فقال قتادة وعطاءُ الخُراساني: كان القتال كبيرةً من الكبائر في الأشهر الحرم ثم نُسخ وأحل القتال فيها بقوله جل وَعَلا: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦] يقُول: فيهن وَفي غيرهن.
وقال الزهْري: كان النبي - ﷺ - يحرم القتالَ في الأشهر الحرم بما أنزل الله عليه من تحريم ذلك، حتى نزلت سورة براءة فأحل قتال المشركين.
وقال محمد بن إسحاق: سألتُ سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منْسوخ فلا بأسَ بالقتال فيه وفي غيره.
قالَ ذُو النّسَبَين أيده الله:
وَحجتهم أن النبي ﷺ قدْ غزا في الأشهر الحرم، فغزا غزْوة ذات الرقاع لثمانِ خلونَ من شهْر المحرم، قاله أبو الحسن
_________________
(١) = الهامش "كذا" مشيرًا بأن استشكاله إنما هو على قول المصنف "في قوله جل وعلا" وسبب الإشكال هو أنه فهم هذا القول على ظاهره، وغير معقول أن يفصل الرسول شيئًا في آية! ولكن إذا قدر مضاف محذوف في عبارة المصنف أي "في تفسير قوله جل وعلا" زال الإشكال بإذن الله على ما شرحنا. (ن) . وكان في أصل الشيخ ناصر غلط أصلحناه.
[ ٧٢ ]
المسعُودي في "مختصر التاريخ" له -وَهو عنْدي في مجلد- وَهو خلاف ما ذكره ابن إسحاقَ في "السيرة"، وَغزا بني قريظةَ لسبع بقين من ذي القعدة، وَغزا غزوةَ تَبوكَ- وهي آخر غزوة غزاها ﷺ - لخمْسِ خلونَ منَ رجَبِ، فأقام في غيبته قَريبًا من ثلاثة أشهرٍ ورَجع إلى المدينة فدخلها في شهْر رمضان، وَهذا واضحٌ في استحلاله ونسْخه.
وخالف ابن جريج وَقال: حَلفَ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاح بالله مَا يحل للناس أن يغزو في المحرَّم ولا في الأشْهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها ومَا نُسخَت، وَقد رد الناسُ عليه وقالوا: نسخَت آيةُ القتال كل آية فيها رخْصة في تركه مع قتال رسول الله - ﷺ - فيه واستحلاله الذي أمَرنا الله ﷿ بقبُول قوله والائتساء بفعله، وقال ابن عباس في قوله- جل وَعلا-: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦]، الهاء في "فِيهِنَّ" تعُود على الاثني عشر شهْرًا أي: فلا تظلموا في الشهور كلها أنفسكم. وقال قتادةُ: الهاء تعود على الأشهر الأرْبعة، قال شيْخنا نحويُ الأندَلُس اْبو محمد القَاسم بن دَحْمانَ: وهو الصواب عنْد النحويين، لأنَّه جعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وَضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
[ ٧٣ ]