٣ -
لَا تجوز الْإِقَامَة إِلَّا فِي حَالَة الْعَجز عَن الْهِجْرَة بِكُل وَجه الْأَدِلَّة من الْقُرْآن الْكَرِيم
وَلَا يسْقط هَذِه الْهِجْرَة الْوَاجِبَة على هَؤُلَاءِ الَّذين استولى الطاغية لعنة الله تَعَالَى على معاقلهم وبلادهم إِلَّا تصور الْعَجز عَنْهَا بِكُل وَجه وَحَال لَا الوطن وَالْمَال فَإِن ذَلِك كُله ملغى فِي نظر الشَّرْع (٨٤ ب) قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا﴾ فَهَذَا الإستضعاف المعفو عَمَّن اتّصف بِهِ غير الاستضعاف المعتذر بِهِ فِي أول الْآيَة وصدرها وَهُوَ قَول الظالمي أنفسهم ﴿كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض﴾ فَإِن الله تَعَالَى لم يقبل قَوْلهم فِي الِاعْتِذَار بِهِ فَدلَّ على أَنهم كَانُوا قَادِرين على الْهِجْرَة من وَجه مَا وَعَفا عَن الاستضعاف الَّذِي لَا يُسْتَطَاع مَعَه حِيلَة وَلَا يهتدى بِهِ سَبِيل بقوله ﴿فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم﴾ عَسى من الله واجبه فالمستضعف المعاقب فِي صدر الْآيَة هُوَ الْقَادِر من وَجه والمستضعف المعفو عَنهُ فِي عجزها هُوَ الْعَاجِز من كل وَجه فَإِذا عجز الْمُبْتَلى بِهَذِهِ الْإِقَامَة عَن الْفِرَار بِدِينِهِ وَلم يسْتَطع سَبِيلا إِلَيْهِ وَلَا ظَهرت لَهُ حِيلَة
[ ٢٦ ]
وَلَا قدرَة عَلَيْهِ بِوَجْه وَلَا حَال وَكَانَ بِمَثَابَة المقعد أَو المأسور أَو كَانَ مَرِيضا جدا أَو ضَعِيفا جدا فَحِينَئِذٍ يُرْجَى لَهُ الْعَفو وَيصير بِمَثَابَة الْمُكْره على التَّلَفُّظ بالْكفْر وَمَعَ هَذَا لَا بُد أَن تكون لَهُ نِيَّة قَائِمَة أَنه لَو قدر وَتمكن لهاجر وعزم صَادِق مستصحب أَنه إِن ظفر بمكنة وقتا مَا فيهاجر وَأما المستطيع بِأَيّ وَجه كَانَ وَبِأَيِّ حِيلَة تمكنت فَهُوَ غير مَعْذُور وظالم لنَفسِهِ إِن أَقَامَ حَسْبَمَا تضمنته الْآيَات وَالْأَحَادِيث الواردات قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة ويحذركم الله نَفسه وَإِلَى الله الْمصير﴾
[ ٢٧ ]
(٨٥ أ) وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فتمسكم النَّار وَمَا لكم من دون الله من أَوْلِيَاء ثمَّ لَا تنْصرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بشر الْمُنَافِقين بِأَن لَهُم عذَابا أَلِيمًا الَّذين يتخذون الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ أيبتغون عِنْدهم الْعِزَّة فَإِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ) وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض قَالُوا ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى
[ ٢٨ ]
﴿ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا أنزل إِلَيْهِ مَا اتخذوهم أَوْلِيَاء وَلَكِن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ والظالمون أنفسهم فِي هَذِه الْآيَة السَّابِقَة إِنَّمَا هم التاركون لِلْهِجْرَةِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا حَسْبَمَا تضمنه قَوْله تَعَالَى ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾ فظلمهم أنفسهم إِنَّمَا كَانَ بِتَرْكِهَا وَهِي الْإِقَامَة مَعَ الْكفَّار وتكثير سوادهم وَقَوله ﴿تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة﴾ فِيهِ تَنْبِيه على أَن الموبخ على ذَلِك والمعاقب عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ من مَاتَ مصرا على هَذِه الْإِقَامَة (٨٥ ب) وَأما من تَابَ عَن ذَلِك وَهَاجَر وأدركه الْمَوْت وَلَو بِالطَّرِيقِ فتوفاه الْملك خَارِجا عَنْهُم فيرجى قبُول تَوْبَته أَلا يَمُوت ظَالِما لنَفسِهِ وَيدل ذَلِك ايضا على قَول الله تَعَالَى ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ فَهَذِهِ الْآي القرآنية كلهَا أَو أَكْثَرهَا مَا سوى قَوْله ﴿ترى كثيرا مِنْهُم﴾ إِلَى آخرهَا نُصُوص فِي تَحْرِيم الْمُوَالَاة الكفرانية وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ فَمَا أبقت مُتَعَلقا إِلَى التطرق لهَذَا التَّحْرِيم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾
[ ٢٩ ]
٤ -
من أجَاز هَذِه الْإِقَامَة مارق من الدّين ومفارق لجَماعَة الْمُسلمين
وتكرار الْآيَات فِي هَذَا الْمَعْنى وجريها على نسق ووتيرة وَاحِدَة مُؤَكد للتَّحْرِيم وَرَافِع للاحتمال المتطرق إِلَيْهِ فَإِن الْمَعْنى إِذا نَص عَلَيْهِ وأكد بالتكرار فقد ارْتَفع الِاحْتِمَال لَا شكّ فتتعاضد هَذِه النُّصُوص القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة والاجماعات القطعية على هَذَا النَّهْي فَلَا تَجِد فِي تَحْرِيم هَذِه الْإِقَامَة وَهَذِه الْمُوَالَاة الكفرانية مُخَالفا من أهل الْقبْلَة المتمسكين بِالْكتاب الْعَزِيز الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد فَهُوَ تَحْرِيم مَقْطُوع بِهِ من الدّين كتحريم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وأخواته من الكليات الْخمس الَّتِي أطبق أَرْبَاب الْملَل والأديان على تَحْرِيمهَا وَمن خَالف الْآن فِي ذَلِك أَو رام الْخلاف من المقيمين مَعَهم والراكنين إِلَيْهِم فجوز هَذِه الْإِقَامَة واستخف أمرهَا واستسهل حكمهَا فَهُوَ مارق من الدّين ومفارق لجَماعَة الْمُسلمين ومحجوج بِمَا لَا مدفع فِيهِ لمُسلم ومسبوق بالاجماع الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى مُخَالفَته وخرق سَبيله