الْحَمد لله تَعَالَى وَهَذَا الْجَواب وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق بفضله
إِن إلهنا الْوَاحِد القهار قد جعل الخزية وَالصغَار فِي أَعْنَاق ملاعين الْكفَّار سلاسل وأغلالا يطوفون بهَا فِي الأقطار وَفِي أُمَّهَات المداين والأمصار إِظْهَارًا لعزة الْإِسْلَام وَشرف نبيه الْمُخْتَار فَمن حاول من الْمُسلمين عصمهم الله ووقرهم انقلاب تِلْكَ السلَاسِل والأغلال فِي عُنُقه فقد حاد الله وَرَسُوله
[ ٥٨ ]
وَعرض بِنَفسِهِ إِلَى سخط الْعَزِيز الْجَبَّار وحقيق أَن يكبكبه الله مَعَهم فِي النَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إِن الله قوي عَزِيز﴾ فَالْوَاجِب على كل مُؤمن يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر السَّعْي فِي حفظ رَأس الْإِيمَان بالبعد والفرار عَن مساكنة أَعدَاء حبيب الرَّحْمَن والاعتلال بِإِقَامَة الْفَاضِل الْمَذْكُور بِمَا عرض من غَرَض التَّرْجَمَة بَين الطاغية وَأهل ذمَّته من الدجن العصاه لَا يخلص من وَاجِب الْهِجْرَة وَلَا يتَوَهَّم مُعَارضَة مَا سطر فِي السُّؤَال من الْأَوْصَاف الطردية لحكمها الْوَاجِب إِلَّا متجاهل أَو جَاهِل معكوس الْفطْرَة لَيْسَ مَعَه من مدارك الشَّرْع خَبره لِأَن مساكنة الْكفَّار من غير أهل الذِّمَّة وَالصغَار لَا تجوز وَلَا تُبَاح سَاعَة من نَهَار لما تنتجه من الأدناس والأوضار والمفاسد الدِّينِيَّة والدنيوية طول الْأَعْمَار مِنْهَا أَن غَرَض الشَّرْع ان تكون كلمة الْإِسْلَام وَشَهَادَة الْحق قَائِمَة على ظُهُورهَا عالية على غَيرهَا منزهة عَن الازدراء بهَا وَمن ظُهُور شَعَائِر الْكفْر عَلَيْهَا ومساكنتهم تَحت الذل وَالصغَار تَقْتَضِي وَلَا بُد أَن تكون هَذِه الْكَلِمَة الشَّرِيفَة الْعَالِيَة المنيفة سافلة لَا عالية ومزدرى بهَا لَا منزهة وحسبك بِهَذِهِ الْمُخَالفَة للقواعد الشَّرْعِيَّة وَالْأُصُول وبمن يتحملها ويصبر عَلَيْهَا مُدَّة عمره من غير ضَرُورَة وَلَا إِكْرَاه
٣٥ -
الْإِقَامَة فِي حكم النَّصَارَى تحول دون كَمَال الصَّلَاة
وَمِنْهَا أَن كَمَال الصَّلَاة الَّتِي تتلو الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْفضل والتعظيم الإعلان والظهور لَا يكون وَلَا يتَصَوَّر إِلَّا بِكَمَال الظُّهُور والعلو والنزاهة من الازدراء والاحتقار فِي مساكنة الْكفَّار وملابسة الْفجار تعريضها للاضاعة والازدراء
[ ٥٩ ]
والهزء واللعب قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ وحسبك بِهَذِهِ الْمُخَالفَة أَيْضا
٣٦ -
وتعطل الزَّكَاة
وَمِنْهَا إيتَاء الزَّكَاة وَلَا يخفى على ذِي بَصِيرَة وسريرة مستنيرة أَن إِخْرَاج الزَّكَاة (١٠٨) للْإِمَام من أَرْكَان الْإِسْلَام وشعائر الْأَنَام وَحَيْثُ لَا إِمَام فَلَا إِخْرَاج لعدم شَرطهَا فَلَا زَكَاة لفقد مستحقها فَهَذَا ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام منهد بِهَذِهِ الْمُوَالَاة الكفرية وَأما إخْرَاجهَا لمن يَسْتَعِين بهَا على الْمُسلمين فَلَا يخفى أَيْضا مَا فِيهِ من المناقضة للمتعبدات الشَّرْعِيَّة كلهَا
٣٧ -
وتعطل الصّيام
وَمِنْهَا صِيَام رَمَضَان وَلَا يخفى أَنه فرض على الْأَعْيَان وَزَكَاة الْأَبدَان وَهُوَ مَشْرُوط بِرُؤْيَة الْهلَال ابْتِدَاء وانقضاء وَفِي أَكثر الْأَحْوَال إِنَّمَا تثبت الرُّؤْيَة بِالشَّهَادَةِ وَالشَّهَادَة لَا تُؤَدّى إِلَّا عِنْد الْأَئِمَّة وخلفايهم وَحَيْثُ لَا إِمَام وَلَا خَليفَة وَلَا شَهَادَة الشَّهْر إِذْ ذَاك مَشْكُوك الأول وَالْآخر فِي الْعَمَل الشَّرْعِيّ
