منها: أنه يحتمل في هذه الوقائع أن تكون لما كانت الفريضة تُصلَّى مرتين، وقد نُسِخ ذلك.
ورُدَّ بأنه إن كان المراد أن الفريضة كانت تصلَّى مرتين فرضًا، بمعنى أنه كان فرضًا على المسلم أن يُصلِّيها مرتين، فهذا لم يكن قطُّ، ونفيه معلوم.
وإن أريد أنه كان يجوز إعادتها مرةً ثانية، فذاك الجواز باقٍ اتفاقًا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض صوره، وقد تقدمت أدلته.
وعلى هذا، يكون المجيب معترفًا بإمامة المتنفل للمفترض، ومدعيًا النسخ، فيُطالَب بالناسخ.
فأما حديث: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» والنهي عن الإعادة مرتين، فقد تقدم الكلام عليهما.
ومنها: في خصوص قصة معاذ، أن النبي - ﵌ - لم يعلم بذلك.
ويُرَدُّ بأننا ذهبنا مذهب جابر في قوله: «كنا نَعْزِل والقرآنُ يَنزِل» (^١)، كفانا ذلك في ردِّ جوابكم. وتقريرُ هذا المذهب: أنه كما أن تقرير النبي - ﵌ - يدلُّ على الجواز، فأولى منه تقرير الله ﷿ في وقت وجود الواسطة لتبليغ أحكامه بينه وبين عباده، وهو الرسول، وقد صحّ أن الصحابة كانوا مكروهًا لهم سؤالُ النبي - ﵌ -، وذلك يدلّ على أنه كان لهم أن يتمسّكوا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٠٨) ومسلم (١٤٤٠).
[ ١٦ / ٢١٢ ]
بالأصل والظاهر ونحو ذلك، ويعملوا بما ظهر لهم حتى يجيئهم من الشارع ما يخالف ذلك، وهذا يُشعر بأن الشارع إنما أذن بذلك؛ لأن الله ﷿ رقيبٌ عليهم، فإذا علم منهم خطأً في الدين بيّنه لهم على لسان رسوله - ﵌ -، فأما إن وقعت من بعضهم معصية يعلم أنها معصية، وأن الله ﷿ يستره ولا يفضحه، وإنما يُنبِّه على ما يتعلق بالأحكام.
وإن لم يُسَلَّم هذا المذهب، فإننا نُثبِت عِلْمَ النبي - ﵌ - صُنْعَ معاذٍ:
أولًا: لأنه أعلمُ بالله [من] أن يُقدِم على ما لا يثق بصحته، وقد أثنى عليه النبي - ﵌ - بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (^١)، وأنه يأتي يوم القيامة أمامَ العلماء [برَتْوةٍ] (^٢)، وهو الذي بيَّن للأمة متابعةَ الإمام، إذ كانوا أولًا إذا جاء الرجل الجماعة، فوجدهم يصلُّون وراء النبي - ﵌ - سأل [فيُشير] إليه أحدهم أنه قد سُبِق بكذا، فيبدأ فيصلّي ما سُبِق به لنفسه حتى يدرك الإمام فيما هو فيه فيوافقه، فجاء معاذ فقال: لا أجدُه على حالٍ إلا كنتُ عليها، فوافق النبي - ﵌ - فيما هو فيه، فلما سلّم النبي - ﵌ - قام معاذ فأتمَّ ما سُبِق به، فقال النبي - ﵌ -: «إن معاذًا قد سَنَّ لكم، فهكذا فاصنعوا» (^٣) أو كما قال. فكيف يُظَنُّ به
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٩٣، ٣٧٩٤) وابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الرتوة: رمية السهم. والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٠/رقم ٤١) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٢٩) من حديث محمد بن كعب القرظي مرفوعًا. وله طرق أخرى، انظر التعليق على «المسند» (١٠٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤) وأبو داود (٥٠٦، ٥٠٧) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٤) وغيرهم من حديث معاذ، ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.
[ ١٦ / ٢١٣ ]
وبقومه ــ وفيهم كما في «الفتح» (^١) عن ابن حزم ثلاثون عَقَبيًّا، وأربعون بدريًّا ــ أن يُقدِموا على ما لا يثقون بصحته، بدون ضرورة تُلجِئهم إلى ذلك.
وثانيًا: صنيعُه ذلك كان ظاهرًا مكشوفًا، كان يصلّي مع النبي - ﵌ -، ثم يصلِّي بعشيرته، وهم كثير، وكان يصلّي معهم من يمرُّ على مسجدهم من غيرهم، كما في قصة حرام. ولم يكن بينهم وبين المسجد النبوي إلا نحو ميل، ولا يمرُّ عليهم يوم إلا ويجتمع فيه جماعة منهم بالنبي - ﵌ -، وكان - ﵌ - كثيرَ التفقُّد للأنصار، ولاسيّما في أمر دينهم، والظاهر أنهم لم يكونوا [يقررون] إمامًا في مسجد من مساجدهم إلا بإذن النبي - ﵌ -.
