وجمعه أرْجاب يقال: رَجَثا، ورجبان، ورجَبَانات، وأرجبة، وَأَرجُب بضم الجيم، وأراجب، وأراجيب، وَرَجابىٌ على مثال زَرابي، وله ثمانية عشر اسمًا:
أحدها: رجب لأنه كان يُرجَّبُ في الجاهلية أي يُعظم، يقال: رجّبت الرجل إذا عظمتَه ورجل رجيب أي عظيم، فكانوا يعظمونه لتعظيم آلهتهم فيه بذبحهم لها، وَقيل: إنه مأخوذ منْ رجَبَ العود للنبات إذا خرج واحدًا يقولون: قد رجب، فإذا انفتح قيل: انْشعب.
الثاني: الأصم لأنه ما كان يُسمع فيه قعقَعة سلاح لتعطيلهم الحَرب فيه ولا قولهم: يا صَباحاه.
الثالث: الأصب لأن كفارَ مُضَر كانت تقُول: إن الرحْمة تنصَبُّ فيه صبًا، وَقد نُهينا عن موافقتهم فيما يعتقدون وَلهذا نَسَبه رسول الله - ﷺ - في "الصحيحين " إليهم فقال: "ورجَب مُضَر".
[ ٣٠ ]
الرابع: رَجَمٌ بالميم لأنه تُرجم فيه الشياطين أي تُطرد في قول مُضر أيضًا.
الخامس: الشهر الحرام لأن مضر كانت تقُول: عِظَم الذنب فيه كما في البلد الحرام، وموافقتهم مكروهة بل منْهيّ عنها وإن كانَ الذنب حيث كانَ وفي أيّ وقت كان في رجَب وغيره عَظيماَ، لأن مُضَر كانتْ تخُصّ رَجبًا بهذا الاسم، فجَاءَ النص على أن الأشهر أرْبعة حُرُم مخالفًا لهم، لأن رَجبًا يكون واحدًا منها فلا معنى لتخصيصه بهذا.
السادس: الهَرِم لأن حرْمتَه قديمة من زمن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو ثامِن عشر أبًا للنبي - ﷺ -.
السابع: المقيم لأن حرمتَهُ ثابتة لم تنسخ، لأنه أحدُ الأشهر الأربعة الحرم كما ذكرناه.
الثامن: المعلى لأنه رفيع عندهم فيما بين الشهور.
التاسع: الفرْد وهذا اسم شرعي، لأن الأشهر الحرم الأُخرَ وهي: ذو القعدة وذو الحجة وَالمحرّم سْردٌ، أي متتابعة وَرجب فرد.
العاشر: مُنْصِل الأسِنّة بكسر الصاد، قال أبو عُبيد الهروي وغيره: أنصلت الرمح نزعْت نصله، ونَصّلته جَعلت له نَصْلًا،
[ ٣١ ]
وفي "صحيح البخاري" في وسْط المغازي في باب (وَفْد بني حنيفة) وَحديث ثمامة بن أُثالٍ بِسَنده إلى أبي رَجَاء العُطَارِدي فإذا دخل شهْر رجب قلنا: مُنْصِل الأسنّة، فلا ندع رُمْحًا فيه حدِيدة، ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعْناه فألقيناه شهر رَجَبٍ، وقيّدهُ الكُشْمِيهَني مُنَصِّل بتشديد الصاد المكسورة.
وَأبو رجاء اسمُه عِمران، واختلف في اسم أبيه فقيل: عمران بن مِلْحان قاله أبو زُرْعة الرازي وابن نُمَيْر، وقال أحمدُ ابن حنبل: عمران بن عبد الله، وقال عَلي بن المديني، وَعمرو ابن علي الفلاس، وَيزيد بن هارون: عِمْران بن تيم، ورواه الغَلّابي عن ابن حنبل إلا ان الغَلّابي- واسمه محمد بن زكريا- كان يضَع، قاله الإمامان: أبو الحسن علي بن عُمَر الدارقطني، واْبو بكر أحمد بن محمد البَرقاني، فلا يحتج به.
وقال مهدي بن ميمون في "صحيح البخاري": وَسمعْتُ أبا رَجاءٍ يقول: كنْت يوم بُعِث النبي ﷺ غلامًا أرْعى الإبل على أهلي، فلما سمعْنا بخروجه فررْنا إلى النار إلى مُسَيْلَمة الكذاب، وعُمّر عُمْرًا طويلًا قال ابن مَعِين: مات سنةَ خمس ومائةٍ.