٣٨ -
وتحول دون الْحَج
وَمِنْهَا حج الْبَيْت وَالْحج وَإِن كَانَ سَاقِطا عَنْهُم لعدم الِاسْتِطَاعَة لِأَنَّهَا موكولة إِلَيْهِم
[ ٦٠ ]
٣٩ -
وتمنع من الْجِهَاد
(وَمِنْهَا الْجِهَاد) فالجهاد لإعلاء كلمة الْحق ومحو الْكفْر من قَوَاعِد الْأَعْمَال الإسلامية وَهُوَ فرض على الْكِفَايَة وَعند مَسِيس الْحَاجة وَلَا سِيمَا بمواضع هَذِه الْإِقَامَة الْمَسْئُول عَنْهَا وَمَا يجاورها ثمَّ هم إِمَّا تاركوه من غير ضَرُورَة مَانِعَة مِنْهُ على الْإِطْلَاق فهم كالعازم على تَركه من غير ضَرُورَة والعازم على التّرْك من غير ضَرُورَة كالتارك قصدا مُخْتَارًا وَإِمَّا مقتحمون نقيضه بمعونة أَوْلِيَائِهِمْ على الْمُسلمين إِمَّا بالنفوس وَإِمَّا بالأموال فيصيرون حربيين مَعَ الْمُشْركين وحسبك بِهَذِهِ مناقضة وضلالة
٤٠ -
هَذِه الْإِقَامَة تضع من أَمر الْإِسْلَام وَتعرض للاستغراق فِي مُشَاهدَة الْمُنْكَرَات
وَقد اتَّضَح بِهَذَا التَّقْرِير نقص صلَاتهم وصيامهم وزكاتهم وجهادهم وإخلالهم بإعلاء كلمة الله وَشَهَادَة الْحق وإهمالهم لاجلالها وتعظيمها وتنزيهها عَن إزدراء الْكفَّار وتلاعب الْفجار فَكيف يتَوَقَّف متشرع أَو يشك متورع فِي تَحْرِيم هَذِه الْإِقَامَة مَعَ استصحابها لمُخَالفَة جَمِيع هَذِه الْقَوَاعِد الإسلامية الشَّرِيفَة الجليلة مَعَ مَا يَنْضَم إِلَيْهَا ويقترن بِهَذِهِ المساكنة المقهورة مِمَّا لَا يَنْفَكّ عَنْهَا غَالِبا من التنقيص الدنياوي وَتحمل المذلة والمهانة وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُخَالف لمعهود
[ ٦١ ]
عزة الْمُسلمين ورفعة أقدارهم وداع إِلَى احتقار الدّين واهتضامه وَهُوَ أَي مَا يَنْضَم إِلَى مَا تقدم أُمُور أَيْضا تصطك مِنْهَا المسامع مِنْهَا الإذلال والاحتقار والإهانة وَقد قَالَ ﵇
(لَا يَنْبَغِي لمُسلم أَن يذل نَفسه) وَقَالَ
(الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى)
وَمِنْهَا الازدراء والاستهزاء وَلَا يتحملها ذُو مُرُوءَة فاضلة من غير ضَرُورَة وَمِنْهَا السب والأذية فِي الْعرض وَرُبمَا كَانَت فِي الْبدن وَالْمَال وَلَا يخفى (مَا) فِيهِ من جِهَة السّنة والمروءة
وَمِنْهَا الِاسْتِغْرَاق فِي مُشَاهدَة الْمُنْكَرَات والتعرض لملابسة النَّجَاسَات وَأكل الْمُحرمَات والمتشابهات
٤١ -
الْخَوْف من نقض النَّصَارَى لعهودهم
وَمِنْهَا (١٠٩) مَا يتَوَقَّع مخوفا فِي هَذِه الْإِقَامَة وَهُوَ أُمُور أَيْضا مِنْهَا نقض الْعَهْد من الْملك والتسلط على النَّفس والأهل وَالْولد وَالْمَال وَقد رُوِيَ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز نهى عَن الْإِقَامَة بِجَزِيرَة الأندلس مَعَ أَنَّهَا كَانَت فِي ذَلِك الْوَقْت رِبَاطًا لَا يجهل فَضله وَمَعَ مَا كَانَ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ من الْعِزَّة والظهور ووفور الْعدَد وَالْعدَد لَكِن مَعَ ذَلِك نهى عَنهُ خَليفَة الْوَقْت الْمُتَّفق على فَضله وَدينه وصلاحه ونصيحته لرعيته خوف التَّعْزِير فَكيف بِمن ألْقى
[ ٦٢ ]
نَفسه وَأَهله وَأَوْلَاده بِأَيْدِيهِم عِنْد قوتهم وظهورهم وَكَثْرَة عَددهمْ ووفور عَددهمْ اعْتِمَادًا على وفائهم بعهدهم فِي شريعتهم وَنحن لَا نقبل شَهَادَتهم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِم فضلا عَن قبُولهَا بِالْإِضَافَة إِلَيْنَا وَكَيف نعتمد على زعمهم بِالْوَفَاءِ مَعَ مَا وَقع من هَذَا التوقع وَمَعَ مَا يشْهد لَهُ من الوقائع عِنْد من بحث واستقرأ الْأَخْبَار فِي معمور الأقطار