن جرير أيضا (١٨/ ٩٥).
قلت: ورجاله ثقات لكنه منقطع فإن عبادة لم يدرك عمر ﵁ بينهما نسي والد عبادة
هكذا رواه سعيد بن منصور في (سننه) كما في (تفسير ابن كثير) (٣/ ٢٨٤) ومن طريقه البيهقي: ثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب عمر. . . ألخ.
الرواية الأخرى:
ورجاله ثقات غير نسي فإنه لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٤٨٢):
وقال الحافظ في (التقريب):
(مجهول).
[ ٢٤٦ ]
قلت: لكن المعنى المذكور متفق عليه بين المفسرين المحققين، كابن جرير وابن كثير والشوكاني وغيرهم ممن لا يخرج عن التفسير المأثور ولا يعتد بآراء الخلف.
إذا تبين ذلك فاعلم: أن من الخطورة بمكان ما ابتلي به كثير من أغنياء المسلمين اليوم من استخدامهم النساء الكافرات في بيوتهم لأنه لا يخلو الأمر من أن يقع الزوجان، أو أحدهما في الفتنة والمخالفة للشريعة
أما الزوج فواضح لأنه يخشى أن يزني بها وبخاصة أنه لا عفة عندهن بحكم كونهن كافرات لا يحرمن ولا يحللن كما صرح بذلك القرآن الكريم بحق أهل الكتاب. فكيف يكون حال الوثنيات كالسيريلانكيات اللاتي لا كتاب لهن؟
وأما بالنسبة للزوجة،فمن الصعب جدا على أكثر مسلمات هذا الزمان -زوجات وبنات بالغات- أن يحتجبن من تلك الخادمات كما تحتجب من الرجال إلا من عصم الله وقليل ما هن.
ولو أننا فرضنا سلامة الزوجين من الفتنة فلن يسلم أولادهما من التأثر بأخلاقهن وعاداتهن المخالفة لشريعتنا. هذا إذا لم يقصدن إفساد تربيتهم وتشكيكهم في دينهم كما سمعنا بذلك عن بعضهن.
هذا ولقد بلغني عن أحد المفتين - والعهدة على الراوي - أنه سئل عن استخدامهن فأجاب بالجواز لأنهن عنده بمنزلة السبايا والجواري اللاتي استحلت شرعا بملك اليمين. فأخشى ما أخشاه أن يصل الأمر بمثل هذا المفتي أن يستحل أيضا وطأهن قياسا على ملك اليمين وبخاصة أن هناك من أسقط الحد عمن زنى بخادمته - ولو كانت مسلمة - بشبهة استئجاره إياها قال ذلك بعض الآرائيين القدامى.
[ ٢٤٧ ]
فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ما أردت بيانه للناس حول هذه المسألة لعل الله ينفع بها من قد يكون غافلا عنها،وينفع من كان معرضا عن العمل بها وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
الشرط الثاني:
(أن لا يكون زينة في نفسه).
لقوله تعالى في الآية المتقدمة من سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ فإنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها ويشهد لذلك قوله تعالى في [الأحزاب: ٣٣]: ﴿) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
وقوله ﷺ:
(صحيح) (ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا وأمة أو عبد أبق فمات وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم).
و(التبرج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل).
والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب الكبائر) (ص ١٣١):
[ ٢٤٨ ]
(ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة: إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها، وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء قال عنهن النبي ﷺ: اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء).
قلت: وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عمران ابن حصين وغيره وزاد أحمد وغيره من حديث ابن عمرو مرفوعا:
(والأغنياء).
وهذه الزيادة منكرة كما حققته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) برقم (٢٨٠٠) من المجلد السادس يسر الله طباعته.
قلت: ولقد بالغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن لا يفعلن ذلك فقال عبد الله بن عمرو ﵁:
(حسن) (جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى)
[ ٢٤٩ ]
واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء الملتزمات وذلك لأمرين:
الأول: قوله ﷺ:
(طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه. . .)
وهو مخرج في (مختصر الشمائل) (١٨٨).
والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):
١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال:
رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.
٣ - عن القاسم - وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق:
أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة.
وفي رواية عن القاسم:
أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة.
٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر:
أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
[ ٢٥٠ ]
٥ - عن سعيد بن جبير:
أنه رأى بعض أزواج النبي ﵌ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.
الشرط الثالث:
(أن يكون صفيقا لا يشف).
