يجب على المسلم أن يحسن ظنه بربه ﷾ في جميع أحواله، ويتأكد ذلك عند الموت.
روى جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: “لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله” ١.
قال أبو سليمان الخطابي: “إنما يحسن بالله الظن من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله، فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون أيضًا حسن الظن بالله من ناحية الرجاء، وتأميل العفو، والله جواد كريم”٢.
وقال النووي: “قال العلماء: هذا تحذير من القنوط، وحث على الرجاء عند الخاتمة..، قال العلماء معنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه، ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكونان سواء، وقيل يكون الخوف أرجح؛ فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء، أو محضه؛ لأن مقصود الخوف: الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذه الحال، فاستحب إحسان الظن، المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له، ويؤيده الحديث المذكور بعده “يبعث كل عبد على ما مات عليه” ٣؛ ولهذا عقبه مسلم للحديث الأول، قال
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ح٢٨٧٧. ٢ معالم السنن، شرح على سنن أبي داود ٣/٤٨٤، شرح حديث ٣١١٣. ٣ رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ح٢٨٧٨.
[ ١٣١ ]
العلماء: معناه يبعث على الحالة التي مات عليها، ومثله الحديث الآخر بعده”١ يشير إلى قوله ﷺ “إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم” ٢.
وروى البغوي في باب حسن الظن بالله تعالى، من كتاب الجنائز عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال ”كيف تجدك؟ " فقال: والله يا رسول الله، إني لأرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ “لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف” ٣.
وروى البغوي عن ابن عباس أنه قال: “إذا رأيتم الرجل بالموت فبشروه؛ ليلقى ربه وهو حسن الظن به، وإذا كان حيًا، فخوّفوه بربه ﷿”٤.
وقال القرطبي: “حسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة، وهو أن الله تعالى يرحمه، ويتجاوز عنه، ويغفر له، وينبغي لجلسائه أن يذكروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى ”أنا عند ظن عبدي بي” ٥ ”٦، وفي حديث آخر ثبت عنه ﷺ أنه قال “إن الله تعالى
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٢١٠. ٢ رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ح٢٨٧٩. ٣ شرح السنة ٥/٢٧٤. ورواه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له ح٤٢٦١ وقال عنه الألباني (حسن) في صحيح سنن الترمذي ١/٥٠٣ ح٩٨٣، وفي صحيح سنن ابن ماجه ٢/٤٢٠ ح٣٤٣٦. ٤ شرح السنة ٥/٢٧٥. ٥ الحديث القدسي رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ ح٧٤٠٥. ٦ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٥٨، ٥٩.
[ ١٣٢ ]
يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر” ١
وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ “يقول الله ﷾: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني” ٢ الحديث.
قال ابن حجر: “وهو كما قال أهل التحقيق مقيد بالمحتضر، ويؤيد ذلك حديث ”لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله..” ٣، ولكن ظاهر الحديث لا يدل على تقييده بالمحتضر، بل في جميع أحوال العبد.
ويقول ابن الجوزي: “وأما حسن الظن فهو مستحب في هذا الوقت [أي عند الاحتضار]، وقد وردت الأخبار بفضل حسن الظن بالله تعالى”٤
فينبغي على المريض، مع إحسان ظنه بالله تعالى أن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله على ذنوبه، ويرجو رحمة ربه٥، وقد جاء في الحديث "إن المؤمن تخرج نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله تعالى”٦، ولعلّ ذلك لحسن ظنه بربه ﷾.
ومما ينبغي أن يعلم أنه لا بد من حسن العمل مع إحسان الظن، فلا معنى لحسن الظن مع سوء العمل، إذ قد يمنعه سوء عمله من إحسان الظن بربه، وأسوأ من ذلك سوء الظن بالله مع سوء العمل فإن قومًا أساءوا الظن بالله فقال
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في الأوسط ح٨١١٥، وأبو نعيم في الحلية ٩/٣٠٦ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٢٢٤ ح١٦٦٣. ٢ سبق تخريجه في ص: ١٣٢. ٣ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣/٣٨٥، ٣٨٦. ٤ الثبات عند الممات ص٧١. ٥ انظر أحكام الجنائز ص٧. ٦ رواه أحمد في مسنده ١/٢٧٣، ٢٧٤، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/١٧٣ ح١٦٣٢.
[ ١٣٣ ]
لهم ﷾: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
يقول ابن القيم: ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان؛ فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات؛ فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبدًا؛ فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظنًا بربه أطوعهم له ، وقد قال الله في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرًا مما يعملون كان هذا إساءة لظنهم بربهم فأرداهم ذلك الظن ، فتأمل هذا الموضع وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاقي الله وأن الله يسمع ويرى مكانه ويعلم سره وعلانيته ولا يخفى عليه خافية من أمره وأنه موقوف بين يديه ومسؤول عن كل ما عمل وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره مبطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به، وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني”٢.
ويشهد لهذا ما رواه أبو أمامة بن سهل قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير يومًا على عائشة، فقالت: لو رأيتما نبي الله ﷺ ذات يوم في مرض مرضه، وكان له عندي ستة دنانير أو سبعة، فأمرني النبي ﷺ أن أفرّقها، فشغلني وجع النبي ﷺ حتى عافاه الله، ثم سألني عنها فقال ”ما فعلت الستة - قال: أو السبعة؟ ” قلت: لا والله، لقد كان شغلني وجعك، قالت: فدعا بها، ثم صفها في
_________________
(١) ١ سورة فصلت / الآية ٢٣. ٢ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص١٤.
[ ١٣٤ ]
كفه فقال: "ما ظن نبي الله لو لقي الله ﷿، وهذه عنده.." يعني ستة دنانير أو سبعة - أنفقيها” ١.
يقول ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: “فيالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله، إذا لقوه ومظالم العباد عندهم؛ فإن كان ينفعهم قولهم: حسنًا ظنوننا بك لم يعذب ظالم ولا فاسق، فليصنع العبد ما شاء وليرتكب كل ما نهاه الله عنه وليحسن ظنه بالله فإن النار لا تمسه، فسبحان الله ما يبلغ الغرور بالعبد، وقد قال إبراهيم لقومه ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره، ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله، ويثيبه عليها، ويتقبلها منه فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حَسُنَ ظنه حسُنَ عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز ، وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وإما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن”٣.
فإن قال قائل: بأن إحسان الظن يتأتى مع سوء العمل، وذلك راجع إلى سعة مغفرة الله ورحمته التي سبقت غضبه.
فالجواب عليه بأن يقال: “الأمر هكذا والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به؛ فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام، وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة، فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر،
_________________
(١) ١ رواه أحمد في مسنده ٦/١٠٤ وَ٦/١٨٢، والبغوي في شرح السنة ٦/١٥٦، ١٥٧ وذكره الألباني في سلسة الأحاديث الصحيحة ٣/١٢ ح١٠١٤. ٢ سورة الصافات، الآيتان ٨٦ وَ٨٧. ٣ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص١٤، ١٥.
[ ١٣٥ ]
والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وأوقع في محارمه، وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ثم أحسن الظن، فهذا حُسْنُ ظن، والأول غرور”١.
وقال الخطابي: “إنما يحسن بالله ظن من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن بالله ظنكم؛ فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون حسن الظن أيضًا من ناحية الرجاء، وتأميل العفو، والله جواد كريم”٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٥. ٢ معالم السنن بحاشية سنن أبي داود ٣/٤٨٤.
[ ١٣٦ ]