وفي «الموطأ» (^١): عن نافع أن رجلًا سأل ابنَ عمر فقال: إني أُصلِّي في بيتي، ثم أُدرِكُ الصلاةَ مع الإمام، أفأُصلِّي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم ».
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (^٢): عن ابن نُمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: «إذا صلَّى الرجل في بيته ثم أدرك جماعةً صلَّى معهم، إلا المغرب والفجر».
وفي «الموطأ» (^٣) عن نافع عن ابن عمر نحوه.
وفي هذه الآثار كالدلالة على أن أصل الحديث إنما هو النهي عن الإعادة مرتين، كما في رواية النسائي، لا عن الصلاة مرتين.
وبالجملة، فالذي استقرَّ عليه رأيُ ابن عمر مشروعية الإعادة مع الجماعة، وإنما استثنى المغرب والفجر؛ لأن المغرب وتر، وللنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وإنما لم يستثنِ العصر؛ لأن مذهبه جواز الصلاة بعد العصر حتى تصفرَّ، كما في «فتح الباري» (^٤).
ولننظر في الأدلة على مشروعية الإعادة:
١ - في «صحيح مسلم» (^٥) وغيره من حديث أبي ذر: قال لي
_________________
(١) (١/ ١٣٣).
(٢) رقم (٦٧٢٦).
(٣) (١/ ١٣٣).
(٤) (٢/ ٦٣).
(٥) رقم (٦٤٨).
[ ١٦ / ١٥٢ ]
رسول الله - ﵌ -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، أو يُمِيتُون الصلاةَ عن وقتها؟». قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصَلِّ، فإنها لك نافلة».
وفي روايةٍ لمسلم (^١): «صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَ الصلاة معهم فصَلِّ، ولا تقلْ: إني قد صلَّيتُ، فلا أُصلِّي».
وبمعناه أحاديث عن ابن مسعود (^٢) وعبادة بن الصامت (^٣) وغيرهما، وليس فيها التقييد بخوف فتنة أو نحوه.
٢ - أخرج ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» (^٤)، والحاكم في «المستدرك» (^٥) وقال: صحيح كما في «تلخيص المستدرك» (١/ ٢٤٤)، وابن السكن وصححه (^٦)، والترمذي (^٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (^٨) وأبو داود (^٩) وغيرهم عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: «شهدتُ مع النبي - ﵌ - حَجَّتَه، فصليتُ معه صلاة الصبح في
_________________
(١) رقم (٦٤٨/ ٢٤٢).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٣).
(٤) ابن خزيمة (١٢٧٩، ١٦٣٨، ١٧١٣) وابن حبان (١٥٦٤، ١٥٦٥، ٢٣٩٥).
(٥) (١/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٦) نقل تصحيحه الحافظ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٩).
(٧) رقم (٢١٩).
(٨) (٢/ ١١٢، ١١٣).
(٩) رقم (٥٧٥، ٥٧٦).
[ ١٦ / ١٥٣ ]
مسجد الخيف، فلما قضى صلاتَه وانحرف إذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يُصلِّيا معه، فقال: «عليَّ بهما»، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فَرائصُهما، فقال: «ما مَنَعَكما أن تُصلِّيا معنا؟»، فقالا: يا رسول الله، كنَّا صلَّينا في رِحالِنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صلَّيتما في رِحالكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلةٌ».
أقول: جابر بن يزيد بن الأسود، قال ابن المديني: لم يروِ عنه غير يعلى بن عطاء (^١)، ولذلك قال الشافعي: «إسناده مجهول، نقله البيهقي (^٢). وقد وثَّقه النسائي (^٣)، وصحَّح حديثه جماعة كما مر. ولأئمة الحديث مذاهبُ في توثيق من لم يروِ عنه إلا واحد، ليس هذا موضعَ شرحها.
وقد أخرجه الدارقطني (ص ١٥٩) (^٤) بسندٍ رجاله موثَّقون عن بقيَّة حدثني إبراهيم (بن عبد الحميد) بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عُمير عن جابر بن يزيد عن أبيه عن النبي - ﵌ - نحوه.
وإبراهيم، قال أبو زرعة (^٥): ما به بأس، وقال ابن حبان في أتباع التابعين من «الثقات» (^٦): من فقهاء أهل الشام، كان على قضاء أهل حمص.
_________________
(١) انظر «تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٦).
(٢) في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٢).
(٣) انظر «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٩).
(٤) (١/ ٤١٤).
(٥) انظر «الجرح والتعديل» (٢/ ١١٣).
