المبحث الثاني: إدراك أقل من ركعة من صلاة الجمعة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم من أدرك من الجمعة أقل من الركعة.
اختلف أهل العلم فيمن أدرك أقل من ركعة من الجمعة هل يكون مدركًا لها أو لا على قولين:
القول الأول: أن من أدرك أقل من ركعة من الجمعة فقد أدركها، وهذا قول الحنفية، وحكي رواية عن أحمد (١)، ثم اختلف فقهاء الحنفية في القدر الذي يكون به مدركًا للركعة، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في رواية عنه وزفر إلى أن من أدرك الإمام في سجود الركعة الثانية أو في التشهد كان مدركًا للجمعة.
وذلك لوجود المشاركة في بعض أركان الصلاة.
فإن أدركه بعد ما قعد قدر التشهد أو بعد ما سلم وعليه سجدتا سهو وعاد إليهما فإنه يكون مدركًا للجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وحجتهما في ذلك: أن المشاركة في التحريمة وجدت.
وخالفهما محمد زفر فقال: لا يكون مدركًا للجمعة لعدم المشاركة في شيء من أركان الصلاة.
وحيث قالوا لايكون مدركًا فيصلي أربع ركعات إلاَّ أنها عند محمد ليست ظهرًا محضًا حتى إنه قال يقرأ في الأربع كلها.
وعن محمد في افتراض القعدة الأولى روايتان:
_________________
(١) شرح الزركشي ٢/١٨٧.
[ ٤٠٤ ]
إحداهما: أنها فرض وهي رواية الطحاوي (١) عنه، وعليهما فيجلس بعد ركعتين لا محالة اعتبارًا للجمعة.
والثانية: أنها ليست بفرض وهي رواية المعلى (٢) عنه.
فكأن محمدًا - ﵀ - سلك طريقة الاحتياط لتعارض الأدلة، فأوجب ما يخرجه من الفرض بيقين جمعة كان الفرض أو ظهرًا (٣) .
ونوقش: بأن هذا الاحتياط لا معنى له فإنه إن كان ظهرًا فلا يُمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كانت جمعة فلا تكون الجمعة أربع ركعات (٤) .
واحتج أبو حنيفة وأبو يوسف بما يلي:
أولًا: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " (٥) .
ووجه الاستدلال: أنه أمر المسبوق بقضاء ما فاته ومن أدرك الإمام في
_________________
(١) هو: أحمد بن محمد بن سلامة، أبو جعفر، الطحاوي الأزدي، إمام جليل القدر، فقيه حنفي، برع في الفقه والحديث، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، له مصنفات منها: شرح معاني الآثار، اختلف في ولادته، صحح صاحب الفوائد البهية أنه ولد ٢٢٩؟، وتوفي سنة ٣٢١؟. انظر: الفوائد البهية ص ٣١ وما بعدها.
(٢) هو: معلى بن منصور، أبو يحيى، الرازي، روى عن أبي يوسف ومحمد الكتب والأمالي والنوادر، مات سنة ٢١١؟ وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجة، وهو ثقة صاحب سنة. انظر: الفوائد البهية ص ٢١٥.
(٣) المبسوط ٢/٣٥، وبدائع الصنائع ١/٢٦٧ وما بعدها، وتبيين الحقائق ١/٢٢٢، وحاشية الشلبي معه، والبحر الرائق ٢/١٦٦.
(٤) المبسوط ٢/٣٥، وبدائع الصنائع ١/٢٦٨.
(٥) الحديث تقدم تخريجه ص ٣٢١.
[ ٤٠٥ ]
السجود أو في التشهد من صلاة الجمعة فإنَّما فاته صلاة الإمام وهي ركعتان (١) .
ثانيًا: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة " (٢) .
ثالثًا: أن سبب اللزوم هو التحريمة وقد شارك الإمام فيها وبنى تحريمته على تحريمة الإمام فيلزمه ما لزم الإمام كسائر الصلوات (٣) .
