المطلب الثاني: ما يفعل من أدرك من الجمعة أقل من الركعة
إن من أدرك دون الركعة يكون مدركًا للجمعة عند الحنفية؛ ولذا فهو ينوي الجمعة أمَّا عند الجمهور فلا يكون مدركًا للجمعة، وحينئذٍ ففرضه أن يصلي الظهر أربعًا، وهل ينوي الجمعة أو الظهر؟ .
لقد اختلف الفقهاء - ﵏ - فيما ينويه على خمسة أقوال:
القول الأول: أنه ينوي جمعة ويتمها جمعة، وهذا قول الحنفية، وبناءً عليه
[ ٤١٠ ]
فلو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه.
ووجهه: أنه مدرك للجمعة فيشترط له نية الجمعة (١) .
ويُمكن أن يناقش: بعدم التسليم أنه مدرك للجمعة إذ الجمعة لاتدرك إلاَّ بركعة كاملة مع الإمام، وهذا لم يدرك ركعة كاملة.
القول الثاني: إن أدرك الإمام بعد قيامه من ركوع الثانية نوى ظهرًا ولم يصح أن ينوي جمعة، وإن التبس عليه الأمر أحرم بما أحرم به إمامه، وذلك مثل أن يجده قائمًا من الركوع ولم يعلم بأنه قائم من ركوع الثانية، وإن لم يفعل بل نوى جمعة أجزأه، وهذا قول المالكية (٢) .
ووجهه: أن نية الصلاة المعينة بكونها ظهرًا مثلًا أو عصرًا فرض، فمن تعمد نية غير الصلاة التي يصليها فقد أخل بالفرض، وكان ذلك تلاعبًا، واستثني من ذلك الجمعة عند الالتباس فقط فتصح الظهر بنية الجمعة؛ لأن شروط الجمعة أكثر من شروط الظهر ونية الأخص - وهي الجمعة - تستلزم نية الأعم - وهي الظهر - بخلاف العكس
(٣) .
_________________
(١) تبيين الحقائق ١/٢٢٢، والبحر الرائق ٢/١٦٦.
(٢) اتفق المالكية على أنه أن أعلم أن الإمام في التشهد الأخير فلايصح أن ينوي جمعة، وإن نواها لم تصح، واتفقوا على أنه إن التبس عليه الأمر وأحرم بما أحرم به إمامه صح صلاته ظهرًا، وإن التبس عليه الأمر ونوى الجمعة فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها البطلان، والثاني: الصحة، والثالث: التفصيل وهو إن نوى الجمعة بدلًا عن الظهر أجزأ، دون العكس وهذا هو المشهور، وهو ما أثبته في الأعلى. انظر: مواهب الجليل ٢/٢٠٧ وما بعدها، وص ٢١٠، والخرشي ١/٤٩٨، وحاشية العدوى عليه، وحاشية الدسوقي ١/٢٣٣.
(٣) ينظر: مواهب الجليل ٢/٢٠٧ وما بعدها، وص ٢١٠، والخرشي ١/٤٩٨، وحاشية العدوى عليه، وحاشية الدسوقي ١/٢٣٣.
[ ٤١١ ]
القول الثالث: أنه ينوي في اقتدائه بالإمام الجمعة ويتمها ظهرًا، وهذا هو الأصح عند الشافعية (١)، وهو قول عند الحنابلة، وبه قال أبو إسحاق ابن شاقلا (٢) .
وذكر ابن عقيل هذا رواية عن أحمد، قال في الإنصاف وهي من المفردات.
ونقل عن القاضي في موضع من التعليق أن هذا المذهب قال: وهو ظاهر العمدة (٣) .
_________________
(١) نهاية المحتاج ٢/٣٤٦، وقد ذكر فيه أن محل الخلاف فيمن علم حال الإمام، أمَّا من رأى الإمام قائمًا ولم يعلم هل هو معتدل عن الركوع أو في القيام فينوي الجمعة جزمًا. هذا وقد اختلف الشافعية على هذا القول هل نيته الجمعة واجبة أو جائزة؟: فذهب البعض إلى الجواز. وذهب البعض إلى الوجوب، قال في نهاية المحتاج: قال الشيخ وهو المعتمد الموافق لما يأتي في مسألة الزحام. قال: وجمع الوالد - ﵀ - بينهما بحمل الجواز على ما إذا كانت الجمعة مستحبة له غير واجبة كالمسافر والعبد. والوجوب على ما إذا كانت لازمة له فإحرامه بها واجب. قال: «وهو محمل قول الروضة في أواخر الباب الثاني من أن من لا عذر له لايصح ظهره قبل سلام الإمام» نهاية المحتاج ٢/٣٤٧.
(٢) هو: إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا، الفقيه الأصولي، توفي سنة ٣٦٩؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/٢٩٢، وطبقات الحنابلة ٢/١٢٨، المدخل لابن بدران ص ٤١٢، والمطلع على أبواب المقنع ص ٤٢٩.
