الكافرون والمفرّطون في أمر الله تعالى يسألون الله ﷿ حال الاحتضار الرجعة إلى الحياة الدنيا؛ ليصلحوا ما كان أفسدوه في مدة حياتهم، قال تعالى عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١.
فالكافرون يسألون الرجعة عند الاحتضار؛ ليسلموا، والعصاة ليتوبوا ويعملوا صالحًا، فلا يجابون إلى ذلك، كما قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ و﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه، وقوله ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ أي لابد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ولو رُدّ لما عمل صالحًا ولكن يكذب في مقالته.
يقول الطبري في تفسيره للآية السابقة: “يقول تعالى ذكره حتى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت، وعاين نزول أمر الله به، قال لعظيم ما يعاين، مما يقدم عليه من عذاب الله تندمًا على ما فات، وتلهفًا على ما فرط فيه قبل ذلك من طاعة الله ومسألته للإقالة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا فرّدوني إليها، ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾، يقول: كي أعمل صالحًا ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم، من العمل، فضيّعته، وفرطت فيه”٢.
ويقول السعدي: “يخبر تعالى عن حال من حضره الموت من المفرطين الظالمين أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله، فيطلب
_________________
(١) ١ سورة (المؤمنون)، الآيتان ٩٩ وَ١٠٠. ٢ جامع البيان في تفسير القرآن ١٨/٤٠.
[ ١١٥ ]
الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها، وإنما ذلك ليقول:
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ من العمل، وفرطت في جنب الله، ﴿كَلَّا﴾
أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون ﴿إِنَّهَا﴾ أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ أي مجرد قول اللسان لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضًا غير صادق في ذلك؛ فإنه لو رُدّ لعاد لما نُهِي عنه”١.
ويدل على سؤال الرجعة وتمنيها حين الاحتضار قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فكل مفرّط يندم عند الاحتضار، ويتحسر على ما فرّط في وقت الإمكان، ويسأل الرجعة إلى الدنيا، ولو لمدة يسيرة، ليستعتب ويستدرك ما فاته وما فرّط فيه، ويتصدق ويكون من الصالحين، لكن هيهات فهذا السؤال والتمني قد فات وقته ولا يمكن تداركه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي لا يؤخر أحدًا بعد حلول أجله، وهو سبحانه أعلم وأخبر بمن يكون صادقًا في قوله وسؤاله ممن لو رُدّ لعاد إلى شر مما كان عليه٣
قال أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: “يقول تعالى ذكره ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ أيها المؤمنون بالله ورسوله، من الأموال التي رزقناكم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ﴾ إذا نزل به الموت: يا رب هلا أخرتني، فتمهل لي في الأجل ﴿لَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
_________________
(١) ١ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص٥٠٨. ٢ سورة (المنافقون)، الآيات ٩- ١١. ٣ انظر تفسير القرآن العظيم ٤/٣٧٣ وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص٨٠٢.
[ ١١٦ ]
فَأَصَّدَّقَ﴾ يقول فأزكي مالي، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول بطاعتك وأؤدي فرائضك، وقيل: عني بقوله ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وأحج بيتك الحرام”١.
وفي موضع آخر من كتاب الله تعالى يخبر جل وعلا عن حال الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب وحلول الأجل أنهم يسألون الرجعة وتأخير الأجل؛ نادمين على ما فعلوا، قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ ٢؛ وهذا كله أمل في التخلص من العذاب الأليم وإلا فهم كاذبون في وعودهم؛ ولهذا يوبخون بأن يقال لهم ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ ٣، فهم يوبخون بتذكيرهم بكذبهم حين أقسموا أنهم لن يزولوا عن الدنيا إلى الآخرة، وهم يرون ويعلمون ما أحل بالأمم المكذبة قبلهم وما نزل بهم من العقوبات ولكنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا، بل أعرضوا واستمروا على باطلهم وظلمهم حتى وصلوا إلى اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار ولا تقبل فيه توبة٤.
قال الشنقيطي ت١٣٩٣هـ: “قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وما تضمنته الآية الكريمة من أن الكافر والمفرّط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة؛ ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط، وأنهما لا يجابان إلى ذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع
_________________
(١) ١ جامع البيان في تفسير القرآن ٢٨/٧٦. ٢ سورة إبراهيم، الآية ٤٤. ٣ سورة إبراهيم، الآيتان ٤٤ وَ٤٥. ٤ انظر تفسير القرآن العظيم ٢/٥٢٢- ٥٢٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص٣٨١- ٣٨٢.
[ ١١٧ ]
الذي هو (كلا)، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم؛ فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة، ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ الظاهر أن لعل فيه للتعليل أي ارجعون لأجل أن أعمل صالحًا، وقيل: هي للترجي والتوقع؛ لأنه غير جازم بأنه إذا رُدّ للدنيا عمل صالحًا، والأول أظهر، والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين والحج، الذي كان قد فرّط فيه، والصلوات والزكاة، ونحو ذلك، والعلم عند الله تعالى، وقوله ﴿كلّا﴾ كلمة زجر، وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا يعطاها كما هو واضح”١.
_________________
(١) ١ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٥/٨٢١، ٨٢٢.
[ ١١٨ ]