والآباء الأصل فيهم-بحسب الفطرة التي فطرهم الله عليها-ينأَون عن ظلْم بناتهم في شيءٍ من أمور الدنيا أو سِواها، بل الأصل أنهم يَبذلون مِن عندهم لبناتهم، فضلًا عن أَن يتعدَّوا على بنيَّاتهم وفلذات أَكبادهم.
لكن بعض الآباء قد خرجوا عن هذا الأصل، ومَشَوا على غير أصلٍ ولا فرْعٍ صحيح؛ وذلك حينما تَنَكّبوا عن هذه الفطرة التي فَطر الله عليها عباده، وتجاوزوا الأخلاق الواجبة شرعًا على الآباء تجاه الذريّة، لا سيّما البنات، اللاتي هن أَولى بالرعاية، والعطف، والمعروف.
لقد تحوّلت عاطفة الأُبوّة والمودّة والرحمة تجاه البنيّات إلى العواطف المادّية الجائرة، التي لا تَعْرف صِلةً ولا قرابةً، ولا أُبوّةً ولا بنوّة، ولا شفقةً على مسكين أو ضعيف، ولا تَوَرُّعًا عن حرامٍ-فضلًا عن شبهةٍ-فأَصبح هؤلاء لا يُفكِّرون إلا في مختلف الطرق التي يستولون بها على أموال
[ ٣٤ ]
بناتهم-أو أَولادهم-فوجدوا، أَو أَوجدوا طرقًا كثيرةً للوصول إلى مبتغاهم!.
ومِن طُرُقهم وأساليبهم ما يلي:
- تأخير زواج ابنته لكي تبقى عنده فيستولي على راتبها الشهري لقاء وظيفتها.
- إيذاء زوج ابنته؛ ليضطرّه إلى الطلاق، أو إلجائه إلى الطلاق ببعض الحجج المفتعلة؛ ليأخذ ابنته مِن زوجها. كلُّ ذلك حرصًا على راتبها. وما كنت لأُصّدِّق بمثل هذا أن يَحْصل مِن أبٍ لولا أنني علمتُ ببعض الوقائع مِن هذا القبيل!. على أنّ هذه الشاكلة في الآباء قليلة، إن شاء الله تعالى، لكنها ظاهرةٌ خطيرةٌ تستدعي النظر والعناية بالحلول الحائلة دون تنامي مثل هذه الظاهرة في مجتمعات المسلمين.
- الاحتجاج ببعض المعاذير والحجج التي يُصوِّرونها أَدلةً شرعية لهم في هذا التصرف الظالم، ومِن ذلك
[ ٣٥ ]
الاحتجاج بمثلِ حديث: أنت ومالك لأبيك١.
مع أن الحديث-إنْ حُكِم بثبوته٢ عن رسول الله ﷺلا يُقرّر قاعدةً للناس عامةً، وإنما هو حُكْمٌ في حادثةٍ بعينها؛ إنها كانت واقعةً رفَعَها إليه المخاطَبُ بقوله: "أنت ومالك لأبيك". والوقائع تختلف ظروفها وأسبابها اختلافًا يقتضي اختلافها في الأحكام.
وحتى لو قيل بجواز أخْذ الوالد مِن مال ابنه؛ فإنّ مال البنت أقرب إلى أن يُتَورَّع عنه؛ لضعفها ومغايرتها عن الرجل.
وحتى لو قيل بجواز أخْذ الوالد مِن مال ابنه؛ فإنّ هذا أيضًا ليس معناه إهدار النظر إلى الظروف والأحوال، واختلافها، ووجوب التورّع عن الشبهات، والبعد عن المحرّمات.
_________________
(١) ١ ابن ماجه، ٢٢٩١و ٢٢٩٢. التجارات، وأحمد، ٦٨٦٣. وسنده عند أحمد فيه كذّاب. ٢ الرواية فيها مجالٌ للنظر والاجتهاد الذي يَجعلها مترددةً بين الحُسْنِ والضعف. ولم أستقصِ البحث فيها.
[ ٣٦ ]
وأنّ ذلك-أيضًا-ليس معناه إباحة الظلم والاعتساف مِن الوالد؛ لأنه والد!.
وكيف يُتصوَّر أَن يبيح الله تعالى للوالد ظلْمَ ولده-سواء كان ابنًا أو بنتًا-مع أن الله سبحانه قد حرَّم الظلم على نفسه، وجعله محرَّمًا بيننا، كما جاء في الحديث القدسيّ: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا " ١.
وأين رعاية مقاصد الشريعة وقواعدها العامّة، التي لا تُجيز هذا النوع مِن التعامل الأنانيّ الظالم!.
إنه ليس لأحدٍ مِن الناس أن يَظلم أحدًا، مهما كانت قرابته أو بُعده، ومهما كانت ولايته، سواءٌ كان أبًا، أو زوجًا، أو أخًا، أو عمًّا أو خالًا، أو وكيلًا أو سِواهم.
ومَن استباح لنفسه شيئًا مِن الظلم محتجًّا بشرْع الله فقد كَذب على الله، وإنما حسابه عند ربه الذي إليه
_________________
(١) ١ مسلم، ٢٥٧٧، البر والصلة والآداب.
[ ٣٧ ]
تصير الأمور.
ولئِن ظَفِر الظالم اليوم بشيءٍ مِن مظلومِهِ؛ فلْيَعْلم أنه اليوم في قبضة الله وحكمه، وغدًا سيظفر به خصمه بين يدي الله يوم القيامة، ﴿َوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١.
وماذا يَنفع اللئم إذا قَدِم على ربه بقلبٍ غير سليم، وسلوكٍ ذميم، وظُلْمٍ للعيال والحريم، وتَعَدٍّ على مقام الرَّحِم الكريم!.
وهل في الدنيا ومتاعها الزائل عِوَضٌ عن الله ورضوانه وما عنده مِن نعيمٍ مقيم، وجنّةٍ عَرْضُها السماوات والأرض أُعِدَّت للمتقين؟!.
نسأله تعالى هدايةً وتوفيقًا لطاعته، وبُعْدًا عن معاصيه وسخطه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
_________________
(١) ١ ٨٨-٨٩: الشعراء: ٢٦.
[ ٣٨ ]