هب أن النبي - ﵌ - لم يعلم بذلك تلك المدة التي كان معاذ يصلّي فيها معه - ﵌ - ثم يصلي بهم قبل أن يَشْكُوه سُلَيم أو حرام، أو كلاهما، فقد علم - ﵌ - عند الشكوى، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما أنكر تأخير معاذ وتطويله، فلم ينكر عليهم صنيعهم فيما سبق، ولا بيَّن لهم أنه لا يجوز، ولا نهاهم عن مثله.
فإن قيل: فقد جاء في رواية معاذ بن رِفاعة: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانًا، إما أن تصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» (^٢).
قلت: تلك الرواية مرسلة، ولم تأت هذه الزيادة في شيء من الروايات الموصولة حتى الرواية التي يُشبِه سياقُها سياقَ هذه المرسلة، وهي رواية
_________________
(١) (٢/ ١٩٦). وانظر «المحلَّى» (٤/ ٢٣٤).
(٢) سبق تخريجها.
[ ١٦ / ٢١٤ ]
عبيد الله بن مِقْسَم.
وهبْ تلك الزيادة: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» صحَّت، فدونك تحقيق معناها:
حكى ابن حجر في «الفتح» (^١) عن الطحاوي أنه قال: معناها: إما أن تصلِّي معي، ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك، ولا تُصلِّ معي.
ثم قال ابن حجر: لمُخالفِه أن يقول: بل التقدير: إما أن تُصلِّي معي فقط إذا لم تُخفِّف، وإما أن تُخفِّف بقومك فتصلِّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول عنه المتنازَع فيه.
وقال العلامة الجليل شَبِّير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» (^٢): الظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي - ﵌ -، حتى كان ينام القوم، ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السورَ الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في المرسل المذكور)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك ثم أمَّنا، وافتتح سورة البقرة (أقول: وقد مر نحوه في رواية ابن عيينة) ففيه كما ترى شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي - ﵌ - معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي - ﵌ -، ويترك الإمامة، أو بأن يخفِّف على قومه وفي
_________________
(١) (٢/ ١٩٧). وقول الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤١٠).
(٢) «فتح الملهم» (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) ط دار إحياء التراث العربي.
[ ١٦ / ٢١٥ ]
رواية للبزار «لا تكن فتّانًا تَفْتِن الناس، ارجِعْ إليهم فصَلِّ بهم قبل أن يناموا ».
[ق ٢١] أقول: هذا تحقيق جيد، ومن الواضح جدًّا أن قوله - ﵌ - لمعاذ: «لا تكن فتّانًا» إنما معناه: لا تكن سببًا لافتتان بعضهم بتشديدك عليهم، فكأنه قال: لا تُشدِّد عليهم.
وإن قوله عقب هذه الجملة: «إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» إنما هو بيان لقوله: «لا تكن فتّانًا» أو استئناف بياني، كأنه لما قال لمعاذ: «لا تكن فتّانًا» قال معاذ: كيف أصنع؟ فقال: إما
وهذا واضح جدًّا بدلالة المقام، وبعدم الإتيان بالواو بين الجملتين.
إذا تحرَّر هذا، فقوله: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» إنما هي إرشاد إلى ترك التشديد الذي هو مَظِنّة الفتنة، كما قال العثماني نفع الله به: إرشاد إلى إزالة شكواهم.
ثم هاهنا احتمالان:
الأول: أن يكون مراد النبي - ﵌ - النهي عن التأخير وعن التطويل، حتى كأنه قال: لا تُؤخِّر ولا تُطوِّل، أو عجلِّ وخفِّف. وعليه، فالظاهر أن يتضمّن قوله: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» النهيَ عن كلٍّ من الأمرين.
وقد تبين من الروايات الصحيحة
_________________
(١) كما ذكره العثماني أن التأخير إنما كان يقع بسبب أن معاذًا كان يبدأ فيصلِّي مع النبي - ﵌ -، فحينئذٍ لابدّ أن تتضمّن الجملة تخييرَ معاذ بين أن يترك الصلاة بهم ليقدموا غيره ممن لا
[ ١٦ / ٢١٦ ]
يصلّي مع النبي - ﵌ -، فيعجِّل بهم؛ لأنه لا يحتاج إلى التأخير؛ لعدم صلاته مع النبي - ﵌ -، أو يترك معاذ الصلاة مع النبي - ﵌ - فيعجِّل بهم، لعدم احتياجه إلى التأخير.
