كل المخلوقات تجد سكرات الموت ويشهد لهذا عموم قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ١، وقوله ﷺ “إن للموت سكرات”٢، لكن تختلف المخلوقات في درجة إحساسها بالسكرات٣.
فالعبد المؤمن تخرج روحه بسهولة ويسر، ودليل ذلك ما ورد في حديث البراء ابن عازب أن الرسول ﷺ قال عن وفاة المؤمن: “ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة [وفي رواية: (٣) سورة آل عمران، الآية ١٨٥.
_________________
(١) سبق تخريجه في ص: ٨٢.
(٢) انظر التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٥٠، ٥١.
[ ٨٤ ]
المطمئنة] اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء١، فيأخذها ”٢.
أما الكافر فإن روحه تخرج بشدة وصعوبة يتعذب بها، لقوله ﷺ في حديثه عن وفاة الكافر [وفي رواية الفاجر]: “ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود٣ الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب”٤.
هذا بالجملة وإلا فإنه قد تشتد السكرات على بعض الصالحين؛ لتكفير ذنوبهم، ولرفع درجاتهم، كما حصل للرسول ﷺ حيث عانى من شدة سكرات الموت، كما في صحيح البخاري في الحديث السابق ذكره٥.
قال ابن حجر: “وفي الحديث " لا إله إلا الله إن للموت سكرات ": أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته، وإما تكفير لسيئاته”٦.
وقد ترجم ابن ماجه ت٢٧٥؟ في سننه بعنوان: “باب ما جاء في المؤمن
_________________
(١) السقاء هو ظرف الماء من الجلد، ويجمع على أسقية، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ص٤٣٦.
(٢) الحديث رواه أحمد ٤/٢٨٧٦ وَ٢٩٥ وَ٢٩٦ وأبو داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر ح ٤٧٥٣.
(٣) السفود: حديدة ذات شعب معقفة، يشوى بها اللحم، انظر لسان العرب ٢/١٥٤.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) عند الإحالة ص: ٨٢.
(٦) فتح الباري شرح صحيح الباري ١١/٣٦٣.
[ ٨٥ ]
يؤجر في النَزْع”، وساق تحته قوله ﷺ: “المؤمن يموت بعرق الجبين” ١، كما قد جاء في حديث آخر قوله ﷺ: “الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم مس القرصة” ٢.
وهذا يدل على أن الأصل تخفيف نزع روح المؤمن، إلا أنها قد تشدّد على من أراد الله ﷾ من المؤمنين؛ تكفيرًا لسيئاتهم، أو رفعًا لدرجاتهم؛ قال القرطبي في معرض حديثه عن سكرات الموت: قال القرطبي: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين والأولياء فما لنا عن ذكره مشغولين؟ وعن الاستعداد له متخلفين؟ قالوا وما جرى على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من شدائد الموت وسكراته فله فائدتان:
أحدهما: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى فلا يرى عليه حركة ولا قلقًا، ويرى سهولة خروج روحه، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه مع كرامتهم على الله تعالى، وتهوينه على بعضهم قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقًا لإخبار الصادقين عنه، ما خلا الشهيد قتيل الكفار
الثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله وأنبياؤه ورسله، فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة؟ وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين. فالجواب: أن “أشد الناس بلاءً في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل” ٣
_________________
(١) رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النزع ح١٤٥٢ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/٢٤٥ح ١١٨٨.
(٢) رواه ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله ح ٢٨٠٨ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ح٩٦٠ وصحيح سنن ابن ماجه ٢/١٣٠ح ٢٢٦٠.
(٣) طرف من حديث رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء ح ٢٣٩٨ ورواه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء ح٤٠٢٣ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/٣٧١ ح٣٢٤٩.
[ ٨٦ ]
كما قال نبينا ﵇ فأحب الله أن يبتليهم تكميلًا لفضائلهم لديه، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصًا ولا عذابًا، بل هو.. كمال رفعة، مع رضاهم بجميل ما يجري الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم، كما ابتلى إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار وعيسى بالصحارى والقفار، ونبينا محمدًا ﷺ بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار، كل ذلك لرفعة في أحوالهم وكمال في درجاتهم.
ولا يفهم من هذا أن الله شدد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخلطين؛ فإن ذلك عقوبة لهم، ومؤاخذة على إجرامهم، فلا نسبة بينه وبين هذا) ١.
فشدة السكرات تخفف من الذنوب، وكل ما يصيب الإنسان من مرض أو شدة أو هم أو غم حتى الشوكة تصيبه فإنها كفارة لذنوبه، ثم إن صبر واحتسب كان له مع التكفير أجر ذلك الصبر الذي قابل به هذه المصيبة التي لحقت به، ولا فرق في ذلك بين ما يكون عند الموت، وما يكون قبله، فالمصائب كفارات لذنوب المؤمن٢، وقد أخبر الرسول ﷺ بأنه: “ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلاحط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها” ٣، وكذلك قوله ﷺ: “من يرد الله به خيرًا يصب منه” ٤ وقوله ﷺ: “ما يصيب المؤمن من
_________________
(١) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٤٨- ٥٠.
(٢) انظر فتاوى الشيخ محمد صالح العثيمين ٢/٩٨٩.
(٣) رواه البخاري، كتاب المرضى والطب، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول ح٥٦٤٨. ورواه مسلم، كتناب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ونحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ح٢٥٧١.
(٤) رواه البخاري، كتاب المرضى والطب، باب ما جاء في كفارة المرض وقول الله تعالى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ح٥٦٤٥.
[ ٨٧ ]
وصب١ ولا نصب٢ ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفر به من سيئاته” ٣، وفي رواية قال ﷺ: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه” ٤.
_________________
(١) الوصب: دوام المرض ولزومه، وقد يطلق الوصب على التعب وفتور البدن، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ص٩٧٤.
(٢) النصب: التعب، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ص٩١٨، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠/١٠٦.
(٣) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ونحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ح٢٥٧٣.
(٤) رواه البخاري، كتاب المرضى والطب، باب ما جاء في كفارة المرض وقول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ح٥٦٤٢.
[ ٨٨ ]