رابعًا: أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم يتعين عليه الإتمام من غير فرق بين أن يدرك معه ركعة أو أقل (٤) .
المناقشة: نوقش الدليل الأول حديث " وما فاتكم فاقضوا " بأنه قد روي: "وما فاتكم فأتموا" فإذا كان القضاء حجة علينا فالإتمام حجة عليكم فيسقطان جميعًا، أو يستعملان معًا، فيكون معنى قوله ﷺ " فاقضوا" إذا أدركوا ركعة، "وأتموا" إذا أدركوا دون الركعة (٥) .
ونوقش الدليل الرابع: بأن المسافر خلف المقيم ينتقل من إسقاط إلى إيجاب، ومن نقصان إلى كمال، فكان القليل والكثير في الإدراك سواء كإدراك آخر الوقت، وفي الجمعة ينتقل من إيجاب إلى إسقاط، ومن كمال إلى نقصان فلم ينتقل إلاَّ بشيء كامل فسقط هذا الاستدلال (٦) .
_________________
(١) بدائع الصنائع ١/٢٦٧.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ٢/١٢ وقال: لم يروه هكذا غير نوح بن أبي مريم وهو ضعيف الحديث متروك.
(٣) بدائع الصنائع ١/٢٦٧.
(٤) المبسوط للسرخسي ٢/٣٥.
(٥) الحاوي للماوردي ٢/٤٣٨.
(٦) المرجع السابق.
[ ٤٠٦ ]
وأيضًا: التمام خلف المقيم لا يفتقر إلى الجماعة فلم يعتبر فيه إدراك ما يعتد به في جماعة، والجمعة من شرطها الجماعة، فاعتبر في إدراكها ما يعتد به في جماعة (١) .
القول الثاني: أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للجمعة ويصلي الظهر أربعًا، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والأسود وعروة والزهري والنخعي والثوري وإسحاق وأبو ثور (٢)، ومن الفقهاء مالك (٣) والشافعي (٤) وأحمد (٥)، وهو المذهب المعروف، ورواية عن محمد بن الحسن (٦) من الحنفية.
واستدلوا بما يأتي:
أولًا: قوله ﷺ: " من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة " (٧) .
رواه الحاكم من ثلاث طرق، وقال: «أسانيدها صحيحة» ورواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي، وفي إسناده ضعف (٨) .
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المدونة ١/٢٢٩، والمغني ٣/١٨٤.
(٣) المدونة ١/٢٢٩، والتفريع ١/٢٣٢، والمعونة ١/٣٠٩، والتلقين ١/١٣٢، والمنتقى للباجي ١/١٩١، وحاشية العدوي على الخرشي ٢/٢٥٣.
(٤) الأم ١/٣٥٢، والمهذب مع المجموع ٤/٥٥٥، ولم يختلف المذهب في هذا: المجموع ٤/٥٥٦.
(٥) المغني ٣/١٨٤، وشرح الزركشي ٢/١٨٦.
(٦) بدائع الصنائع ١/٢٦٧.
(٧) سبق تخريجه ص ٣٩٣.
(٨) انظر: ما سبق ص ٣٩٣.
[ ٤٠٧ ]
ووجه الاستدلال: أن مفهومه أن من أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركًا لها.
ونوقش: بأنه من رواية الزهري، والثقات من أصحابه كمعمر والأوزاعي ومالك رووا أنه قال: من أدرك ركعة من صلاة فقد أدركها، فأمَّا ذكر الجمعة فهذه الزيادة، وزيادة: من أدركهم جلوسًا صلى أربعًا. رواه ضعفاء أصحابه نقله في البدائع (١) عن الحاكم الشهيد (٢) .
ولو ثبتت الزيادة فتأويلها: وإن أدركهم جلوسًا قد سلموا عملًا بالدليلين بقدر الإمكان (٣) .
ويُمكن الجواب عنه: بأن الحديث روى من طريق صحيحة كما سبق في تخريجه (٤) .
