"لا فَرَع وَلا عتيرة".
وهذه أسانيدُ صحيحة لا مطعن فيها، وأن رسول الله ﷺ نهى المؤمنين عَنْ ذلك، وأكثر فُقهاءِ الفتوى يقولون بنسخه والنهي عنْه وهو الصواب لقوله - ﷺ -: "لا فرع وَلا عتيرة" لأنَّ "لا" تأتي نفْيًا ونهْيًا، وتأتي زائدة، وتأتي بمعنَى ما، فقوله - ﷺ -: "لا فَرَع ولا عتيرةَ" نفى لحقيقته لان النكرةَ في سياق النفي تعم، قاله جميع النحويين والأصوليين، فإذا قلت: لا رجل عنْدي، فهو نفي لكل رجل عمومًا، فقوله: "لا فَرَع ولا عتيرةَ" نفي لهما عمومًا (١) . وذكر اللُّغوي النحوي أبوُ عبد الله
_________________
(١) قلت: هذا صحيح، ولكن ما هي حقيقة الفرع والعتيرة؟ أما الأول، فهو أول النتاج كان ينتج لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم. والعتيرة ذبيحة في رجب كما جاء ذلك مفسرأ في بعض طرق حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب في "الصحيحين" و"المسند". فإذا ذبح المسلم ذبيحة أول النتاج لوجه الله تعالى، أو ذبح في رجب كما يذبح في غيره دون أن يخصها به، فلا مانع منه، بل قد جاءت أحاديث تدل على ذلك، من ذلك حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ سُئل عن الفرع؟ فقال: "حق" وسُئل عن العتيرة؟ فقال: "حق ". وفي حديث آخر: "اذبحوا لله ﷿ في أي شهر كان". والأول إسناده حسن،=
[ ٣٨ ]
محمد بن جعفر التميمي القزّازُ، أن الأصمعي صحف في قول الحارث:
عنَنًا باطلًا وظلمًا كما تُعْتَرُ عن حَجْرة الربيض الظباءُ.
فقال: تعنز أي كما تُطرد بالعنَزَة، فقيل له: صحّفْت إنما هي تعتر من العتيرة.
وكان الرجل في الجاهلية إذا نذر أن يذبح للصّنم شحَّ على غنمه فاصطاد الظباءَ فذبحها مكان مَا نذر، فتلك العتيرة فَتُعتر الظباءُ مكانها.
وحكى القاضي بمدينة إشبيلية كان أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العَربي في كتاب "القبس في شرح موَطأِ مالك بن أنس" في
_________________
(١) = والآخر صحيح على شرط الشيخين، وهما مع حديث أبي هُريرة قد خرجتها في "إرواء الغليل" (١١٦٦-١١٦٧) . وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" (٤/١٤٩): "وقد ورد الأمر بالعتيرة في أحاديث كثيرة، وصحح ابن المنذر منها حديثًا، وساق البيهقي منها جملة، والجمع بين هذا وبين حديث أبي هُريرة أن المراد الوجوب، أي لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة (!) قاله الشافعي ونُص في رواية حرملة أنهما إن تيسر كل شهر كان حسناَ. (ن) .
[ ٣٩ ]
كتاب الضحايا منه مَا هذا نَصّهُ: واستدل مَنْ نزع إلى الوجوب بما روى مسلم أن النبي - ﷺ - قال: "على أهْل كُل بيْت أضْحاة وعتيرة في كل عَام " والعتيرة هي المذبوحة في رجب. انتهى ما قال، والله يغفر له المقال، فَإنّه نسَب إلى "صحيح مسلم " ما ليْس هو فيه أصلًا كأنه مَا قرأَ "صحيح مسلم" وَلا رَواه ولا طالعَه، وَاللُّه يسامحنا وإياه.
وَهذا حديث لا يصح وَإنما ذكره الإمام أحمد في "مسنده " وَقد تقدمت قراءتي لجميعه فذكره من طريقيْن واهيين وترجم عليه في مجلده الذي فيه مسْند الكوفيين وَالبصريين: حبيب بن مِخْنَف قال: حدّثنا عند الرزاق قال: أخبرنا ابنُ جريج قال: أخبرني عبد الكريم، عن حبيب بن مخْنَف قال: انتهيتُ إلى النبي - ﷺ - يوم عَرفة وهو يقول: "هل تعْرفونها؟ " قال: فما أدري مَا رجعوا عليه. قال: فقال النبي - ﷺ -: "على كل أهل بيْت أن يذبحوا شاة في كل رجب، وكل أضْحى شاةً" ثم قال الإمام أحمد: حدّثنا مُعاذ بن مُعاذ قال: حدّثنا ابن عون قال: أنباني أبو رمْلَةَ عن مِخنَف بن سُليم قال: رُوح الغامدي قال: وَنخن وقوف مَعَ النبي ﷺ بعَرَفة فقال: "يا أيها الناسُ! إنَّ على
[ ٤٠ ]