فأَوَّلُها المسْنَد:
بنقْل العَدل عَن العَدل إلى رسول الله - ﷺ -، ومثاله: مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. وَمالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمَر، عن أبيه، عن النبى ﷺ. ومالك عن يحى بن سعيد، عَن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ، عن النبي - ﷺ -. وَعبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي، عن يحى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ. وما كان مثل هذا فهو مسند صحيح. ومَعنَى المسْنَد:
الذي أسندَه واحدٌ بعْد آخر إلى رسول الله ﷺ أي رَفَعه، إذ المسند المرتفع مِنْ أسْنَد في الجبل إذا صَعِد عليه، أو من أسنَدَه أمْرَه إذا لجأ إليه فيه، وعلى حكم الرباعي ثَبت في "الصحيحين" يقال: أسْنَد واسْتنَد واستسْنَدَ، وَهو ما ارتفع من الأرض، وَقد جاءَ سَنَدَ في الجبل على حكم الثلاثي ذكره ابن قتيبة وأبو علي القالي، فالمسند مَا لم يُخَل فيه بذكر واحد مِن رُواته، وسَنَد الحديث رُواته وهو إسناده أيضًا، فَكأن الثقَة الذي أسْند عن العدول وَاستنَد إليهم قد استند إلى جبالٍ لا تزولُ ولا تزلزل، فالمسند هو الذي عليه المعتمد، وتكون فيه
[ ٨٣ ]
الإجَازةُ والمكاتبة دون أن يسْمع ذلك من شيخه إلا أنه كتبَ بها إليه، فجائز أن يسندها عنه، وقد ثبت من ذلك كثير جدًا، أخرج الإمام أحمدُ، وأبو بكر ابن أبي شيبة وأخوه عثمان، ومن تقدمَ من المصنفين وَتأخّر، منهُم: البخاري، ومُسْلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسوي، من طُرق عن موسى بن عقبةَ، عن سالم أبي النضر مولى عُمر بن عبيد الله- وكانَ كاتبًا له- قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حِين خرج إلى الحَروريَّة (١) فقرأته فإذا فيه أن النبي - ﷺ - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالَتِ الشمس ثمَّ قامَ في الناس فقال: "يا أيها الناسُ لا تتمنّوا لقاءَ العَدُؤ واسألوا الله العافيةَ " الحديث إلى آخره.
وحدثني حافظ أهل زمَانه الفقيه العالم الإمام أبو بكر محمد ابن عبد الله بن الجدّ الفهْري في منزله بإشبيليَّة سنة اثنين وسبعين وخمسمائة: قال لنا الشيخ الفقيه المفْتي أبو محمد عبد الرحمن
_________________
(١) بفتح الحاء وضم الراء طائفة من الخوارج، ينسبون إلى (حروراء) وهي موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج بها، فنسبوا إليها، ومنهم عمران بن حطان، ومنهم عبد الرحمن بن ملجم المُرادي، عليه وعلى قتلة عمر، وعثمان، والحسين من الله ما هم له أهل، لما فتحوا من أبواب الفتن.
[ ٨٤ ]