(٣) المغني ٣/١٩٠، والإنصاف ٢/٣٨٠ وما بعدها، ونقل في الإنصاف كلامًا لابن رجب في شرحه على الترمذي قال فيه: إنَّما قال أبو إسحاق: ينوي جمعة ويتمها أربعًا، وهي جمعة لا ظهر، لكن لما قال «يتمها أربعًا» ظن الأصحاب أنها تكون ظهرًا وإنَّما هي جمعة قال: لأن صلاة الجمعة كصلاة العيد فصلاة العيد إذا فاتته صلاها أربعًا. انتهى
[ ٤١٢ ]
قال في المغني: «وهذا ظاهر قول قتادة، وأيوب، ويونس، والشافعي؛ لأنهم قالوا في الذي أحرم مع الإمام بالجمعة ثم زُحم عن السجود حتى سلَّم الإمام أتمها أربعًا، فجوزوا له إتمامها ظهرًا مع كونه إنَّما أحرم بالجمعة» (١) .
واستدلوا بما يلي:
أولًا: أن موافقة الإمام واجبة فيجب أن ينوي الجمعة لئلا تخالف نيته نية إمامه (٢) .
ثانيًا: القياس على من أحرم مع الإمام بالجمعة ثم زُحم عن السجود حتى سلم الإمام فإنه يتمها ظهرًا مع كونه إنَّما أحرم بالجمعة (٣) .
ثالثًا: أن اليأس من الجمعة لا يحصل إلاَّ بالسلام لاحتمال أن يتذكر الإمام ترك ركن فيأتي بركعة فيوافقه المسبوق فيها فيدرك الجمعة (٤) .
رابعًا: أن المسبوق ينوي أنه مأموم ويتم بعد سلام إمامه منفردًا وتصح صلاته.
خامسًا: أنه يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ابتدائها فكذلك في أثنائها (٥) .
القول الرابع: أنه ينوي ظهرًا، وهو قول آخر عند الشافعية مقابل للأصح (٦)، وهو قول الخرقي، وظاهر كلامه أنه لو نوى جمعة لم تصح، وهو
_________________
(١) المغني ٣/١٩٠.
(٢) نهاية المحتاج ٢/٣٤٧، وشرح الزركشي ٢/١٨٨.
(٣) المغني ٢/١٩٠.
(٤) نهاية المحتاج ٢/٣٤٧.
(٥) المغني ٢/١٩٠.
(٦) المرجع السابق ٢/٣٤٧.
[ ٤١٣ ]
ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال: يصلي الظهر أربعًا، واختاره أبو البركات، وهذا هو المذهب (١) .
واستدلوا بما يلي:
١ - قول النبي ﷺ: " ومن أدركهم جلوسًا صلى الظهر أربعًا " (٢) ظاهر الحديث أنه ينوي الظهر ولا ينوي الجمعة.
٢ - ولأنه إن نوى جمعة فليست فرضه فيكون قد ترك فرضه ونوى غيره، فأشبه من عليه الظهر فنوى العصر (٣) .
ولقد اشترط الحنابلة لصحتها ظهرًا أن يكون قد أحرم بها بعد الزوال، فإن كانت قبله كانت نفلًا، ولم يجزئه جمعة لفواتها، ولا ظهرًا لفوات شرطها وهو الوقت (٤) .
القول الخامس: أن الصلاة لا تصح مع الإمام في هذه الحالة، وهو قول بعض الحنابلة (٥) .
ووجهه: أن الجمعة فاتته، والظهر لا تصح خلف من يؤدي الجمعة لاختلاف النيتين (٦) .
_________________
(١) انظر: المغني ٣/١٨٩، وشرح الزركشي ٢/١٨٧ وما بعدها، والإنصاف ٢/٣٨٠، والمحرر ١/١٥٦.
(٢) رواه الدارقطني ٢/١٠، قال النووي: إسناد ضعيف. خلاصة الأحكام للنووي حديث (٢٣٣٩) ٢/٦٧٢.
(٣) انظر: المغني ٣/١٩٠، وشرح الزركشي ٢/١٨٨.
(٤) شرح الزركشي ٢/١٨٨.
(٥) شرح الزركشي ٢/١٨٧، والإنصاف ٢/٣٨١.
(٦) شرح الزركشي ٢/١٨٧.
[ ٤١٤ ]
والراجح في نظري هو القول الثاني أنه ينوي ظهرًا؛ لقول النبي ﷺ: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى " (١)، فلا تصح بنية الجمعة بدلالة هذا الحديث واختلاف نية المأموم عن الإمام لا تضر، كالمفترض خلف المتنفل، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف بدأ الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: «إنَّما الأعمال بالنية » (١٩٠٧) ٢/١٥١٥.
[ ٤١٥ ]