رجبٍ منَ الشهْر الحَرام، وَأنكر رسُول الله - ﷺ - قتْل عَمْرو بن الحَضرمي في الشهْر الحرام فَسُقِط في أيدي القَوم، فأنْزل الله ﷿ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧] .
واحْتجاجُ البخاري على صحة الرواية بالمناوَلة بهذا الحديث احتجاج وَفقْه صحيح، لأن رسول الله - ﷺ - ناوَل عبدَ الله بن جحش كِتَابَه ففتَحه بعد يومين فعمل على ما فيه، وكذلك العالِم إذا ناوَل التلميذ كتابًا جَازَ له أنْ يَرويَ عَنْه.
وذكر أبو الحسن الدَارقطني في كتاب "رُواة مالكِ "، أن مالك بنَ أنسِ أخرجَ لهم كتبًا مشدودةً فقال: هذه كتبي صحَّحتها ورويتها فارْووها عني، فقال له إسماعيل بن صالح: فنقول: حدّثنا مَالِك؟ قال: نَعمْ.
[ ١١٦ ]
وقال البخاري في مُصَنَّفه: وقال أنَسٌ: نسخَ عثمان المصاحِفَ فبعثَ بها إلى الآفاق (١) .
ورأى عبد الله بن عُمَر ويحيَى بن سعيد ومالِك ذلكَ جائزًا، واحتجوا أيضًا في هذا المعنى بحديث ابن عباس أن أبا سفْيان ابن حرب أخْبره أن هِرَقْلَ دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - الذي بَعَث به مَع دِحْيَةَ إلى عظيم بُصْرى فدفعهُ إلى هِرقلَ، ولهذا الحديث طرق في "الصحيحين"، وكذلك كُتُبُ رسول الله - ﷺ - مَع إرْساله إلى ملوك الأرض.
قال الإمام الحافظ أبُو العبَّاس الوليدُ بن بكر فيما حَدثنا غير واحدِ عَن الخوْلاني، عن الحافظ أبي ذر الهَروي، عنْه قال: وَكذلك لو أدْخله الراوي إلى خزانة كتبه فيقول لهُ: فيها من أجزاءِ حديثي كذا وكذا بالتسْمية، أو أحالَه على الفَهْرسة الشَّاملة على فنون كُتُبهِ، أو أحاله على تَراجمها ونبَّهه على طرق أوائلها ثم قال له: حَدّث بها عَنّي فقدْ أبحتُ لكَ ذلك على مَا فيها مضبوطًا مصححًا، فهذا كلُّه بابٌ من أبواب النقل يفضي إلى الصحة لأن الرسْمَ ناطقٌ بما فيه.
_________________
(١) علقه البخاري هكذا في "كتاب العلم" [ووصله في "فضائل القرآن" (٣/ ٣٩٣)] في حديث طويل.
[ ١١٧ ]
قال ابن بكر الحافظ: وَهذه المناوَلة هِي أعْلى مراتب الإخبار تَحِل محلَّ السماع وَالقراءَة عنْد جماعة من أئمَّة أصْحاب الحديث، وهو مذهب مالك ﵀، وهو فقه مستنبط من كتاب رسُول الله - ﷺ - لأنّه لما أمَرَهُ أن يمتثلَ ما في الكتابِ مختومًا عليْه دلّ على أْن رسْم الكتاب ناطقٌ، وأن ذلك النطق صحيحُ الحكم كصحَّة حكم المشافهةِ، وَلولا ذلك لم يصحَّ نفوذ عبد الله بنْ جحش حين وقف على ما فِيه، وَلم يكنْ صحيحًا مَا أمَر به رسول الله - ﷺ -، لأنّه لا يأمُر بباطلٍ. وَفي كتاب الله تعالى في صِفة سَبَأ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١» [النمل]، دَْليل على اْن للكتاب حكمًا صحيحًا كالمشافهة، وَلذلك جمعَت ملأها وشاورتهم في قِصّتها، وَلو كان حكمه باطلًا لم ترفعْ به رأسًا، وَفيها فُصُولٌ وَأنْواع تطول، وَقد بيّنا ما استنْبطناه منَ الكتاب والسنة التي هي العمدة والأصول، والسَّماع هو الأصل المعوَّل عليه الذي يجده القارِئ يوم القيامة نورًا يسعى بين يديه.
سَمعْتُ الإمامَ رضىِّ الدين أبا بكر أحْمدَ بِشَاذِياخَ نيسابورَ يقول: سمعْت أبي الإمَامَ أبا سعْدٍ الكرماني، والإمامَ أبا مَنْصُور
[ ١١٨ ]