الفصل الثالث: إدراك الجمعة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: إدراك ركعة من الجمعة مع الإمام.
المبحث الثاني: إدراك أقل من ركعة من صلاة الجمعة.
المبحث الأول: إدراك ركعة من الجمعة مع الإمام
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم من أدرك مع الإمام ركعة
الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها في قول أكثر أهل العلم (١)، قال في المغني: «ولا نعلم فيه مخالفًا إلاَّ الحسن» (٢)، ولم يختلف أهل العلم أن مَنْ أدرك بعض الخطبة وصلى مع الإمام أنه مدرك للجمعة (٣) .
واختلفوا فيمن أدرك ركعة من الجمعة وفاته جميع الخطبة هل يكون مدركًا لها أو لا على قولين:
القول الأول: أن من أدرك ركعة مع الإمام من الجمعة فقد أدرك الجمعة وإن لم يدرك الخطبة، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء، وممن قال بذلك ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وعلقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، والزهري، والنخعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، والأوزاعي، وابن المنذر (٤)، وهو قول أبي حنيفة
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ١/٢٦٢، والمعونة ١/٢٩٩، والذخيرة للقرافي ٢/٣٤١، والحاوي للماوردي ٢/٤٣٢، والمغني ٣/١٧٠.
(٢) المغني ٣/١٧٠ وما بعدها، والحاوي للماوردي ٢/٤٣٢.
(٣) المنتقى للباجي ١/١٩١.
(٤) ينظر: المغني ٣/١٨٤، والأوسط لابن المنذر ٤/١٠٠ - ١٠١، والمجموع ٤/٥٥٨، والحاوي ٢/٤٣٧.
[ ٣٩٢ ]
وصاحبيه (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤) .
واستدلوا بما يأتي:
الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة" (٥) .
الدليل الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك " (٦) .
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ١/٢٦٧.
(٢) ينظر: المدونة ١/٢٢٩، والمنتقى للباجي ١/١٩١.
(٣) الأم ١/٣٥٢، والمجموع ٤/٥٥٦ و٥٥٨.
(٤) المغني ٣/١٨٤.
(٥) أخرجه النسائي في كتاب المواقيت، باب: من أدرك ركعة من الصلاة ١/٢٧٤، ٢٧٥، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة١/٣٥٦، والدارقطني٢/١٢، والطبراني في معجمه الصغير١/٢٠٤، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام ص٩٠: «وإسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم إرساله» . وقال الشيخ المحدث الألباني في إرواء الغليل ٣/٩٠: «وجملة القول إن الحديث بذكر الجمعة صحيح من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا» .
(٦) أخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب: من أدرك ركعة من صلاة الجمعة ٣/١١٢، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ماجاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة ١/٣٥٦، وابن خزيمة ٣/١٧٣، والدارقطني من عدة طرق ٢/١١، ١٢، وأخرجه الحاكم من ثلاث طرق وقال: كل هؤلاء الأسانيد الثلاثة صحاح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ ١/٢٩١، ووافقه الذهبي في تلخيصه، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/٢٠٣، وقال الصنعاني في سبل السلام ٢/٤٧: «وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر طريقًا عن أبي هريرة، ومن ثلاث طرق عن ابن عمر، وفي جميعها مقال لكن كثرة طرقه يقوي بعضها بعضًا مع أنه أخرجه الحاكم من ثلاث طرق من حديث أبي هريرة وقال فيها: على شرط الشيخين» .
[ ٣٩٣ ]
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) .
وهو عام في جميع الصلوات.
الدليل الرابع: أنه قول من سميناهم من الصحابة - رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ - ولا مخالف لهم في عصرهم (٢) .
الدليل الخامس: القياس على سائر الصلوات بجامع أن كلًا صلاة (٣) .
القول الثاني: أن من فاته جميع الخطبة فقد فاتته الجمعة وفرضه أن يصلي الظهر أربعًا.
وهو قول عطاء، ومكحول، ومجاهد، وطاووس، قال النووي: وحكى أصحابنا مثله عن عمر بن الخطاب - ﵁ (٤) .
ووجهه: أن الخطبة شرط للجمعة، فلاتكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها (٥) .
ويُمكن أن يناقش: بأن العمومات قد دلت على أن الصلاة تدرك بركعة والجمعة صلاة فتدرك بركعة كسائر الصلوات، والقول بأن الخطبة شرط للجمعة مسلّم لكنها شرط في حق الجميع وليس في حق كل فرد، فلو صلوا جميعًا جمعة بدون خطبة لم تصح، والله أعلم.
والراجح في نظري هو قول الجمهور أن الجمعة تدرك بركعة لحديث أبي هريرة السابق وهو حديث صحيح، وهو عام في جميع الصلوات.
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٣٦٩.
(٢) الأدلة في: المغني ٣/١٨٤، والمجموع ٤/٥٥٨.
(٣) المنتقى ١/١٩١.
(٤) المنتقى للباجي ١/١٩١، والأوسط لابن المنذر ٤/١٠٠، والحاوي ٢/٤٣٧، والمجموع ٤/٥٥٨، والمغني ٣/١٨٤ (٥) المغني ٣/١٨٤.
[ ٣٩٤ ]