(٦) (٦/ ١٣).
[ ١٦ / ١٥٤ ]
وهذه متابعة جيدة، وذكر الدارقطني وجهين آخرين (^١)، فراجعه.
٣ - مالك في «الموطأ»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح، والنسائي (^٢) وغيرهم عن زيد بن أسلم عن بُسْر بن مِحْجَن الدِّيلي: أنه كان جالسًا مع رسول الله - ﵌ -، فأُوذِنَ (^٣) بالصلاة، فقام رسول الله - ﵌ - فصلَّى بهم، ثم رجعَ ومِحْجَنٌ في مجلسه كما هو، فقال له رسول الله - ﵌ -: «ما منعَكَ أن تُصَلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟» قال: بلى يا رسول الله، ولكني يا رسول الله كنتُ قد صلَّيتُ في أهلي. قال: «فإذا جئتَ فصَلِّ مع الناس وإن كنتَ قد صلَّيتَ». لفظ الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٤)، ثم قال: هذا حديث صحيح، ومالك بن أنس الحَكَم في حديث المدنيين، وقد احتجَّ به في «الموطأ».
أقول: لم يذكروا لبُسْرٍ إلا راويًا واحدًا هو زيد بن أسلم (^٤)، فحاله شبيهة بحال جابر بن يزيد، لكن رواية زيد مع جلالة محله تُقوِّي حالَه، وقد جاء عن زيد أنه سُئل عن حديثٍ فقيل له: عمَّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي، لم نكن نجالس السفهاء (^٥).
_________________
(١) انظر «سننه» (١/ ٤١٤).
(٢) «الموطأ» (١/ ١٣٢) و«المستدرك» (١/ ٢٤٤) والنسائي (٢/ ١١٢) ولم أجده عند ابن خزيمة. وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٣٩٥) وابن حبان (٢٤٠٥) والبيهقي (٢/ ٣٠٠).
(٣) في الموطأ والمسند: «فأُذِّن».
(٤) انظر «تهذيب التهذيب» (١/ ٤٣٨).
(٥) انظر «تهذيب التهذيب» (٣/ ٣٩٦).
[ ١٦ / ١٥٥ ]
٤ - أبو داود (^١) وغيره من طريق سعيد بن السائب عن نوح [بن] (^٢) صعصعة عن يزيد بن عامر قال: جئتُ فقال له النبي - ﵌ -: «إذا جئتَ إلى الصلاة فوجدتَ الناسَ، فصَلِّ معهم وإن كنتَ قد صلَّيتَ، تَكُنْ لك نافلةً، وهذه مكتوبة».
أقول: نوح بن صعصعة لم يُذكَر له راوٍ إلا سعيد بن السائب (^٣)، واستنكروا قوله: «وهذه مكتوبة».
٥ - مالك في «الموطأ» (^٤) عن عَفِيف السَّهمي عن رجلٍ من بني أسد أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال: إنّي أصلِّي في بيتي، ثم آتي المسجدَ، فأجدُ الإمامَ يُصلِّي، أفأُصلِّي معه؟ فقال أبو أيوب: نعم، فَصَلِّ معه، فإنَّ من صنَعَ ذلك فإن له سَهْمَ جَمْعٍ، أو مثلَ سَهْمِ جَمْعٍ.
وأخرجه أبو داود (^٥) بسند صحيح إلى بُكَير بن عبد الله بن الأشجِّ عن عَفِيف بن عمرو بن المسيّب، وفيه: فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - ﵌ -، فقال: «فذلك له سهمُ جَمْعٍ».
وقال بعضهم: «يعقوب بن عمرو بن المسيب» بدل «عفيف»، كما في «تاريخ» البخاري (٤/ ٢/ ١٩٠) (^٦).
_________________
(١) رقم (٥٧٧).
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) انظر «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٨٥).
(٤) (١/ ١٣٣).
(٥) رقم (٥٧٨).
(٦) «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٩٠).
[ ١٦ / ١٥٦ ]
عفيف: وثَّقه النسائي (^١)، ويكفيه رواية مالك وبُكير عنه، ومالك مشهور بأنه لا يروي إلا عن ثقة، وكذلك بُكير، قال عمرو بن الحارث (^٢): إذا رأيتَ بكير بن عبد الله روى عن رجلٍ فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شكَّ فيه. ذكره في «التهذيب» في ترجمة بكير.
