وصورة ذلك: أن يدخل في الصف بعد السجود أو يأتي آخر ويصافه فهل تصح صلاته أو لا؟ لقد اختلف الفقهاء - ﵏ - في ذلك على قولين:
القول الأول: أن ركعته تلك لا تصح، وهو قول الحنابلة، ولا نزاع عندهم في ذلك يقول الزركشي (١): «وإن لم يدخل مع الإمام في الصف حتى
_________________
(١) هو: شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري الحنبلي، كان إمامًا في المذهب، له تصانيف مفيدة أشهرها: شرح الخرقي، توفي سنة ٧٧٢؟. ينظر: شذرات الذهب ٦/٢٢٤.
[ ٣٥٤ ]
سجد لم تصح تلك الركعة بلا نزاع» (١) ويظهر لي من قوله بلا نزاع: أن المراد أن لا نزاع في المذهب في ذلك.
لكن هل تبطل تلك الركعة فقط بحيث لو دخل في الصف بعد الركوع أو انظم إليه آخر صحت بقية الصلاة ويقضي تلك الركعة أو تبطل صلاته جميعها؟
لقد ذكر الزركشي فيها روايتين منصوصتين حكاهما أبو حفص (٢) واختار أنه يعيد ما صلى خلف الصف فقط؛ لأنه صلى بعض الصلاة منفردًا فلم تبطل جميعها كالتكبيرة والركوع من غير سجود (٣) .
والمشهور بطلان جميع الصلاة؛ لأن القياس البطلان مطلقًا كالمتقدم في الصف، وإنَّما عفي عن التحريمة ونحوها لقصة أبي بكرة (٤) .
القول الثاني: تصح صلاته مع الكراهة، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، فأمَّا المالكية فقد نصوا على أن من ركع دون الصف وهو يعلم أنه لا يُمكنه أن يصل إلى الصف حتى يرفع الإمام رأسه فلا يجوز له ذلك عند مالك، فإن فعل ذلك أجزأته ركعته ولا يمشي إلى الصف إلاَّ في الركعة الثانية (٥) .
فأجازوا له في هذه الصورة أن يدب إلى الصف في الركعة الثانية، وركعته
_________________
(١) شرح الزركشي ٢/١٢٢.
(٢) هو: عمر بن محمد بن رجاء، أبو حفص العكبري، حدث عن عبد الله ابن الإمام أحمد، توفي سنة ٣٣٩؟. انظر: المقصد الأرشد ٢/٣٠٦.
(٣) شرح الزركشي ٢/١٢٢.
(٤) المرجع السابق.
(٥) انظر: التاج والإكليل مع مواهب الجليل ٢/٤٧٢.
[ ٣٥٥ ]
التي صلاها خلف الصف تكون صحيحة، بالإضافة إلى ذلك فإن المالكية يصححون صلاة المنفرد خلف الصف
(١) .
أمَّا الحنفية والشافعية فلم أجد لهم نصًا في المسألة لكن يفهم رأيهم من مسألة صلاة المنفرد خلف الصف وقد قالوا بصحتها.
والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول ببطلان صلاته، وذلك للأحاديث الواردة في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف لاسيما وهو قادر على الاصطفاف وإنَّما لم نقل ببطلان ركعته فقط؛ لأن تحريمته لم تنعقد لفوات شرط انعقادها، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي ١/٣٣٤.
[ ٣٥٦ ]