زوْجَ النبي - ﷺ - أكان رسول الله ﷺ يصُوم من كل شهر ثَلاثَة أيام؟ قالت: نعم، فقلتُ لها: من أيّ أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكنْ يبالي منْ أفي أيامِ الشهْر كان يصوم.
في هذا الحديث من الفقه ترْكُ التقليد حتى لا يصوم يومًا بعينه، ومن الفقه أيضًا أن التعيين من صِفَة الفروض غالبًا وَليس هذا منها فلا يصومُ يومًا بعينه.
وقيدنا هذا الاسم أَرِشْكَ بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الشين، واتفق العالمون بالصحيح على الإخراج عَنه، وهو يزيد ابنُ أبي يزيد وَاسمُه سِنانُ أبو الأزهر الضبعي البصْري، قال أبو عيسى الترمذي في باب مَا جاءَ في صَوم ثَلاثَة أيامِ من كل شهْر: والرّشْك هُو القسّامُ بلُغَةِ أهل البَصْرة، وَقيدتُه أنا بِخُراسانَ بفتح الراء عن أهل فارسِ وَهو الغَيور عندهم، وقيل: سُمي بذلك لِكِبَر لحيته، وَقيل: العَقرب هو اسمها بالفارسية ولأنها اختفَتْ في لحيته ثلاثة أيام ولم يَشعُر بها، ذكر ذلك القاضي الإمَام أبو الوليد بنُ الفَرَضي في كتاب "الألقابِ في أسماءِ نقلةِ الحديث"، وقاله الحافظ أبو علي الغسّاني في "تقييد المهْمَل"، والقاضي أبو الفضْل عياض بن موسى في "مشارِق الأنوار" له وغيرهم.
[ ٦١ ]
قالَ ذُو الئسَبَين أيَدّهُ الله:
والعجبُ كيف لا يحُسّ بها أو كيف لا تسقط عند وضوئه للصلاة؟! ولعله كانَ لا يخللُ لحيتَهُ لكبرها أو كانت العقربُ صغيرةَ جدًا فاختبأت بيْن الشعْر، وأما كونها مقدرة بثلاثة أيام فهذا التقدير كيف يصح؟! لأنه لو علم بها منْ أول وجودها في لِحيَتِهِ ما تركها، فمن أين يَعْلَم بهذه المدة؟! والذي عندي أن في ذلك احْتمالا يصحُّ حمل المعنى عليه وَالالتجاءُ إليه وَهو أنه يكون في متنزّه أو غيره يكُون مبدأُ كونه في ذلك الموضع منْ ثلاثة أيام، فلما أصَابَها بعد ذلك عَلِم أن مبْدأ وجودها كانَ من وقت كونه في ذلك الموضع، وإنما خصصناه بالمتنزه لأنه موْضع تكون فِيه العقاربُ غالبًا لالتفاف الشجر، فلما وجدهَا علم أن ذلك كانَ مما سبق في ذَلك الموضع، وَكان الكونُ فيه من مدةِ ثلاثةِ أيام، فهذا وجْهٌ حسن في الاحتمال وهو أولى من تكذيب مَنْ رواه من الأئمة في المقال، فقدْ حدثَ الحاكم أبو عبد الله في كتاب "علوم الحديث" لهُ: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقُول: سمعْت العباسَ بن محمّد الدُّوري يقول: سمعْت يحى بن معِين يقول: كانَ يزيد بن مطرًف يُسزح لحيته فخرج منْها عقرب فلقب بالرًشْكِ (١) .
_________________
(١) أطال المؤلف -﵀- فيما نقل، وغيره فيما قال. والأمر أسهل من ذلك!.
[ ٦٢ ]
فالصّيامُ جنّة وفعْل خير وعَمل بر لا لفضْل صَوم هذا الشهر، فإن قِيل: أليس هو استعمال خير؟ قيل له: استعمال الخير ينبغي أن يكونَ مشروعًا من الرسُول - ﷺ - فإذا علمنا أنه كذب خرج منَ المشروعيَّة، وإنما كانت تُعظمه مُضَرُ في الجاهلية كما قال أمير المؤمنين عُمَر بن الخطاب - ﵁ - وضَرب اْيدي الذين يصُومونه.
وكانَ ابن عباسِ حبْر القرآن يكره صيامَه، قال فقيه القيرَوان وَعالم اْهل زَمانه بالفروع أبو محمد بن أبي زيد: وَكره ابن عباسِ صيام رَجب كله خِيفةَ أن يرى الجاهل أنه مفْتَرض، وروي أيْضًا عن ابنَ عباسٍ أن النبي - ﷺ - نَهى عن صيام رَجب، حكاه عنه الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتاب "ذكر الحوادث والبدع" (١) له.
قالَ ذُو النسبَين أيدَهُ الله:
ولما وصَلْتُ إلى اْصْبَهَانَ ومنّ الله عليَّ بقراءة جميع "المعجم الكبير"، وهو سبْعون ألْفَ حديثِ، على موفق الدين الصّالح المسْنِد أبي جعْفر محمد بن أحمدَ الصيْدَلاني سبْط حُسَيْن بن مَنْدةَ في أصْل سَماعه على الشيخة الصالحة أُمّ الغَيْث
_________________
(١) الصفحة (١٣٣) من "كتاب الحوادث والبدع"، جزى الله مؤلفه كل خير على ما أبان من البدع الكثيرة.
[ ٦٣ ]
أم إبراهيم فاطمةَ بنْت عبد الله الجُوزدانِيّة، بحق سَماعِها لجميعه على الشيخ الفاضِل أبي بكر محمد بن عبد الله بن رَيْدةَ، بحق سَماعه لجميعه منْ شيْخ السنة الإمام أبي القاسم سليمان بن أحمدَ بن أيوبَ الطبراني: حدثنا مَسْعَدةُ بنُ سعيد الغطارُ فقال: حدثنا إبراهيمُ بن المنذر الحزامي قال: حدثنا داود بن عَطاءِ قال: حدثني زيد بن عبْد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن سليْمان بن علي بن عبد الله بن عباسِ، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله - ﷺ - نَهى عن صيام رجب كلهِ (١) .
وَهذا حَديث يروى عنْ أهل بيْت العباس بن عبد المطلب، إلا أن أبا عبد الرحمن عَبد الله ابن الإمَام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبلِ قال: سألتُ أبي عن داود بن عطاءِ فقال: شيخٌ من أهل المدينةِ قد رأيته ليْس حديثه بشيء، فإن قال بعض أهلِ الجدل: كيف يقطع على أنه لا يَصح فيه شيء؟ قيل له: حكم العلماءُ بذلك، إذْ لا تعرف صحة الحديث إلا بعدالةِ رُواته واتصال إسناده، فلولا الإسْناد لدرَس مَنارُ الإسْلام.
_________________
(١) واْخرجه ابن ماجه في "سننه": كما في "ضعيف سنن ابن ماجه" (٣٨٠) / (١٧٤٣): حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي به. وإسناده ضعيف كما بينه المصنف، وتبعه الحافظ ابن حجر في رسالته (ص ٣١) وذكر أن البيهقي رواه في "فضائل الأوقات" من هذا الوجه، وقال: رواه ابن عطاء وليس بالقوي.
[ ٦٤ ]