بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رفعَ لحديث محمّد المصْطفى عبْده ورَسُوله لواءً منشورًا، وأطْلَع على الأبْصار والبصَائر من معْجزاته أهِلَّة مُشرقةً وبدُورًا، وجعل عَاقبةَ أهل الصِّدْق عُلوًّاَ دائمًا وظهورًا، وَعَمَر بتصانيفهم عَينًا قريرةً وقلبًا مسرورًا، وَوضعَ لهمْ في رقاب الكذابين سْيفًا في ذات الله ناصرًا منصورًا، وَأبانَ بِشفَارِ الدِّين قومًا كانوا بالضلالة بُورًا (١)، وَرَدَّ ناكصًا على عَقِبيه من سوَّلَ لَه الشيطانُ الكَذِبَ عَليه بما يَعِده، وما يَعِدُه الشيْطانُ إلّا غُرورًا.
والصَّلاة على سَيدِ وَلد آدم محمّدٍ رسوله الكريم، ذي الخُلُق العَظِيم، وَالشرفِ الصَّميم (٢)، الذي غَدا به دَمُ الشركِ مهْدُورًا، ودَابِرُهُ مقطوعًا مَبْتورًا، فَهدمَ من الباطِلِ سَقفًا مرفوعًا وبَيْتًا معمُورًا.
_________________
(١) البوَار: الهلاك، وبار الشيء يبُور بَوْارًا إذا هلك. والرجُل بورٌ أي هالك. وفي التنزيل (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) [الفتح: ١٢] .
(٢) صميم الشيء: خالصه. مختار الصحاح مادة: صمم.
[ ١٣ ]
وعلى آلهِ وأصْحابِه الّذين غَدا بهم حزبُ الشريعَةِ مَوْفورًا، وجمْعُ الشرك مغلُوبًا مَقهوراَ، فهم خيْر الناسِ وَخيْر القرونِ، وَكِلا الخيريْن لهُم خيْرٌ مَقْرون، قارَعُوا دُونَ رسول الله - ﷺ - البُهَم (١)، وَبايعُوه عَلى الموتِ الأحَمْر (٢)، فصَدَقوا البَيْع وَوَفّوا الذممَ، وَلم يَقولوا: اذهبْ أنْتَ ورَبك فَقَاتلا كما قال منْ تقدّم، فكانوا خُلَفَاءَ الخلْقِ وَفَتحةَ الغَرب والشرق، وَقد نَطقَ بِفضْلهم القُرآنُ (٣)، وقامَ الدَّليل القاطعُ على عَدَالتِهم وَالبُرْهان، وهُم الذينَ أمَرهم بالتبليغ عَنه ففَعَلوا ذَلِكَ مُحْتسبين نَاصِحين حتى كمُل بما نقلوه الذين وثَبَتتْ حجّة الله على جَميع المسْلِمين، وَقد أخْبَرنا الله ﷻ أنّه رضي عَنهم، وأنْزل السَّكيْنةَ عليْهم، فَقدْ صحّتْ لهم العِصْمةُ مِن
_________________
(١) البُهم: جمع بُهْمَة، وهو الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه، قاله أبو عبيد.
(٢) يُقالُ احمرَّ البأسُ: أي اشتد.
(٣) بمثل قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) [الفتح: ٢٩]، وغيرها من الآيات الكريمة.
[ ١٤ ]