وهذا حين ابتدائي وأقول -والله حسْبي ونعم الوكيل-: فأولُ من تكلم في التعديل والتجريح ونفْي السقيم من الصحيح الخليفة أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب الفاروق، وعلي بن أبي طالب المرتضى، وزيد بن ثابت، فإنهم قد جَرَّحوا وعدَّلوا وبَحثوا عن صحة الروايات وسقمها، ذكر ذلك الحاكم في النوع الثامن عشَر من "علوم الحديث "، وَقد ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" عن ابن عباس أيضًا مَا يدل على اعتنائه بالتعديل وَالتجريح.
وقد كان في آخر عصرهم جماعة من المفسدين الذين يريدون إفسادَ الشريعة على أهْل الدين، فبادروا إلى أنواع الفساد، تارةً في المتن وكرّةً في قلب الإسناد، لما لم يمكنهم تبديل كلمة من القرآن لحفظ الله ﷿ له -وقدْ بُدّلت الكتبُ قبله- فزادوا في حديث رسول الله - ﷺ - أحاديث موضوعة وأسانيد مصنوعة، الفقيه يقلد التعليق (١) ولا يعرف التحقيق،
_________________
(١) لا أذكر أني رأيت شرحًا لهذه الكلمة "التعليق" في مثل هذا السياق في شيء من الكتب، والذي يبدو لي من استعمالهم لها أنهم يعنون بها بعض الكتب الفقهية التي يورد مؤلفوها فيها شتى أحاديث=
[ ١٧ ]
كقولهم على رسول الله ﷺ:
"أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمن تستشفعونَ ".
وهو حديث لا يصح أصْلًا، ومن نسبه إلى رسول الله ﷺ فقد أظهر غباوةً وجهلًا. والمتعبد يتعب نفْسَه، ويوتم أولاده وَيَرْوي:
"من أخلص لله أربعين صباحاَ، ظهرت ينابيع الحكمة من
_________________
(١) = الأحكام بدون إسناد ولا تخريج، بل يعلقونها تعليقًا على نحو ما يفعل البخاري أحيانًا في "صحيحه". وقد قال ابن الجوزي في مقدمة كتابه "التحقيق في مسائل التعليق": "كان السبب في إثارة العزم لتصنيف هذا الكتاب أن جماعة من إخواني ومشايخي في الفقه كانوا يسألوني في زمن الصبا جمع أحاديث التعليق (#)، وبيان ما صح منها وما طعن فيه، وكنت أتوانى عن هذا لسببين: أحدهما: اشتغالي بالطلب. والثاني: ظني أن ما في التعاليق من ذلك يكفي، فلما نظرت في التعليق رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح، ويعرض عن الصحاح، ويقلد بعضهم بعضًا فيما ينقل ". (ن) . (#) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: مقصود ابن الجوزي هنا - والله أعلم - هو كتاب «التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة» الذي ألفه القاضي أبو يعلى الفراء (المتوفي ٤٥٨ هـ) وهو في ١١ مجلدا (كما وصفه ابن تيمية)، يذكر قول الحنابلة بالروايات عن أحمد وأصحابه، ثم قول من وافقهم ومن خالفهم، ثم يناقش أدلة الطرفين وينتصر لمذهب الإمام أحمد
[ ١٨ ]