فإذا قلنا: إن الجملة المذكورة تتضمن النهي عن الجمع بين الصلاة مع النبي - ﵌ - والصلاة بالقوم، فقد اتضح أن علة هذا النهي هي لزوم التأخير الذي شكاه القوم، وفيه تشديدٌ عليهم يُخشَى منه افتتانُ بعضهم.
والحاصل: أنه على هذا الاحتمال يكون تقدير الطحاوي صحيحًا في الجملة، ولكن علة المنع إنما هي استلزام التأخير كما هو واضح من دلالة المقام والسياق.
وعلى هذا، فلو فُرِض أن النبي - ﵌ - عجَّل العشاء في بعض الأيام بحيث لو صلَّى معاذ معه، ثم عاد إلى قومه معاذٌ في وقت لا يكون فيه تأخير يشقُّ عليهم، أو رَضُوا كلُّهم بالتأخير وأحبُّوه، أكان لهم أن يؤمَّهم معاذ بعد أن صلى مع النبي - ﵌ -؟ وذلك أنهم يقولون: إنما نهى النبي - ﵌ - لمعنًى هو الآن منتفٍ، وهو التأخير الذي يُخشَى منه الفتنة.
وعلى هذا، فليس في الجملة المذكورة إنكاره لعلة أخرى، وإذًا فليس فيها إنكار لائتمام المفترض بالمتنفل، وإذًا فسكوته - ﵌ - عن التعرض لذلك بعد علمه بصنيعهم تقريرٌ على صحة ذلك، وهو المطلوب.
وذكر بعض أئمة الحنفية في الهند (^١): أن الجملة المذكورة شبيهة بقوله
_________________
(١) هو الشيخ أنور شاه الكشميري (ت ١٣٥٢) في كتابه «فيض الباري على صحيح البخاري» (٢/ ٢٢٨).
[ ١٦ / ٢١٧ ]
تعالى حكايةً عن المشركين: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، حيث قُوبل في الآية الافتراء بالجنون، لما أن من لازم الجنون عدم الافتراء، فكأنه قيل: أافترى أم لم يفترِ، فكذلك قُوبل في الحديث صلاة معاذ معه - ﵌ - بتخفيفه لقومه، كما أن تخفيفه بهم يتوقف على صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدمَ صلاته مع النبي - ﵌ -، فكأنه قيل: إما أن تُصلِّي معي، وإما أن لا تُصلِّي معي.
وأقول: لا بأس بهذا، وإنما الشأن في وجه الاستلزام، فاستلزام الجنون لعدم الافتراء واضح معلوم للمخاطب، وكذلك استلزام صلاة معاذ بقومه لعدم صلاته مع النبي - ﵌ - من حيثُ إن المطلوب أن يصلّي بهم معجّلًا، لما عُلِم من المقام والسياق من النهي عن التأخير، لما فيه من التشديد الذي يُخشى منه الفتنة.
هذا هو الذي يفهمه القوم، ويقتضيه المقام والسياق وعدمِ الإتيان بالواو بين الجملتين، كما مرَّ.
فإن زعم زاعم أن للاستلزام وجهًا آخر فهو باطل، إذ لم يكن القوم يعرفونه، ولا في المقام والسياق ما يدل عليه.
الاحتمال الثاني: أن يكون مراده - ﵌ - إنما هو النهي عن الجمع بين التأخير والتطويل.
وعليه، فالتقدير كما قال ابن حجر، وقد يؤيده أن التأخير إنما شقَّ عليهم تلك الليلة؛ لأن النبي - ﵌ - أخَّر العشاء فوق العادة، فتأخّر معاذ (^١) فوق ما
_________________
(١) في الأصل: «بلال»، سبق قلم.
[ ١٦ / ٢١٨ ]
كان يتأخّر تلك الليلةَ، وهذا بيِّنٌ في الروايات المفصّلة الصحيحة، كرواية ابن عيينة: «وقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء ».
ومما يوضِّح هذا أن الروايات المفصّلة الصحيحة مقتصرة على [النهي] عن التطويل، وذلك يدلّ أنه هو الذي استوعب الحال.
فأما الزيادة التي نقلها العثماني: «ارجعْ إليهم قبل أن يناموا» فهي تدلّ على تقرير النبي - ﵌ - لهم، وأن يأتمُّوا بمعاذ بعد أن يصلِّي معه - ﵌ -.
