فهذا اختلف فيه أهل العلم على خمسة أقوال:
القول الأول: أن هذا يكره، وهذا قول الحنفية كما في الصورة السابقة؛ إذ يفهم من كلامهم أن الكراهة تشمل الصورتين جاء في بدائع الصنائع للكاساني قوله: «ويكره لمن أتى الإمام وهو راكع أن يركع دون الصف وإن خاف الفوت» (١) .
وقد تقدم ذكر أدلتهم في الصورة السابقة.
القول الثاني: إن كان لايدرك الإمام راكعًا إذا ركع دون الصف ويدركه بعد قيامه فلايجوز له أن يركع دون الصف بل يتمادى إليه وإن فاتته الركعة، فإن خالف وركع دون الصف فقد أساء - أي كره له ذلك - وأجزأته صلاته، إلاَّ أن تكون الركعة الأخيرة فليركع دون الصف ويدب إليه، وإن شك في أنها الأخيرة جعلها الأخيرة احتياطًا، وهذا قول مالك واختاره ابن رشد (٢) .
_________________
(١) ١/٢١٨.
(٢) مواهب الجليل ٢/٤٧٣، والتاج والإكليل معه، والخرشي ٢/١٨٩، وحاشية الدسوقي ١/٣٤٦.
[ ٣٥١ ]
ووجهه ما يلي:
١ - أن مراعاة الصف أولى من مراعاة الركعة (١) .
٢ - أنه لَمْ يخل بشرط من شروط صحة الصلاة وإنَّما ترك الأفضل، وذلك لا يَمْنع الإجزاء (٢) .
ووجه جوازه في الركعة الأخيرة: أنه لولم يفعل لفاتته صلاة الجماعة (٣) .
القول الثالث: يجوز له أن يركع دون الصف ويكون مدركًا للركعة وهذا قول ابن القاسم وصوبه أبو إسحاق التونسي (٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب، واختاره الشيخ تقي الدين (٥) .
واستدلوا بما يأتي:
أولًا: حديث أبي بكرة فقد فعل ذلك.
ويُمكن مناقشته: بأن النبي ﷺ نهاه عن ذلك. ويحتمل أيضًا أنه دخل في الصف قبل رفع الإمام من الركوع فلم ينفرد في شيء من صلاته.
ثانيًا: عن زيد بن ثابت - ﵁ - أنه كان يركع قبل أن يدخل في الصف ثم يمشي راكعًا، ويعتد بها وصل إلى الصف أو لم يصل (٦) .
_________________
(١) حاشية الدسوقي ١/٣٤٦.
(٢) المنتقى للباجي ١/٢٩٤.
(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/٣٤٦.
(٤) المراجع السابقة. وأبو إسحاق هو: إبراهيم بن حسن بن إسحاق التونسي، الإمام الفقيه، الحافظ، الأصولي، المحدث، العالم، له شروح حسنة وتعاليق على كتاب ابن المواز والمدونة، توفي سنة ٤٤٣؟. ينظر: شجرة النور ص ١٠٨.
(٥) انظر: الإنصاف ٢/٢٩١، وشرح الزركشي ٢/١١٩، ومجموع الفتاوى ٢٣/٣٩٧.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ ١/١٧٩، وعبد الرزاق في المصنف ٢/٢٨٣، وابن أبي شيبة ٢/٢٥٦، والطحاوي في معاني الآثار ١/٣٩٥ بنحوه، والبيهقي في السنن ٢/٩٠ من طريق أبي أمامة بن سهل أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع فمشى حتى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع فكبر فركع ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف.
[ ٣٥٢ ]
ثالثًا: أنه زمن يسير فعفي عن الفذوذية فيه كما قبل الركوع (١) .
رابعًا: أن المحافظة على الركعة أولى من المحافظة على الصف (٢) .
القول الرابع: لا تصح صلاته مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أحمد - ﵀ - وهي أصح الروايتين عنه (٣) .
واستدلوا: بأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة فأشبه ما لو أدركه في السجود (٤) .
ويُمكن أن يناقش: بأنه قياس على مختلف فيه فلا يصح.
القول الخامس: إن فعل ذلك جاهلًا بالتحريم صحت صلاته وإن علم لم تصح وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد
- ﵀ - نص عليها وقدمه في المغني وانتصر له وخمل كلام الخرقي عليه (٥) .
واستدلوا: بحديث أبي بكرة - ﵁ - حيث نهاه النبي ﷺ عن العود، والنهي يقتضي الفساد، وإنَّما لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة لكونه جاهلًا وهذا عذر في حقه (٦) .
_________________
(١) المغني ٣/٧٦، وشرح الزركشي ٢/١١٩.
(٢) حاشية الدسوقي ١/٣٤٦.
(٣) المغني ٣/٧٦، وشرح الزركشي ٢/١٢٠، والإنصاف ٢/٢٩١.
(٤) المغني ٣/٧٦، وشرح الزركشي ٢/١٢٠، والإنصاف ٢/٢٩١.
(٥) المراجع السابقة.
(٦) ينظر: المراجع السابقة.
[ ٣٥٣ ]
ونوقش: بأن التفريق بين العالم والجاهل لا يسوغ بدليل أن من صلى منفردًا خلف الصف أمره بالإعادة مع كونه جاهلًا ولم يأمر أبا بكرة بالإعادة، فدلّ على صحة صلاته (١) .
الترجيح: بالنظر في أدلة الأقوال السابقة نجد أن العمدة في المسألة هو حديث أبي بكرة يستدل به كل قول ويوجهه ليتفق مع رأيه، وقد نوقش هذا الحديث بأنه قضية عين يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام، وحكاية الفعل لا عموم لها، فلا يُمكن أن يحتج به على الصورتين، فهي إذا مجملة متشابهة قد عارضها النص المحكم الصريح في النهي عن صلاة المنفرد خلف الصف (٢) ومن لم يدرك الصف والإمام راكع فقد صلى ركعة منفردًا مع قدرته على الاصطفاف فلا تصح ركعته.
فلهذا يترجح لي - والله أعلم - عدم صحة ركعته؛ لأنه صلاها منفردًا خلف الصف مع قدرته على الاصطفاف.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٣/٣٩٧.
(٢) أعلام الموقعين ٢/٣٥٩ وما بعدها، وحديث النهي عن صلاة المنفرد خلف الصف سبق تخريجه ص ٣٤٦.
[ ٣٥٤ ]