لأن الستر لا يتحقق إلا به وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي: ذلك يقول ﷺ:
(سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات).
زاد في حديث آخر:
(لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا).
قال ابن عبد البر:
(أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة) وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
(رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها).
(صحيح) وعن هشام بن عروة:
[ ٢٥١ ]
(أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية رقاق عتاق بعدما كف بصرها قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أف ردوا عليه كسوته قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أمه إنه لا يشف. قالت إنها إن لم تشف فإنها تصف).
وعن عبد الله بن أبي سلمة:
(أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي ثم قال:
لا تدرعها نساؤكم فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف).
وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز وأن الذي يشف شر من الذي يصف ولذلك قالت عائشة ﵂:
(إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر).
(صحيح) وقالت شميسة:
(دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار ونقبة قد لونت بشيء من عصفر)
من أجل ذلك كله قال العلماء:
ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك.
[ ٢٥٢ ]
وقد عقد ابن حجر الهيتمي في (الزواجر) (١/ ١٢٧) بابا خاصا في لبس المرأة ثوبا رقيقا يصف بشرتها وأنه من الكبائر ثم ساق فيه الحديث المتقدم (ص ١٢٥) ثم قال: (وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد ولم أر من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال).
قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.
الشرط الرابع:
(أن يكون فضفاضا غير ضيق، فيصف شيئا من جسمها)؛لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة. ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه ويصوره في أعين الرجال. وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى فوجب أن يكون واسعا وقد قال أسامة بن زيد:
(حسن) (كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها).
فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث (٢/ ٩٧) ما نصه:
[ ٢٥٣ ]
(والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه، وهذا شرط ساتر العورة. وإنما أمر بالثوب تحته؛ لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها).
وهو كما ترى قد حمل الحديث على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة فهو على هذا يصلح أن يورد في الشرط السابق ولكن هذا الحمل غير متجه عندي بل هو وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها ولو كانت غير رقيقة وشفافة وذلك واضح من الحديث لأمرين:
الأول: أنه قد صرح فيه بأن القبطية كانت كثيفة أي: ثخينة غليظة فمثله كيف يصف البشرة ولا يسترها عن رؤية الناظر؟ ولعل الشوكاني ﵀ ذهل عن هذا القيد (كثيفة) في الحديث ففسر القبطية بما هو الأصل فيها
الثاني: أن النبي ﷺ قد صرح فيه بالمحذور الذي خشيه من هذه القبطية فقال:
(إني أخاف أن تصف حجم عظامها).
فهذا نص في أن المحذور إنما هو وصف الحجم لا اللون.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت وكانت القبطية ثخينة فما فائدة الغلالة؟
قلت: فائدتها دفع ذلك المحذور لأن الثوب قد يصف الجسم ولو كان ثخينا إذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على الجسد كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر فأمر ﷺ بالشعار من أجل ذلك.
[ ٢٥٤ ]
والله تعالى أعلم.
وقد أغرب الشافعية فقالوا:
(أما لو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالا ضيقا) قالوا:
(ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابا كثيفا فوق ثيابها ليتجافى عنها ولا يتبين حجم أعضائها).
والقول بالاستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر فإنه للوجوب كما تقدم وعبارة الإمام الشافعي ﵁ في (الأم) قريب مما ذهبنا فقد قال: (١/ ٧٨): (وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة. . . فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة. . . والمرأة في ذلك أشد حالا من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها الدرع وأحب إلي أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع).
وقد قالت عائشة ﵂:
(صحيح) (لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار وكانت عائشة تحل إزارها فتجلبب به).
وإنما كانت تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها وقولها: (لا بد) دليل على وجوب ذلك،وفي معناه قول ابن عمر ﵄: (صحيح) (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة).
[ ٢٥٥ ]
وهذا يؤيد ما سبق أن ذهبنا إليه من وجوب الجمع بين الخمار والجلباب على المرأة إذا خرجت.
(انظر ص ٨٤ - ٨٥).
ومما يحسن إيراده هنا استئناسا ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت:
يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل. فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحد فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵄).
فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة التي تصف نهودهن وخصورهن وإلياتهن وسوقهن وغير ذلك من أعضائهن ثم ليستغفرن الله تعالى وليتبن إليه وليذكرن قوله ﷺ:
(صحيح) (الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر).
الشرط الخامس:
(أن لا يكون مبخرا مطيبا).
لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن ونحن نسوق الآن بين يديك ما صح سنده منها:
[ ٢٥٦ ]
١ - (إسناده حسن) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ:
(أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية).
٢ - (صحيح) عن زينب الثقفية أن النبي ﷺ قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبا).
٣ - (صحيح) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة).
٤ - (صحيح) عن موسى بن يسار عن أبي هريرة:
(أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار المسجد تريدين؟ قالت: نعم قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل)
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها.
فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن يستعمل في الثوب أيضا لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور؛ فإنه بالثياب أكثر استعمالا وأخص.
وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة وقد ألحق به العلماء ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال.
[ ٢٥٧ ]
وقال ابن دقيق العيد:
(وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال).
قلت: فإذا كان ذلك حراما على مريدة المسجد، فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إثما وقد ذكر الهيتمي في (الزواجر) (٢/ ٣٧) أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر ولو أذن لها زوجها.
ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث لأن الفتنة وقتها أشد فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز. وقال ابن الملك:
(والأظهر أنها خصت بالنهي؛ لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق والعطر يهيج الشهوة فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة. بخلاف الصبح والمغرب فإنهما وقتان فاضحان وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقا).
الشرط السادس:
(أن لا يشبه لباس الرجل).
لما ورد من الأحاديث الصحيحة في لعن المرأة التي تتشبه بالرجل في اللباس أو غيره. وإليك ما نعلمه منها:
١ - (صحيح) عن أبي هريرة قال:
[ ٢٥٨ ]
(لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل).
٢ - عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال)
٣ - (صحيح) عن ابن عباس قال:
(لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم. قال: فأخرج النبي ﷺ فلانا وأخرج عمر فلانا).
وفي لفظ: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال).
٤ - (صحيح الإسناد) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
(ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث).
٥ - (صحيح) عن ابن أبي مليكة - واسمه عبد الله بن عبيد الله - قال: قيل لعائشة ﵂: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت:
(لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء).
[ ٢٥٩ ]
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال وعلى العكس وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول فهو نص في اللباس وحده وقد قال أبو داود في (مسائل الإمام أحمد) (ص ٢٦١): (سمعت أحمد سئل عن الرجل يلبس جاريته القرطق؟ قال: لا يلبسها من زي الرجال لا يشبهها بالرجال).
قال أبو داود:
(قلت لأحمد: يلبسها النعل الصرارة؟ قال: لا إلا أن يكون لبسها للوضوء. قلت: للجمال؟ قال: لا. قلت: فيجز شعرها؟ قال: لا)
وقد أورد الذهبي تشبه المرأة بالرجال وتشبه الرجال بالنساء في (الكبائر) (ص ١٢٩) وأورد بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال:
(فإذا لبست المرأة زي الرجال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرجال في لبسهم فتلحقها لعنة الله ورسوله ولزوجها إذا أمكنها من ذلك أو رضي به ولم ينهها؛ لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله ونهيها عن المعصية لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، ولقول النبي ﷺ:
(صحيح) (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الرجل راع في أهله ومسؤول عنهم يوم القيامة) متفق عليه وهو مخرج في (غاية المرام) (٢٦٩). وتبعه على ذلك الهيتمي في (الزواجر) (١/ ١٢٦) ثم قال: (عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان:
أحدهما: أنه حرام وصححه النووي بل صوبه.
[ ٢٦٠ ]
وثانيهما: أنه مكروه وصححه الرافعي في موضع والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عده منها وهو ظاهر).
وقال الحافظ في (الفتح) (١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤) عند شرح حديث ابن عباس المتقدم برقم (٣) باللفظ الثاني: (لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) ما مختصره:
(قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها لا التشبه في أمور الخير. قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: (المغيرات خلق الله).
فثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابها لزي الرجل فلا يحل لها أن تلبس رداءه وإزاره ونحو ذلك كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف ب (الجاكيت) و(البنطلون) وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الشرط السابع:
(أن لا يشبه لباس الكافرات).
[ ٢٦١ ]
لما تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين - رجالا ونساء - التشبه بالكفار سواء في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم. وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية خرج عنها اليوم مع الأسف كثير من المسلمين حتى الذين يعنون منهم بأمور الدين والدعوة إليه جهلا بدينهم أو تبعا لأهوائهم أو انجرافا مع عادات العصر الحاضر وتقاليد أوروبا الكافرة حتى كان ذلك من أسباب ذل المسلمين وضعفهم وسيطرة الأجانب عليهم واستعمارهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. لو كانوا يعلمون.
