يشرع تلقين المحتضر لا إله إلا الله، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ “لقنوا موتاكم لا إله إلا الله” ١.
قال النووي: “معناه من حضره الموت، والمراد: ذكروه لا إله إلا الله؛ لتكون آخر كلامه ، والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين”٢.
وقال القرطبي: “أي قولوا ذلك، وذكروهم به عند الموت، وسماهم موتى؛ لأن الموت قد حضرهم”٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “تلقين الميت سنة مأمور بها”٤.
وروى معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة”٥، وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ “لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه” ٦، وقال ﷺ “خير العمل أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله” ٧.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى لا إله إلا الله ح٩١٦. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢١٩. ٣ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٦١. ٤ مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٤/٢٩٧. ٥ رواه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب في التلقين ح٣١١٦، وحسنه الألباني في إرواء الغليل ٣/١٤٩ ح٦٨٧. ٦ رواه ابن حبان في صحيحه ٧١٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/٩١٦ح ١٦٥٢. ٧ رواه أحمد في مسنده ٤/١٩٠، وأبو نعيم في الحلية ٦/١١١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٤٥١ح ١٨٣٦.
[ ١٢٤ ]
وقد ذكر النووي كراهة العلماء للإكثار على المحتضر بالتلقين والموالاة، لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه؛ فيكره ذلك أو يتكلم بما لا يليق؛ ولهذا قالوا إذا نطق بالشهادة مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر، فيعاد التعريض به؛ ليكون آخر كلامه١.
وقال الترمذي ت٢٧٩هـ: “وقد كان يستحب أن يلقن المريض عند موته قول: لا إله إلا الله، وقال بعض أهل العلم: إذا قال ذلك مرة فما لم يتكلّم بعد ذلك فلا ينبغي أن يلقن، ولا يكثر عليه هذا، وروى عن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله، وأكثر عليه، فقال عبد الله: إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام، وإنما معنى قول عبد الله إنما أراد ما روى عن النبي ﷺ “من كان آخر قوله: لا إله إلا الله دخل الجنة) ” ٢.
وقال القرطبي: “قال علماؤنا: تلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عمل بها المسلمون؛ وذلك ليكون آخر كلامهم لا إله إلا الله فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﵇ "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ، ولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان؛ فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، فإذا تلقنها المحتضر وقالها مرة واحدة فلا تعاد عليه لئلا يضجر، وقد كره أهل العلم الإكثار من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها أو فهم ذلك عنه”٣؛ لأنه قد يتبرم من الإلحاح والإعادة، فيثقلها الشيطان عليه، فيكون سببًا لسوء الخاتمة٤.
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢١٩، وشرح السنة ٥/٢٩٦. ٢ سنن الترمذي ٣/٣٠٧، ٣٠٨، وانظر صحيح سنن الترمذي ١/٥٠٢. ٣ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٦٢. ٤ انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها. وانظر ما قاله أبو حامد الغزالي ت٥٠٥هـ، في كتاب الموت ص٧٨.
[ ١٢٥ ]
وقد ذكر بعض أهل العلم أن المراد بتلقين المحتضر الشهادة: ذكرها عنده وتسميعها إياه، دون أمره بقولها١، والحق أن ظاهر قوله ﷺ “لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" يدل على أن المراد أمره بأن يقولها، لا مجرد ذكر الشهادة عنده وتسميعها إياه، كما يشهد لذلك ما رواه أنس ﵁ ”أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار فقال: يا خال، "قل: لا إله إلا الله"، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ: نعم” ٢.
قال القرطبي: “لا بد من تلقين الميت، وتذكيره الشهادة، وإن كان على غاية من التيقظ”٣، وقال ابن عثيمين ت ١٤٢١هـ: “أهل العلم قالوا: يسن تلقين المحتضر لا إله إلا الله، لكن بدون قول قل؛ لأنه ربما مع الضجر يقول: لا؛ لضيق صدره مع نزول الموت، أو يكره هذه الكلمة أو معناها، وفي هذا الحديث [أي في قصة تلقين الرسول ﷺ لعمه أبي طالب] قال”قل، والجواب: أن أبا طالب كان كافرًا فإذا قيل له: قل، وأبى فهو باق على كفره، لم يضره التلقين بهذا؛ فإما أن يبقى على كفره ولا ضرر عليه بهذا التلقين، وإما أن يهديه الله، بخلاف المسلم، فهو على خطر؛ لأنه ربما يضره التلقين على هذا الوجه”٤.
وقد يرد إشكال عدم ذكر مشروعية تلقين المحتضر شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ، والجواب على ذلك ما ذكره ابن حجر بقوله:
“والمراد بقول لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة”، ثم نقل قول ابن المنير: “قول لا إله إلا الله لقب
_________________
(١) ١ أشار إليه السندي ت٩١١هـ في حاشيته على سنن النسائي ٣/٥، والسهارنفوري ت١٣٤٦هـ في بذل المجهود في حل أبي داود ١٤/٧٩، ٨٠، وغيرهم. ٢ رواه الإمام أحمد ٣/١٥٢، ١٥٤، ٢٦٨ بإسناد صحيح على شرط مسلم. ٣ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٦٤. ٤ القول المفيد على كتاب التوحيد ١/٣٥٥.
