فصل
أجود ما رأيته للمانعين ما قاله العلامة الجليل شبِّير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» فإنه ذكر ما يحتجُّ به أصحابه من حديث «الإمام ضامن» (^١) وحديث «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به» (^٢) وقوله: «فلا تختلفوا عليه» (^٣)، ثم قال: ولا يخفى على المنصف الممعن أن مسألة الائتمام ــ أي متابعة المأموم للإمام ــ إنما كملت على لسان الشارع شيئًا فشيئًا
ثم استشهد بقضية القراءة: أي أنهم كانوا أولًا يقرؤون خلف الإمام، ثم أُمِروا بالاكتفاء بقراءته، وأنها تكون لهم قراءة.
وبقصة معاذ: إذ كانوا أولًا يجيء المسبوق، فيبدأ بصلاة ما سبُق به لنفسه، ثم يدخل مع الإمام فيما هو فيه، فخالفهم معاذ، فقال النبي - ﵌ -: «إن معاذًا قد سنَّ لكم».
ثم قال: فينبغي أن يُحمَل كل ما جاء في الأحاديث مما ينافي مقتضى هذا الائتمام ولم يُعلَم تاريخه، على ما قبل أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف.
أقول: أما القراءة فلسنا نوافقه على مذهبه فيها، غاية الأمر أن بعض
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٨١٨) والترمذي (٢٠٧) وابن خزيمة (١٥٢٨) وغيرهم من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٢) ومسلم (٤١٤) من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن أنس وعائشة وغيرهما.
(٣) ضمن الحديث السابق.
[ ١٦ / ٢٢٦ ]
الصحابة كان يقرأ زيادة على الفاتحة خلف النبي - ﵌ -[] فنهاهم، ولم يكن ذلك مشروعًا ثم نُسخ.
وأما قصة معاذ: فأخرجها أبو داود وغيره (^١)، وفيها كلام.
وعلى كل حال، فينبغي أن نتدبَّر ما أشار إليه العثماني من الأوامر والنواهي، فإذا كانت دلالتها واضحةً على المنع من اقتداء المفترض بالمتنفل، بحيث لا يمكن الجمع بينها وبين أدلة المجيزين إلا بنسخ أحد [القبيلين] للآخر، فدلائل المنع أولى بأن تكون الناسخة. والله أعلم.
ومما احتجوا به حديث: «الإمام ضامن».
قالوا: وصلاة المأموم لا تكون في ذمة الإمام، فتعين أن يكون «ضامن» بمعنى متضمن، أي محتوٍ مشتمل، كما قال الشاعر (^٢):
بالباعثِ الوارثِ الأمواتِ قد ضَمِنَتْ إيّاهم الأرضُ في دهرِ الدَّهارير
فالمعنى أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم بأن تكون صلاة المأموم في ضمن صلاة الإمام.
قالوا: والشيء لا يتضمّن ما فوقه، وإنما يتضمّن ما هو مثله أو دونه.
أقول: لا يخفى أن «ضامن» بمعنى متضمِّن أي محتوٍ مشتمل، قليل في الاستعمال، ومع ذلك فالذي في الحديث «الإمام ضامن»، فحَمْلُه على
_________________
(١) سبق تخريجه والكلام عليه.
(٢) البيت للفرزدق في «ديوانه» (١/ ٢١٤) ولأمية بن أبي الصلت في «الخصائص» (١/ ٣٠٧، ٢/ ١٩٥).
[ ١٦ / ٢٢٧ ]
معنى: «صلاة الإمام ضامنة» مُحوِجٌ إلى تقديرٍ الأصلُ عدمه، وفي تضمُّن الشيء ما هو مثله نظرٌ، والمعروف أن الشيء إنما يتضمن ما هو دونه، كما في تضمن الأرض للموتى.
وعلى هذا، فيلزم من الحمل على هذا المعنى أن لا يصحَّ اقتداء المفترض بالمفترض، والمتنفل بالمتنفل.
وقولهم: «صلاة المأموم لا تكون في ذمة الإمام» إن سلم فذاك إذا حُمِل على ضمان الدين.
والصواب أنّ ما في الحديث من باب ضمان العين، كما في ضمان العين المستعارة والمستأجرة والمستأجَر على إصلاحها، ويُؤيِّده قولُه عقبه: «والمؤذن مؤتمن»، وفي بعض طرقه زيادة «اللهم أَرشِدِ الأئمة، واغفر للمؤذنين» (^١).
