روى مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ”إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة” ١.
فقوله ﷺ في أول هذا الحديث ”إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه" فيه تحذير للعباد من الشيطان، وتنبيه على ملازمته للإنسان في تصرفاته وجميع أحواله؛ ليتأهبوا ويحترزوا منه، ولا يغتروا بما يزينه لهم٢.
وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على حضور الشيطان عند المحتضر؛ لإغوائه وافتتانه، كما استدلوا أيضًا بما رواه أبو هريرة ﵁ قال ”كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال” ٣.
قال ابن دقيق العيد ت ٧٠٢هـ: “فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة وأكل اللقمة الساقطة ح٢٠٣٣. ٢ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/٢٠٥- ٢٠٦. ٣ رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر ح١٣٧٧.
[ ١١٩ ]
أن يراد بها فتنة القبر”١.
كما قد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات على حضور الشيطان عند المحتضر لإغوائه، وأنه قد يعرض الأديان على بعض العباد، حيث قال ﵀: “أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضًا منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا، منها ما في الحديث الصحيح "أمرنا النبي ﷺ أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال” ٢، ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح ”الأعمال بخواتيمها” ٣ وقال ﷺ “إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها” ٤ ، ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك، لما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال ”من ملك زادًا أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء
_________________
(١) ١ نقلًا عن فتح الباري شرح صحيح البخاري ٢/٣١٩. ٢ سبق تخريجه في ص: ١١٩. ٣ رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم، وما يخاف منها، ح٦٤٩٣. ٤ رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ح٧٤٥٤.
[ ١٢٠ ]
نصرانيًا” ١ ”٢.
وقال في موضع آخر: “وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض ” ٣.
وذكر ابن حجر أن الأكثر والأغلب في سوء الخاتمة أنه لا يقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصرّ على الكبائر والمجترئ على العظائم، إذ يهجم عليه الموت بغته فيصطلمه٤ الشيطان عند تلك الصدمة، فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته٥.
ويدل على حضور الشيطان عند المحتضر قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٦، فالمعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمرٍ من أموري كائنًا ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات٧.
وتحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي عن حضور الشيطان عند المحتضر تحت عنوان (الفصل الثاني والعشرون في اجتهاد الشيطان على المؤمن عند الموت)، واستشهد بما رواه النسائي وأبو داود بسنديهما عن أبي اليسر قال: كان رسول الله ﷺ يقول ”اللهم إني أعوذ بك من التردّي،
_________________
(١) ١ رواه الترمذي في سننه، كتاب الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج ح٨١٢، وقال عنه الألباني: (ضعيف)، انظر ضعيف سنن الترمذي ص٨٨. ٢ مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٤/٢٥٥، ٢٥٦. ٣ المصدر السابق ١٤/٢٠٢. ٤ الاصطلام: الاستئصال والهلاك والقطع، انظر لسان العرب ٢/٤٦٩. ٥ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ١١/٤٨٩، ٤٩٠. ٦ سورة (المؤمنون)، الآيتان ٩٧ وَ٩٨. ٧ انظر أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٥/٨١٩.
[ ١٢١ ]
والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا” ١.
فقوله ﷺ “وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت"، قال الخطابي ت٣٨٨هـ في شرحه: “هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله، ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكره له الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له، ويلقى الله وهو ساخط عليه”٢.
ويقول ابن الجوزي ت٥٩٧هـ: “وقد يتعرض إبليس للمريض فيؤذيه في دينه ودنياه، وقد يستولي على الإنسان فيضله في اعتقاده، وربما حال بينه وبين التوبة وربما جاء الاعتراض على المقدر؛ فينبغي للمؤمن أن يعلم أن تلك الساعة هي مصدرية للحرب، وحين يحمى الوطيس فينبغي أن يتجلد، ويستعين بالله على العدو”٣.
وقد رُوي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي الخرقة لأشد لحييه، فكان يغرق ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مرارًا فقلت له يا أبت أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد،
_________________
(١) ١ رواه النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من التردي والهدم ح٥٥٤٦، ورواه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة ح١٥٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٣/٤٨٣ ح٥٥٤٦ وَ٥٥٤٧ وَ٥٥٤٨. ٢ معالم السنن، شرح على سنن أبي داود ٢/١٩٤. ٣ الثبات عند الممات ص٤١، ٤٢.
[ ١٢٢ ]
حتى أموت١.
وقال القرطبي: “سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول: حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتُضر، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق ذكرنا له ذلك فقال: أتاني شيطانان، عن يميني وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهوديًا فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيًا فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا، لا٢.
وقد روي أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن آدم منه في حال الموت، وهو يقول لأعوانه دونكم هذا فإن فاتكم اليوم لم تلحقوه”٣
_________________
(١) ١ انظر سير أعلام النباء ١١/٣٤١. ٢ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٦٨. ٣ انظر معالم السنن حاشية على سنن أبي داود ٢/١٩٤، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ٤/٢٥٠.
[ ١٢٣ ]