وبيان ذلك: أن عادة بني سلمة كانت أن الأقوياء منهم يأتون إلى مسجد النبي - ﵌ -، فيصلُّون معه المغرب، ثم يرجعون إلى بيوتهم فيصلُّون، والرامي يرى موقعَ سهمه، كما يأتي عن جابر، ثم إذا جاء وقت العشاء أتوا المسجدَ النبوي وصلَّوا العشاء مع النبي - ﵌ -، ثم يرجعون إلى بيوتهم، ومنهم معاذ، غير أنه انفرد بأنه كان إذا رجع إلى قومه صلَّى بالمتأخرين منهم، فإذا رجع عقب المغرب صلَّى بهم المغرب كما في حديث الترمذي، وقد تقدم، وإذا رجع عقب العشاء صلى بهم العشاء كما في حديث «الصحيحين» وغيرهما، فكان له في المغرب والعشاء مجيئان ورجوعان، ولا يحسن حمل الرجوع في قوله - ﵌ -: «ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا» على الأول؛ لأن الحمل عليه يُحوِج إلى تقدير، والأصل عدمه، ولأن المتبادر إنما هو الرجوع الثاني؛ لأنه هو الذي شَكَوا من تأخُّره حتى يناموا.
إذا تقرر هذا، فمعنى هذه الزيادة
_________________
(١) والله أعلم هكذا: إذا جئتَ لتصلِّي العشاء معي فانظر، فإن وجدتَني عجَّلتُها فصلِّ معي، ثم ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا، وإن وجدتَني أخَّرتُها فلا تنتظرْني، وارجِعْ إليهم قبل أن يناموا.
[ ١٦ / ٢١٩ ]
وفي هذه مراعاة لرغبة معاذ ورغبة قومه؛ لأن معاذًا كان يرغب في أن يصلّي مع النبي - ﵌ -، وقومه ــ وإن شكا بعضُهم من تشديده ــ راغبون في أن يُصلِّي هو بهم، إذْ لم يكن فيهم أعلم ولا أفضل ولا أحبّ إليهم منه.
[ق ٢٢] ومن أجوبتهم الخاصة بقصة معاذ أيضًا: أنه يحتمل أن يكون معاذ كان يُصلِّي مع النبي - ﵌ - على أنها نافلة له، ثم يُصلِّي بقومه على أنها فريضته.
ورُدَّ بأن هذا خلاف الظاهر، بل الظاهر من حال مَن يعلم أن عليه فريضة يجب عليه أداؤها أنها إذا حضرتْ فصلّاها، إنما يَقصِد أداءها، ويتأكد ذلك بعدم الوقوف، أو من المحتمل أن يموت أو يعرض له عارض.
وقال بعض الشافعية: لا يُظَنُّ بمعاذٍ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد.
حكاه ابن حجر في «الفتح» (^١) ثم قال: للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي - ﵌ - لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.
أقول: الأصل عدم الأمر، وإنما دلَّت الظواهر على إذنه - ﵌ - لهم أن يُصلِّي معاذ معه، ثم يؤمَّهم. فإن ادَّعَى مدّعٍ أنه - ﵌ - أمر معاذًا أن ينوي بصلاته معه نافلة، وبصلاته بقومه الفرض، فعليه البيان، والأصل عدم ذلك.
وفوق هذا، فقد جاء في رواية ابن جريج عن عمرو عن جابر: «هي له تطوع، ولهم المكتوبة» وقد تقدم الكلام مع من زعم أنها مدرجة.
_________________
(١) (٢/ ١٩٦).
[ ١٦ / ٢٢٠ ]
فأما من قال: «ذاك ظنٌّ من جابر فلا حجة فيه» (^١)، فقد دفعه ابن حجر في «الفتح» (^٢) بقوله: « مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابر أنه يخبر عن شخصٍ بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أَطْلَعَه عليه».
أقول: في هذا نظر، فقد يجوز أن يكون جابر بنى على الظاهر، نعم، إذا كان هذا هو الظاهر عند جابر، وكان ممن يصلِّي مع معاذ، ففي ذلك دليل على أنه لم يكن عند القوم خبر بما يخالف ذلك، وهذا يدلُّ على أن النبي - ﵌ - لما أذِنَ لهم أن يصلِّي بهم معاذٌ بعد أن يُصلِّي به، لم يأمر معاذًا بأن ينوي بالأولى النافلة، وبالثانية الفريضة؛ إذ لو أمره بذلك لأخبر قومه؛ ليعرفوا الحكم، ولئلا تكون صلاتهم مختلة، فإن الحنفية لا يجيزون صلاة المقتدي إذا كان يرى أن إمامه قد أدّى تلك الصلاة، وإنما يُعيدها نافلةً.
ومن أجوبتهم: دعوى النسخ، واستدلُّوا على النسخ بقوله في تلك الرواية: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك»، وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا أيضًا بحديث ابن عمر: «لا تُصلُّوا صلاةً في يوم مرتين» وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا بحديث: «الإمام ضامنٌ»، وحديث: «إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به». وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) قاله الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٠٩).
(٢) (٢/ ١٩٦).
[ ١٦ / ٢٢١ ]