وكانَ مَالِك يقول لِنافع بن أبي نُعَيم القارئ بالمدينة: لا تكونن إمَامًا في المحْراب، فإنَّ المحرابَ موضع مِحنَةٍ فإن، زللتَ في حرف فسمعك من يطلب هَذه الحروف الشاذة فيغتنم ذلك فينقلها عنْك مذهبًا لك وَيرْوي عنك وليست بمذهبٍ لك، إنّما هي زَلة وغَلَط محنةٍ فلا تكونن إمامًا.
اختَلفَ العُلماء
في: القَول في حدثنا، وأخبرنا، وأنبانا. فقال مالِك: يقال في الإجازة: حَدثنا وأخبرنا، وَقد قدمنا ذلك.
ومنهم من يقول بها: أنبانا ونبّأنا، وهذا اختيار الأوزاعي ليعلم ويُعلمَ غيرهُ سَماعه من مستجازه.
قال ابن بكر: وبلغني عنْ أبي سليمان الملقب بالخطابي أنه قال: حكم الإجازة أن تقول فيها: حَدثنا فلانٌ أن فلانًا حدّثه، كأنه جعل دخُول أنَّ دليلًا على الإجازة في مفهوم اللغة، وَغابَ عني ذلِك اختيار الخطابي أم حكاه عن غيره؟
وَقد تأملتُ قوله هذا فلم أعرف لهُ وجهًا صحيحًا من جهة لُغة العرب وَلا من جهة قياس العربيَّة؛ لأن أنَّ المفتوحةَ الهمزة التي اشترطها الخطابي في عبارة الإجازة أصْلها التأكيد، وَإنَّما
[ ١٠٢ ]
فُتحت لأنَّها صَارت اسْمًا، وَمعنى حَدثنا فلان أن فلانًا حدثه أي بأن فلانًا حدثه، فدخول الباء للتاكيد فإنْ صح هذا المعنى من مذهب الخَطابي، أو من مذهب من حكاه عنه فالإجازة أقوى من السّماع لأنه خَبَرٌ قارنه التأكيدُ، وهذا لا يقوله أحد من أصحاب الحديث أعلمه إلا أن يكونَ سماعًا رديئًا كالهينَمة والدندنَة مما لا يفهم فلا يعقل.
وسُئل عن الحديث ابن جُريج، عن عَطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أخبره. وابن المنكدر، عن جَابر أن رسول الله ﷺ مما يطول نصه هل هذا إجازة من رسول الله ﷺ لابن عباس ولجابر؟ وَقد ترْجمَ البخاري في كتاب العلم من "صحيحه": بابُ قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا: وقال الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبانا وسمعْت واحدًا، فثبتَ من ذلك أنهُ لا فرق في المعنى بين حدثنا وأخبرنا وإن كان بعض أهل الحديث قال: إن حَدثنا لما سُمع من لفظ الشيخ وإنَّ أخبرنا لما قُرئ عليه.
قال ابن بكر: بلغني أن عبد الله بن وهْب أوّل من سَنَّ في التحديث بِمصْر أخبرنا فيما هو قراءَة على الراوي، وحَدثنا فيما هُو سَماع من لفظ الراوي، كأنَّه أرادَ أن يَعرفَ من جملة حَديثه
[ ١٠٣ ]