[ ١٢٦ ]
جرى على النطق بالشهادتين شرعًا”١.
وقد روى ابن ماجة بسنده عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ “ما من نفس تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب مؤمن إلا غفر الله لها” ٢.
ويشهد له ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: “من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، صادقًا من قلبه دخل الجنة” ٣.
وما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما إلا دخل الجنة” ٤.
فدلت هذه النصوص على أن تلقين المحتضر: لا إله إلا الله، ونطقه بها متضمن لإيمانه بأن محمدًا رسول الله.
قال ابن القيم: “لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها؛ لأنها شهادة من عبد موقن بها، عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات، ولانت نفسه المتمردة، وانقادت بعد إبائها واستعصائها، وأقلبت بعد إعراضها، وذلت بعد عزّها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها،
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣/١١٠ وانظر ٧/١٩٦. ٢ رواه ابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله ح٣٧٩٦ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/٣١٨ ح٣٠٦٣، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٣٤٧ ح٢٢٧٨. ٣ رواه الإمام أحمد في مسنده ٥/٢٢٩ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٣٤٨ تحت حديث رقم ٢٢٧٨. ٤ رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح٢٧.
[ ١٢٧ ]
واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه، فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه، فوجه العبد وجهه بكليته إليه، وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم وحده ظاهرًا وباطنًا، واستوى سره وعلانيته فقال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه، قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته وامتلأ قلبه من الآخرة فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وأدخلته على ربه؛ لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة، وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها، فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها وفرّ إلى الله من الناس، وأنس به دون ما سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأسبابها ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله، فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي”١.
فإن قيل: هل يُعرض الإسلام على الصبي والكافر؟
فيقال: عنون البخاري ت٢٥٦هـ بهذا العنوان (هل يُعرض على الصبي الإسلام) للباب التاسع والسبعين من كتاب الجنائز، كما عنون بـ (كيف يعرض الإسلام على الصبي) للباب الثامن والسبعين بعد المائة من كتاب الجهاد، ثم أورد فيهما ما رواه بسنده عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال لابن صياد٢، وقد قارب الحلم ”أتشهد أني
_________________
(١) ١ الفوائد ص٥٥، ٥٦. ٢ هو صافي بن صياد، كان أبوه يهوديًا، واشتهر عن صافي التكهن وهو صغير؛ فجاءه الرسول ﷺ ليختبره: انظر تجريد أسماء الصحابة ١/٣١٩ وفتح الباري ٣/٢٢٠.
[ ١٢٨ ]
سول الله” ١.
وأورد في كتاب الجنائز ما رواه بسنده عن أنس ﵁ قال: “كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ، فأسلَمَ، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار”٢، وفي رواية “الحمد الله الذي أنقذه بي من النار” ٣.
قال ابن حجر: “وفي الحديث جواز استخدام المشرك، وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد، واستخدام الصغير، وعرض الإسلام على الصبي، ولولا صحّته منه ما عرضه عليه، وفي قوله (أنقذه بي من النار) دلالة على أنه صح إسلامه”٤.
كما دل الحديث على جواز حضور المسلم وفاة الكافر؛ ليعرض الإسلام عليه، رجاء أن يسلم٥.
وعلى من يحضر المحتضر ألا يقول إلا خيرًا، فعن أم سلمة ﵂، قالت قال رسول الله ﷺ: “إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون..” ٦ الحديث.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام ح١٣٥٤، وكتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي ح٣٠٥٥. ٢ رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام ح١٣٥٦. ٣ في سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب في عيادة الذمي، ح٣٠٩٥. ٤ فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣/٢٢١ وانظر ٦/١٧٢، وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٨/١٩١. ٥ انظر أحكام الجنائز ص١٢. ٦ رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المريض والميت ح٩١٩.
[ ١٢٩ ]
قال النووي في شرحه هذا الحديث: “فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له، وطلب اللّطف به، والتخفيف عنه، ونحوه، وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم”١.
وعنها ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال ”إن الروح إذا قبض تبعه البصر” فضج ناس من أهله، فقال ”لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون”، ثم قال ”اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه” ٢، قال النووي في هذا الحديث: “دليل على استحباب إغماض الميت، وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا والحكمة فيه ألا يقبح بمنظره لو ترك إغماضه وفيه استحباب الدعاء للميت عند موته ولأهله وذريته بأمور الآخرة والدنيا”٣.
وقال القرطبي: “قال علماؤنا: قوله ﵇ ”إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا" أمر ندب وتعليم بما يقال عند المريض أو الميت، وإخبار بتأمين الملائكة على دعاء من هناك؛ ولهذا استحب العلماء أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته ليذكروه، ويدعوا له ولمن يخلفه ويقولوا خيرًا فيجتمع دعاؤهم وتأمين الملائكة فينتفع بذلك الميت ومن يصاب به ومن يخلفه”٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢٢٢. ٢ رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر ح٩٢٠. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢٢٣. ٤ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٦٥، ٦٦.
[ ١٣٠ ]