السنَد ومعرفة الصحة حرام، وقد ثبت عَن المغيرة بن شعْبة قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذبَ علي متعمدًا فليتبوأْ مقعده من النارِ". وقال أنس: إنه ليمنَعني أن أحدثكم حَديثًا كثيرًا أن النبي - ﷺ - قال: "من تعمّد علي كذبًا، فليتبوّأ مقعده من النار" أسنده البخاري في باب إثم من كذب، وأسنده أيضًا عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت النبي - ﷺ - يَقول: "من يقُل عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار" وألفاظ هذا الحديث رَواها عن رسول الله - ﷺ - نحْوٌ من تسعين صاحِبًا.
وقد أخرج منه نحْو أربعمائة طريق (١)، وإنما شرط ﷺ التعمّد
_________________
(١) وللحافظ أبي القاسم الطبراني جزء في طرق هذا الحديث محفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق. (ن) . أقول: والعجيب أن بعض أهل الحديث اقتصروا على أمثال هذا الحديث لجعله متواترًا.. مع أن كل حديث يرويه عدد من الصحابة، وكلهم عدول، ويرويه عنهم عدد مماثل من التابعين ومن بعدهم يجب أن يكون متواترًا. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع في كتبه: كثير من متون "الصحيحين" متواتر اللفظ، وقال: التواتر ليس له عدد محصور، وقد يحصل بصفات الناقلين، أو بالقرائن.
[ ٢٦ ]
لأنه قد يَروي الإنسان شيئًا على غلبَة ظنّه أو ساهيًا، وإنما غلّظ الوعيدَ في هذا لأن الكذبَ عليه دعوى شريعة لم يشرعها، وقد ثبت بنقل العدل عن العدْل عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من حدث عنّي بحديث يُرى أنه كذب فهو أحدُ الكاذِبَيْن " أسنده مسلم في "صحيحه " منفردًا به من طريقين عنْ صاحبَين: المغيرة وسمرة. وأسنده الإمام أحمد في "مسنده " عن علي بن أبي طالب.
ويُرَى بضم الياء أي يظن فهما كاذبان أحدُهما كذب حقيقةً والآخر كذب ظنًا وفيه وعيد شديد للمحدث إذا حدث بما يظن أنه كذبٌ على رسول الله - ﷺ - وإن لم يكنْ هو الكاذب في روايته.
وأصلُ الكذب في اللغة خلاف الصدق، والصدق في اللغة الثبوت على الشيء والصلابة فيه، يقال: رُمْح صَدْق بفتح الصاد أي صُلْبٌ ثابت عنْد الطعن، فقيل لمن قال غير الحق: كاذبٌ لعدم ثبوت قوله.
ومن غرائب اللغة أنّ كذَب بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين وَكذَّب بالتشديد يتعدى إلى مفعُول واحد، وكذلك صَدَق
[ ٢٧ ]
وصَدّق، يقال: كذَبْتُ فلانًا قولي فَفلان مفعول وقولي مفعُول ثانِ، فإذا. قلت: كذبَ بالتشديد تعدى إلى مفعول واحد، تقول: كذبت فلاناَ، فَفلانُ، مفعول لِكذبَ وهو واحِد بخلاف غيْره من الأفعال، فإن التشديد يُعَدي الفعلَ إلآ في هذا المحل، وصدَقَ وَصَدق مثل كذَبَ وكذبَ في الموضعين، قال الله جل منْ قائلِ (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) [الفتح: ٢٧]، لَقَد: لام توكيد وقدْ: حرف تَوقّع، صَدَق: فعْل ماضٍ، واسم الله ﷿: رَفْعٌ بصَدَق، رسوله: مفعولٌ بِه، الرؤيا: مفعول ثانٍ بصدق، بالحقّ: متعلقٌ بصَدَق.
وقولهُ - ﷺ -: "فليتبوأ مقعده من النار" أي ينْزِل منزَله منها ويتخذه، قيل: هذا على طريق الدعاء عليه أي بَوَّأه الله ذلك وخَرَج مْخرج الأمر، وقيل: بل هو على الخبر وإنه استحق ذلك واستوجَبه، وهو الصحيح بدليل قوله - ﷺ -: "لا تكذبوا علي، فإنه منْ كذَب علي فليلج النار".
وقد قال رسول الله - ﷺ -:
"بلّغوا عني ولو آية" الحديثَ في "الصحيحين ".
وقال في مواقف: "ألا هَلْ بَلّغْتُ! اللهم اشهْد" وآخر ذلك
[ ٢٨ ]