وكما أن ضامن العين المالية يكون عليها بدلُها إذا تَلِفتْ، وأَرْشُ نقصِها إذا نقصتْ، على التفصيل المعروف في الفقه، فكذلك الإمام ضامن لصلاة المأموم عليه بدلُها إذا تَلِفتْ بسببه، وأرْشُ نقصِها إذا نقصَتْ بسببه، غير أن البدل والأَرْشَ هنا إنما يُستوفى في الآخرة، فإذا كان الإمام مُحدِثًا وهو يعلم ذلك، ولا يعلمه المأموم، فصلاة المأموم في نفس الأمر تالفة، والإمام ضامن لها غارم، ومعنى الغرامة ــ والله أعلم ــ أن الله ﷿ يكتب للمأموم صلاة صحيحة، ويَحْرِم الإمامَ ثوابَ صلاة من صلواته الصحيحة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٨١٨) والترمذي (٢٠٧) وابن خزيمة (١٥٢٨) وغيرهم من حديث أبي هريرة. وإسناده صحيح.
[ ١٦ / ٢٢٨ ]
أو قُلْ: يأخذ صلاةً من صلوات الإمام الصحيحة، فيجعلها للمأموم بدلًا من صلاته التي أتلفها الإمام، ويكون الإمام مسؤولًا عن صلاته هذه التي صلّى وهو مُحدِث، وعن صلاته التي أُخِذت منه؛ لأنها إذا أُخِذت منه صار في معنى مَن لم يُصلِّها.
وقِسْ على هذا، وكذلك في النقص.
ومما يُؤيِّد هذا ما أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٢١٦) وابن ماجه (^١) من طريق عبد الحميد بن سليمان أخي فليح عن أبي حازم: أن سهل بن سعد كان يُقدِّم فتيانًا يصلُّون به، فقلت: أنت صاحب رسول الله - ﵌ -، [ق ٢٤] ولك من الفضل والسابقة، تُقدِّم هؤلاء الصبيان، فيصلُّون بك؟ أفلا تتقدَّم فتصلِّي لقومك؟ فقال: إن رسول الله - ﵌ - قال: «إن الإمام ضامن، فإن أتمَّ كان له ولهم، وإن نقصَ كان عليه ولا عليهم» فلا أريد أن أتحمَّلَ ذلك. لفظ الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.
كذا قال، مع أن عبد الحميد لم يُخرِّج له مسلم، وضعّفه ابن معين وابن المديني وغيرهما، وأحسنُ ما قيل فيه قول الإمام أحمد: ما كان أرى به بأسًا (^٢) (^٣).
_________________
(١) رقم (٩٨١).
(٢) انظر «تهذيب التهذيب» (٦/ ١١٦).
(٣) في موسوعة أقوال الإمام أحمد: أنه سُئل عن حديثه فقال: «لا أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأسًا» اهـ. هكذا بتقديم «أرى» على «كان».
[ ١٦ / ٢٢٩ ]
وبالجملة، فهو كما قال ابن عَدي: ممن يُكتَب حديثُه، فيصلح للاستشهاد والاعتضاد.
وقوله: «فإن أتمَّ كان له ولهم، وإن نقصَ كان له ولا عليهم» لها شواهد ذكر البخاري في «الصحيح» (^١) بعضها في باب إذا لم يُتِمَّ الإمام وأتمَّ مَن خلفه، وذكر ابن حجر في «فتح الباري» (^٢) بعضها.
ووجه التفرقة بين الإمام والمؤذن ــ والله أعلم ــ أن الذي يتعلق بالمؤذن شيء واحد وهو دخول الوقت، والعلم بذلك متيسر للناس، فيمكنهم إذا قصَّر المؤذن أو أخطأ أن يعرفوا ذلك بسهولة، ولا يضطرُّهم شيء إلى اتباع المؤذن إذا تبين لهم خطاؤه.
وأما الإمام فإنه يتعلق به أشياء كثيرة في الصلاة:
فمن إخلاله وتقصيره ما لا يمكن أن يعرفه المقتدي، كالحدث الخفي، والنجاسة الخفية، والإخلال بقراءة الفاتحة في السرّية، وعدم الاطمئنان في الركوع والسجود، ولاسيّما في الظلمة، وغير ذلك.
ومنه ما قد يعلمه المقتدي، ولا يمكنه الإتمام لنفسه، كترك الإمام القراءة بالسور المستحبة، كالجمعة والمنافقين في عشاء الجمعة، والسجدة والدهر في صبحها.
ومنها: ما يمكنه أن يُتِمَّه لنفسه، ولكن يفوته فيه فضل الاتباع، فإن فضل الصلاة في الجماعة ببضع وعشرين، فالسنة التي يؤديها الإمام والمأموم معًا
_________________
(١) (٢/ ١٨٧) «مع الفتح».
(٢) (٢/ ١٨٧).