ثانيًا: روى عن النبي ﷺ أنه قال: " من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن أدرك دونها صلاها أربعًا " (٥) .
_________________
(١) بدائع الصنائع ١/٢٦٨.
(٢) هو: محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل بن الحاكم الشهير بالحاكم الشهيد، فقيه حنفي، سمع الحديث، صنف المختصر، والمنتقى، والكافي، والمنتقى والكافي أصلان من أصول المذهب بعد كتب محمد، توفي سنة ٣٣٤؟. انظر: الفوائد البهية ص ١٨٥ وما بعدها.
(٣) بدائع الصنائع ١/٢٦٨.
(٤) انظر: ص ٣٩٣.
(٥) أخرجه الدارقطني ٢/١٠ من حديث ياسين بن معاذ، عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وذكره النووي ضمن الأحاديث الضعيفة قال: باب المسبوق يدرك الإمام راكعًا أحاديثها ضعيفة. خلاصة الأحكام حديث (٢٣٢٩) . وقال محققه: وإسناده ضعيف جدًا ياسين بن معاذ الزيّات، قال ابن عدي في الكامل (٧/١٨٤) كل رواياته أو عامتها غير محفوظة. ونقل عن البخاري قوله: منكر الحديث، وعن النسائي قوله: متروك.
[ ٤٠٨ ]
ونوقش: بأنه ضعيف كما هو مبين في تخريجه.
ثالثًا: روى عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة " (١) .
ونوقش: بأن الحديث لايصلح للاحتجاج به، قال الحافظ في التلخيص: قال ابن أبي داود والدارقطني تفرد به بقية عن يونس، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه هذا خطأ في المتن والإسناد، وإنَّما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها ".
وأمَّا قوله: " من صلاة الجمعة " فوهم.
وقال الحافظ: إن سلم من وهم بقية ففيه تدليس التسوية؛ لأنه عنعن لشيخه (٢) .
وأُجيب: بأن بقية موثق وقد زالت تهمة التدليس لتصريحه بالتحديث (٣) .
وذكر في سبل السلام (٤) أن إسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم إرساله. وقال: كثرة طرقه يقوي بعضها بعضًا مع أنه أخرجه الحاكم من ثلاثة طرق عن أبي هريرة وقال: أسانيدها صحيحة على شرط الشيخين (٥) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة ١/٣٥٦، وفيه بقية بن الوليد ضعيف، كما في خلاصة الأحكام للنووي ٢/٨١٣.
(٢) التلخيص الحبير ٢/٤١، وتحفة الأحوذي ٣/٥١، والعلل لابن أبي حاتم ١/٢١٠.
(٣) تحفة المحتاج ١/٤٧٢.
(٤) سبل السلام ٢/٤٦.
(٥) المستدرك ١/٢٩١.
[ ٤٠٩ ]
رابعًا: عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) .
قال الشافعي: معناه: لم تفته تلك الصلاة ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين (٢) .
خامسًا: القياس على الإمام إذا انفضوا عنه قبل أن يصلي ركعة (٣) .
ومعناه أن الإمام لو كبر معه جماعة ثم انفضوا عنه قبل أن يصلي ركعة لم تصبح جمعته لكونه يصلي ركعة كاملة في جماعة.
والراجح في نظري هو قول الجمهور أن الجمعة لا تدرك بأقل من ركعة؛ وذلك لحديث أبي هريرة - ﵁ -: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وهو عام في الجمعة وغيرها.
ولأن الشارع علق إدراك الوقت بركعة فكذلك الصلاة واحتياطًا للعبادة، والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٣٦٩.
(٢) انظر: هذه الأدلة في المجموع ٤/٥٥٥ وما بعدها، والمغني ٣/١٨٥، والمدونة ١/٢٢٩.
(٣) الحاوي للماوردي ٢/٤٣٨.
[ ٤١٠ ]