من فاته جزء من الصلاة هل يدخل مع الإمام
أو ينتظر جماعة أخرى؟
اختلف الفقهاء - ﵏ - فيمن سبق ببعض الصلاة هل الأفضل أن يدخل مع الإمام أو ينتظر جماعة أخرى يصلي معهم جميع الصلاة؟ ولهم في ذلك أربعة أقوال:
القول الأول: يجب الدخول مع الجماعة الأولى ومتابعة الإمام حتى ولولم يدرك ما تدرك به الجماعة بأن أدركه في السجود الأخير أو التشهد، وهذا رأي المالكية (١)، واستثنوا من كان معيدًا لفضل الجماعة فلا يؤمر بالدخول.
وقال الأجهوري (٢): «من لم يدرك ركعة خير بين أن يبني على إحرامه فذًا أو يقطع ويدرك جماعة أخرى إن رجاها فإن لم يرجها فإنه يبني على إحرامه فذًا اتفاقًا» (٣) .
القول الثاني: أن من أمكنه إدراك بعض جماعة ورجا إقامة جماعة أخرى فانتظار الثانية أفضل ليحصل له كمال فضيلة الجماعة تامة، وهذا قول الشافعية.
_________________
(١) ينظر: الخرشي ٢/١٣٤.
(٢) هو: علي بن زين العابدين بن محمد بن زين العابدين بن عبد الرحمن، الأجهوري، شيخ المالكية في عصره، أخذ عن أعلام منهم البدر القرافي، وعثمان القرافي، وأخذ عنه جماعة منهم عبد الباقي الزرقاني وابنه محمد، توفي سنة ١٠٦٦؟ وكانت ولادته سنة ٩٦٧؟. انظر: شجرة النور ص ٣٠٣ وما بعدها.
(٣) حاشية العدوي بهامش الخرشي ٢/١٣٤.
[ ٣٧٥ ]
قال في نهاية المحتاج: «والأوجه أن محله عند أمن فوت فضيلة أول الوقت، أو وقت الاختيار ولو في حالة التيقن وإلاَّ فعلها معهم» .
قال الشيخ الشبراملسي (١): «وظاهر قوله: ولو أمكنه إدراك بعض جماعة إلخ. ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين إدراك إمام الأولى بعد ركوع الركعة الثانية وبين إدراكه قبله كأن أدركه في الركعة الثانية أو الثالثة ولا فرق بين كون الجماعة الأولى أكثر أولا» .
وقال: «وعبارة شيخنا الزيادي: ويسن لجمع حضروا والإمام قد فرغ من الركوع الأخير أن يصبروا إلى أن يسلم الإمام ثم يحرموا ما لم يضق الوقت وإن خرج بالتأخير وقت الاختيار على الأوجه.
وكذا لو سبق ببعض الصلاة ورجا جماعة يدرك معهم الكل: أي إن غلب على ظنه وجودهم وكانوا مساوين لهذه الجماعة في جميع ما مر فمتى كان في هذه شيء مِمَّا يقدم به الجمع القليل كانت أولى» (٢) .
وفي مغني المحتاج: «فرع: دخل جماعة المسجد والإمام في التشهد الأخير، فعند القاضي حسين (٣) يستحب لهم الإقتداء به، ولا يؤخرون الصلاة جماعة ثانية، وجزم المتولي بخلافه وكلام القاضي في موضع آخر يوافقه وهو المعتمد بل الأفضل للشخص إذا سبق ببعض الصلاة في الجماعة ورجا جماعة أخرى يدرك
_________________
(١) هو: علي بن علي بن الشبراملسي، أبو الضياء، نور الدين، فقيه شافعي مصري من أهل شبراملس بالغربية بمصر، تعلم بالأزهر وعلم فيه، له حاشية على نهاية المحتاج مطبوع معه، توفي سنة ١٠٨٧؟، وكانت ولادته سنة ٩٩٧؟. انظر: الأعلام للزركلي ٤/٣١٤.
(٢) حاشية الشبراملي مع نهاية المحتاج ٢/١٤٥.
(٣) هو: حسين بن محمد بن أحمد المرورَّوذي، من خراسان، فقيه شافعي، له التعليقة في الفقه، توفي سنة ٤٦٢؟. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/٢٤٤ وما بعدها.
[ ٣٧٦ ]
معها الصلاة جميعها في الوقت التأخير ليدركها بتمامها معها، وهذا إذا اقتصر على صلاة واحدة وإلاَّ فالأفضل له أن يصليها مع هؤلاء ثم يعيدها مع الآخرين» (١) .
القول الثالث: بناء المسألة على الخلاف فيما تدرك به الجماعة فعلى القول بأنها لا تدرك إلاَّ بركعة فإن كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة، فهذا أفضل فإن هذا يكون مصليًا في جماعة بخلاف الأول، وإن كان المدرك ركعة أو كان أقل، وقلنا إنه يكون مدركًا للجماعة، فهذا قد تعارض إدراكه لهذه الجماعة وإدراكه للثانية من أولها فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل كما جاء في إدراكها بحدها، فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية من أولها أفضل وإن تميزت الأولى بكمال الفضيلة، أو كثرة الجمع، أو فضل الإمام، أو كونها الراتبة فهي في هذه الجهة أفضل وتلك من جهة إدراكها بحدها أفضل، وقد يترجح هذا تارة وهذا تارة، وأمَّا إن قدر أن الثانية أكمل أفعالًا وإمامًا أو جماعة فهنا قد ترجحت من وجه آخر.
وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ (٢) .
ونقل عنه في الفروع: إن تساوت الجماعتان فالثانية من أولها أفضل (٣) .
القول الرابع: إن أدرك جماعةٌ الإمام في التشهد الأخير فدخولهم معه أفضل وإن صلوا جماعة وحدهم فلا حرج، وبهذا أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة (٤) .
_________________
(١) مغني المحتاج ١/٢٣١ وما بعدها.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/٢٥٥ وما بعدها، والفروع ١/٥٨٧.
(٣) الفروع ١/٥٨٧.
(٤) فتاوى مهمة ٧٦.
[ ٣٧٧ ]
واستدل بعموم قول النبي ﷺ: " إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " متفق عليه (١) .
وهذا هو الراجح في نظري - والله أعلم - لأن لفظ الحديث عام في حق كل من أتى المسجد وقد فاته بعض الصلاة وهو أيضًا لم يفرق بين أن تكون الثانية أفضل أو الأولى، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار ١/١٥٦، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة حديث (٦٠٢) و(٦٠٣) .
[ ٣٧٨ ]