٦ ــ أحمد في «المسند» (٤/ ٢١٥) (^٣): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عمران بن أبي أنس عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رجلٍ من بني الدِّيل قال: «صليتُ الظهر في بيتي، ثمّ خرجتُ بأباعِرَ لي لأُصْدِرَها إلى الراعي، فمررتُ برسول الله - ﵌ - وهو يُصلِّي بالناس الظهرَ، فمضيتُ فلم أُصَلِّ معه، فلما أَصدَرتُ أباعرِي ورجعتُ ذُكِرَ ذلك لرسول الله - ﵌ - فقال لي: «ما مَنَعَك يا فلانُ أن تُصلِّي معنا حينَ مررتَ بنا؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنّي قد كنتُ صلَّيتُ في بيتي، قال: «وإنْ».
[ق ١١] أقول: الرجل من بني الدِّيل صحابي، ورجال السند كلهم ثقات، إلا أن في ابن إسحاق كلامًا، والراجح عندهم أنه ثقة يُدلِّس، وقد صرَّح هنا بالسماع، فزالت تهمة التدليس.
٧ ــ أبو داود والترمذي (^٤) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» (^٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٠٩) وقال: صحيح
_________________
(١) انظر «تهذيب التهذيب» (٧/ ٢٣٦).
(٢) بل أحمد بن صالح المصري كما في «التهذيب» (١/ ٤٩٢، ٤٩٣).
(٣) رقم (١٧٨٩٠).
(٤) أبو داود (٥٧٤) والترمذي (٢٢٠).
(٥) ابن خزيمة (١٦٣٢) وابن حبان (٢٣٩٧، ٢٣٩٨، ٢٣٩٩). وأخرجه أيضًا أحمد (١١٦١٣، ١١٠١٩) والدارمي (١/ ٣١٨) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٦٩).
[ ١٦ / ١٥٧ ]
على شرط مسلم، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل وقد صلَّى رسول الله - ﵌ - بمدة، فقال: «أيكم يَتَّجِرُ على هذا؟»، فقام رجل فصلَّى معه. لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود والحاكم: «ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيُصلِّي معه».
وجاء بمعناه من حديث أبي أمامة عند أحمد (٥/ ٢٥٤) (^١)، ومن حديث أنس عند الدارقطني (ص ١٠٣) (^٢)، وفي «كنز العمال» (^٣) أنه أخرجه أبو عوانة والضياء في «المختارة» (^٤). وقال الترمذي (^٥): وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى (^٦) والحكم بن عُمير (^٧).
_________________
(١) رقم (٢٢١٨٩، ٢٢٣١٦). وإسناده ضعيف جدًّا، لضعف عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد الألهاني.
(٢) (١/ ٢٧٦).
(٣) (٧/ ٦٤٣) برقم (٢٠٦٩٢).
(٤) رقم (١٦٧٠، ١٦٧١). وأخرجه أيضًا الطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٢٨٢). وإسناده حسن.
(٥) عقب الحديث (٢٢٠).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٩٧٢) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٠٨) والدارقطني (١/ ٢٨٠) والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٣٤) والبيهقي (٣/ ٦٩) بلفظ: «الاثنان فما فوقهما جماعة». وإسناده ضعيف جدًّا، الربيع بن بدر متروك، ووالده وجدّه مجهولان.
(٧) في الأصل: «عمرو»، والتصويب من الترمذي. والحديث أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٤١٥) وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢٥٠) باللفظ المذكور. وفي إسناده عيسى بن إبراهيم القرشي، قال البخاري: «منكر الحديث».
[ ١٦ / ١٥٨ ]
وجاء من مرسل أبي عثمان النهدي (^١)، والحسن البصري. قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (^٢): ثنا هُشيم نا خصيف بن يزيد التيمي (^٣) قال: نا الحسن أن رجلًا دخل المسجدَ وقد صلَّى النبي - ﵌ -، فقال: «ألا رجلٌ (^٤) يقوم إلى هذا فيصلِّي معه؟»، فقام أبو بكر فصلَّى معه، وكان قد صلَّى تلك الصلاة.
٨ و٩ و١٠ ــ حديث جابر في صلاة معاذ، وحديثه في صلاة الخوف، وحديث أبي بكرة في صلاة الخوف أيضًا، وستأتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٧١٧٣).
(٢) رقم (٦٧٢٣).
(٣) كذا في نسخ «المصنّف»، والصواب: «خصيب بن زيد التميمي»، كما في «التقريب» وغيره من كتب الرجال.
(٤) في الأصل: «رجلًا». والتصويب من «المصنّف».
[ ١٦ / ١٥٩ ]