[ ٣٢ ]
قال ذو النسبين أيَّدهُ الله:
وَفيه يقول الفَرَزْدَقُ:
ألم تَر أن الناس مات كبيرُهم وقد عَاشَ قبل البعْثِ بعْثِ محمَّد (١)
الحادي عشر: منْ أسمائه مُنْصِل الأَلِّ، وَالأَل ها هنا جَمْع ألةٍ وهي الحرْبة، قال الأعشى:
تَدارَكَهُ في مُنصِلِ الأَلِّ بَعْدَما مَضَى غَيْرَ دَأْدَاءٍ وقد كادَ يَعْطَبُ (٢)
قال أبو عبيْد: الديْدا من الشهر آخِره وهُو الدّأداء أيضًا، وَقرأتُ في كتاب "صِلة المفْصول ونِسْبة المجهول في أبيات الغريب" المصنَّف لذي الوزارتين حجة العرب أبي عُبَيد البكري فيما حدثني بِهِ المقري المحدث اللُغوي النحوي أبو بكر محمد
_________________
(١) لم أجد هذا البيت للفرزدق في "ديوانه" طبع الصاوي بمصر سنة ١٩٣٦م.
(٢) هذه في "ديوان الأعشى الكبير" تحقيق الدكتور محمد أحمد قاسم، الصفحة ٤٦، طبع المكتب الإسلامي.
[ ٣٣ ]
ابن خير قال: حدثنا الفقيه المحدث اللغوي أبو عبد الله محمد ابن معْمر المذحجي عنه قال عنْد إنشاد هذا البيت صلته:
ألا أبْلِغا عَني حُرَيثًا رِسَالَةً فَإنّكَ عَنْ قَصْدِ المَحَجَّةِ أنْكَبُ
أتَعْجَبُ أنْ أوْفَيْتَ لِلجَارِ مَرَّةً فَنَحْنُ لَعَمْرِي اليَوْمَ مِنْ ذَاكَ نَعْجَبُ
فَقَبْلَكَ مَا أوْفَى الرُّفَادُ لجَارِهِ فَأنْجَاهُ مما كان يَخْشَى وَيَرْهَبُ
تَدارَكَهُ في مُنْصِلِ الأَلِّ بَعْدَما مَضَى غَيْرَ دَأْدَاءٍ وقد كادَ يَعْطَبُ
يقول هذا الشعر في هِجاءِ الحارث بن وعْلَةَ جدُّ حضين بن المنذر بن الحارث بن وعْلَةَ، وكان جاورَه رجل من بني يربوع فاغير عليه فوفى له حُريث ورد مالَه.
والرّفَاد الذي ذكره هو عمر بن عبد الله بن جعدة بن كعْب.
ومنْصل الأَلّ هو رجب كانوا يمتنعون فيه من الحرب والغارة تعظيمًا له، فينصلون أسنّةَ رماحهِمْ، يقال: نصَّلْت الرمح إذا جعلت فيه نَصْلا، وأنصْلته نزعت نصله.
[ ٣٤ ]
والدّأدِي ثَلاَثُ ليال من آخر الشهر، هكذا قال الأثبات من اللغويين، وقال أحْمد بن يحيى ثعلب: يقال لليوم الذي يشك فيه من الشهر الحرام: دَأداءٌ، وآخر ليلة من جمادى يقال لها: فَلَتَةٌ، وكذلك آخرِ ليلة من شَوّال: الاسْم.
الثاني عشر: مُنَزِّع الأسنة لأنهم كانوا ينْزِعون الأسنّةَ من الرماح فيه ولا يقاتلون، وهذا كالذي قبلَه.
الثالث عشر: سُمّي رَجَبًا لترك القتال فيه من قول العرب: رجل أرْجب إذا كان أقطَع لا يمكنه العملُ، ذكره الإمام الزاهد أبو بكر محمد بن الوليد الفهري في كتاب "ذكر الحوادث والبدع" (١) اهـ.
الرابع عشر: كان يُسمى في الجاهلية شهر العتيرة، وذلك من فساد السريرة، ترجم البخاري في "صحيحه " في آخر كتاب العقيقة باب العتيرة: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنْ أبي هريرة، عن النبى ﷺ قال:
_________________
(١) لقد أورد الإمام الطرطوشي معنى هذا الكلام في كتابه القيم النافع "كتاب الحوادث والبدع" الصفحة (١٢٩)، طبع الأمير مشعل بن عبد العزيز آل سعود.
[ ٣٥ ]