عبْد الله أبا نُعيْم الحافظ الأصْبَهَاني فقال مَا هذا نصُّه: قال أبو بكر الخطيب- فيما حكاه ابن طاهِرٍ-: رأيت لأبي نُعيم أشياءَ يتسَاهل فيها مثل إنه يقُول في الإجازة: أخبرنا من غيْر أن يبيّن (١)،
_________________
(١) قال الذهبي في "الميزان": "قلت: هذا مذهب يراه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس". وقال في رسالته "الموقظة" (ق ٧٣/ ١- ٢) . "ومن التدليس أن يقول المحدث عن الشيخ الذي سمعه - في أماكن لم يسمعها: داقرئ على فلان أخبرك فلان" فربما فعل ذلك الدارقطني يقول: قرئ على أبي القاسم البغوي: أخبرك فلان. وقال أبو نعيم: قرئ على عبد الله بن جعفر بن فارس ثنا هارون بن سليمان. ومن ذلك: أخبرنا فلان من كتابه. رأيت ابن مسيب يفعل. وهذا لا ينبغي فإنه تدليس. والصواب قولك: في كتابه". قلت: ويظهر لي أن الخطيب يشير بالتساهل الذي رمى به أبا نعيم إلى مثل ما أخرجه في "تاريخ بغداد" قال (٨/ ٣٤٥- ٣٤٦): أخبرنا أبو نعيم الحافظ: أخبرنا جعفر الخلدي في كتابه قال: سألت خير النساج (هو خير بن عبد الله أبو الحسن الصوفي): اْكان النسج حرفتك؟ قال: لا، قلت: فمن أين سميت به؟ قال: كنت عاهدت الله تعالى أن لا آكل الرطب أبدًا، فغلبتني نفسي يومًا، فاخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة، إذا رجل نظر إليّ وقال: خير يا آبق، هربت مني؟! وكان له غلام هرب اسمه خير، فوقع علي شبهه وصورته! فاجتمع الناس، فقالوا: هذا والله غلامك خير! فبقيت متحيرًا، وعلمت بما أخذت، وعرفت جنايتي، فحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلمانه، فقالوا: يا عبد=
[ ٨٨ ]
فَسخَّمَ الله وجْهَ من يذكر مثل أبي نعيم الذي اشْتهرت عدالتُه
_________________
(١) = السوء تهرب من مولاك؟! ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل، وأمرني بنسج الكرباس، فدليت رجلي على أن أعمل وأخذت بيدي آلته، فكأني كنت أعمل من سنين، فبقيت معه شهرًا أنسج له، فقمت ليلة، فتمسحت وقمت إلى الصلاة الغداة، فسجدت وقلت في سجودي: إلهي لا أعود إلى ما فعلت، فأصبحت وإذا الشبه ذهب عني، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت فثبت عليّ هذا الاسم، فكان سبب النسج إتياني شهوة عاهدت الله أن لا آكلها، فعاقبني الله بما سمعت". وقال الخطيب عقبها: "قلت: جعفر الخلدي ثقة، وهذه الحكاية ظريفة جدًا، يسبق إلى القلب استحالتها، وقد كان الخلدي كتب إلى شيخنا أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه عنه، وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن ابن مقسم عن الخلدي ورواها لنا عن الخلدي نفسه إجازة، وكان ابن مقسم غير ثقة". قلت: فهذه الحكاية تؤكد تساهل أبي نعيم الذي رماه به الخطيب، ووصفه من أجل ذلك الذهبي بالتدليس، مما يجعل الباحث مضطرًا إلى أن يعامله معاملة المدلسين الذين لا يقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالتحديث أو السماع، ولكن تدليسه أدق وأخفى بحيث لا يقبل منه ما قال فيه (أخبرنا) لأنه يعني إجازة ولا يبينه. وراجع ما يؤيد هذا في كتاب "التنكيل " للعلاّمة عبد الرحمن اليماني المعلمي [١/١١٦-١١٧] . (ن) .
[ ٨٩ ]