وينبغي أن يعلم أن الأدلة على صحة هذه القاعدة المهمة كثيرة في الكتاب والسنة، وإن كانت أدلة الكتاب مجملة فالسنة تفسرها وتبينها كما هو شأنها دائما.
ومن الآيات قوله تعالى في [الجاثية: ١٦ - ١٨] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ*وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (الاقتضاء) (ص ٨):
(أخبر ﷾ أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدا ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كل من خالف
[ ٢٦٢ ]
شريعته. و(أهواؤهم): هو ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه.
وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه. ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به ويودون أن لو بذلوا مالا عظيما ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره. فإن (من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه) وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة وإن كان الأول أظهر.
ومن هذا الباب قوله تعالى في [الرعد: ٣٦ - ٣٧]:
٢ - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ*وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ والضمير في (أهواءهم) يعود -والله أعلم- إلى ما تقدم ذكره وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن من يهودي أو نصراني أو غيرهما. وقد قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧] ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك).
[ ٢٦٣ ]
وقال تعالى في [الحديد: ١٦]:
٣ - ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
قال شيخ الإسلام (ص ٤٣):
(فقوله: ﴿وَلا يَكُونُوا﴾ نهي مطلق عن مشابهتهم وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي)
وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية (٤/ ٣١٠):
(ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية).
ومن ذلك قوله تعالى في [البقرة: ١٠٤]:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال الحافظ ابن كثير (١/ ١٤٨):
(نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص- عليهم لعائن الله-، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا قالوا: راعنا ويورون بالرعونة كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[ ٢٦٤ ]
[النساء: ٤٦].
وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: (السام عليكم) والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ (وعليكم)؛ وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم علينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا).
وقال شيخ الإسلام عند هذه الآية ما مختصره (ص ٢٢):
(قال قتادة وغيره: كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم وقال أيضا: كانت اليهود تقول للنبي ﷺ: راعنا سمعك يستهزئون بذلك وكانت في اليهود قبيحة. فهذا يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا يقولونها وإن كانت من اليهود قبيحة.
ومن المسلمين لم تكن قبيحة لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم).
وفي الباب آيات أخرى وفيما ذكرنا كفاية فمن شاء الوقوف عليها فلينظرها في (الاقتضاء) (ص: ٨ - ١٤ و٢٢ و٤٢).
فتبين من الآيات المتقدمة أن ترك هدي الكفار والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها وجاء بها القرآن الكريم، وقد قام النبي ﷺ ببيان ذلك وتفصيله للأمة وحققه في أمور كثيرة من فروع الشريعة، حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا في مدينة النبي ﷺ وشعروا أنه ﵇ يريد أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم كما روى أنس بن مالك ﵁:
[ ٢٦٥ ]
(صحيح) (إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية؛ فقال رسول الله ﷺ: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد ابن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما).
وأما السنة فالنصوص فيها كثيرة طيبة في تأييد القاعدة المتقدمة وهي لا تنحصر في باب واحد من أبواب الشريعة المطهرة كالصلاة مثلا، بل قد تعدتها إلى غيرها من العبادات والآداب والاجتماعيات والعادات، وهي بيان وتفصيل لما أجمل في الآيات السابقة ونحوها. كما قدمت الإشارة إليه
فثبت مما تقدم أن مخالفة الكفار وترك التشبه بهم من مقاصد الشريعة الإسلامية العليا فالواجب على كل مسلم رجالا ونساء أن يراعوا ذلك في شؤونهم كلها وبصورة خاصة في أزيائهم وألبستهم لما علمت من النصوص الخاصة فيها وبذلك يتحقق صحة الشرط السابع في زي المرأة.
الشرط الثامن:
(أن لا يكون لباس شهرة).
لحديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢٦٦ ]
(من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا).
وإلى هنا ينتهي بنا الكلام على الشروط الواجب تحققها في ثوب المرأة وملاءتها وخلاصة ذلك:
أن يكون ساترا لجميع بدنها إلا وجهها وكفيها على التفصيل السابق وأن لا يكون زينة في نفسه ولا شفافا ولا ضيقا يصف بدنها ولا مطيبا ولا مشابها للباس الرجال ولباس الكفار ولا ثوب شهرة.
[ ٢٦٧ ]