جاء صريحًا في كتاب الله تعالى أن الملائكة تبشر الكافر بالعذاب، قال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ٩٣.
[ ١٠٢ ]
أي أن الملائكة يبسطون أيدهم بالضرب والعذاب للملائكة حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم فتتفرق روحه في جسده وتعصى وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي اليوم تهانون غاية الإهانة بسبب تكذيبكم على الله واستكباركم على اتباع آياته والانقياد لرسله١.
يقول الطبري في تفسير هذه الآية: “وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عما تقول رسل الله التي تقبض أرواح هؤلاء الكفار لها، يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها أخرجوا أنفسكم إلى سخط الله ولعنته؛ فإنكم اليوم تثابون على كفركم بالله، وقيلكم عليه الباطل وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوح إليكم شيئًا، وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا، واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله والانقياد لطاعته، عذاب الهون وهو عذاب جهنم الذي يهينهم فيذلهم حتى يعرفوا صغار أنفسهم وذلتها”٢.
ويقول ابن القيم: “فقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ المراد به عذاب البرزخ، الذي أوله يوم القبض والموت”٣.
وأخبر ﷾ عن حالهم حين الاحتضار، في سورة أخرى، بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٤ فالله جل وعلا يخاطب
_________________
(١) ١ انظر تفسير القرآن العظيم ٢/١٤٩. ٢ جامع البيان في تفسير القرآن ٧/١٨٣. ٣ مفتاح دار السعادة ١/٧٢. ٤ سورة الأنفال، الآيتان ٥٠ وَ٥١.
[ ١٠٣ ]
نبينا محمدًا ﷺ قائلًا له: “ولو تعاين يا محمد حين يتوفى الملائكة أرواح الكفار فتنْزعها من أجسادهم، تضرب الوجوه منهم والأستاه، ويقولون لهم ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم..، ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم، هذا العذاب لكم بما قدمت أيديكم، أي بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار، واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم، فذوقوا اليوم العذاب، وفي معادكم عذاب الحريق”١.
يقول ابن القيم: “فهذه الإذاقة هي في البرزخ وأولها حين الوفاة؛ فإنه معطوف على قوله ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وهو من القول المحذوف مقولة لدلالة الكلام عليه كنظائره، وكلاهما واقع وقت الوفاة”٢.
والأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على بشارة الملائكة الكفار بالعذاب، وحزنهم بذلك كثيرة، سبق ذكر كثير منها في المبحث السابق٣.
_________________
(١) ١ جامع البيان في تفسير القرآن ١٠/١٦، ١٧. ٢ مفتاح دار السعادة ١/٧٢. ٣ وتركت ذكرها هنا خشية التكرار، لأن كثيرًا من الأحاديث فيه بشارة المؤمن، والكافر، فذكرتها في مكان واحد؛ بعدًا عن تجزئتها.
[ ١٠٤ ]