[ ١٦ / ٢٣٠ ]
كالتسبيح في الركوع والسجود يكون ثوابها
_________________
(١) والله أعلم بذلك التضعيف، فإذا تركها الإمام، وأدَّاها المأموم فالأصل أن لا يكون له ذلك التضعيف، إلا أن يُعوِّضه الله ﷿ من حسنات الإمام؛ لأن الفوات إنما جاء بتقصير الإمام. فقوله: «الإمام ضامن» لو انفردت كان الظاهر أن يتضمن ما تعمَّد الإخلالَ به، أو أخطأ ولكن لتقصيرٍ بيِّن. فأما إذا قُرنتَ بقوله: «والمؤذن مؤتمن» فإن ذلك يُشعِر بأن الإمام يضمن وإن لم يُقصِّر، وذلك أن من الأشياء ما تُضمن بشرط التقصير كالوديعة، ومنها ما تضمن وإن لم يقصّر، كالمبيع في يد المشتري إذا عرض له نقص كقطع رجل الدابة مثلًا، ثم ظهر به عيب قديم، فأراد المشتري أن يردَّه، فإن النقص الحادث محكوم به على المشتري، وإن كان بدون تقصيره، والمؤتمن يضمن إذا قصَّر. فلو كان الإمام لا يضمن إلا إذا قصَّر لكان مساويًا للمؤذن، فلما فرق بينهما فقيل: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن» دلَّ ذلك على أن ضمان الإمام أشدُّ، وتأكَّد ذلك بما في بعض الروايات: «اللهم أَرشِدِ الأئمة واغْفِر للمؤذنين»، فدعا للأئمة بالإرشاد حتى لا يقع منهم إخلال، ودعا للمؤذنين بالمغفرة، وذلك يُشعِر بأن الأئمة إذا أخلُّوا فلابدَّ من الضمان، وأما المؤذنون فيُرجَى أن لا يَضمَنوا، ولذلك دعا لهم بالمغفرة. هذا ما يُشعِر به هذا اللفظ، وأما حقيقة الحال فتُعلَم بالرجوع إلى الأصول القطعية. فإن قيل: وكيف يَضْمَن المتنفل، ويَغْرَم للمفترض؟ قلت: إذا رضي أن يكون إمامًا فقد التزم، فيلزمه ما التزم، وإن كان متنفلًا.
[ ١٦ / ٢٣١ ]
والمقصود أن الحديث ظاهر في هذا المعنى، وهو معنى صحيح لا غبار عليه، فلا وجهَ لحمله على ذلك المعنى البعيد، مع ما يلزم عليه مما مرّ. والله أعلم.
[ق ٢٥] ومما احتجوا به حديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به».
قال العثماني (^١): «يدلُّ على أن الإمام لا يكون إمامًا إلا إذا ربط المقتدي صلاتَه بصلاته، بحيث يُمكِنه الدخولُ في صلاته بنية الإمام ».
أقول: قد يقرّر هذا بأن الحديث دلّ على أن شرع الإمام إنما كان للائتمام، وعُلِم بذلك أنه إذا انتفى الائتمام انتفى شرع الإمامة، والائتمام يشمل الائتمام في أصل الصلاة المَنْويَّة وفي أعمالها، فإذا أراد مفترض أن يقتدي بمتنفل، قيل له: أنت غير مؤتمٍّ به في أصل صلاتك فكيف تتخذه إمامًا أو أنت ناوٍ أن لا تأتم به في أصل صلاتك، فكيف يصحّ مع ذلك نيتك أن تتخذه إمامًا؟
والجواب: أنها قد تقدمتْ أدلة الجواز، واستقر الأمر على أن ذلك قد كان جائزًا صحيحًا يومًا ما في عهده - ﵌ -، والأصل استمرار ذلك إلا أن يثبت ناسخ، فاعلم الآن أن هذا الحديث لا يصلح ناسخًا؛ لأنه صريح في أن شرع الإمامة لم يكن أصلًا إلا للائتمام، فالائتمام المراد فيه، إما أن يصدق بائتمام المفترض بالمتنفل على ما تقدم في أدلة الجواز وإما أن لا يصدق، الثاني باطل؛ لأنه قد ثبت الجواز والصحة بعد شرع الإمامة، كما تقدم في أدلة الجواز، فتعين الأول.
_________________
(١) «فتح الملهم» (٣/ ٤٣٣).
[ ١٦ / ٢٣٢ ]
فتقرر بهذا أنه يكفي في الائتمام في أصل الصلاة أن ينوي كلٌّ منهما الصلاة، وأن تتفق الصلاتانِ بأن لا تكون إحداهما صلاة جنازة، والأخرى ذات ركوع وسجود، ونحو ذلك مما هو مفصَّل في كتب الفقه.
فإن قيل: سلَّمنا أن الحديث صريح في أن الإمامة إنما شُرِعت للائتمام، ولكنا نقول: هذه العلة لم يجب العمل بحسبها تمامًا من أول الأمر، بل كان الأمر على التدريج، فكأنه قيل: المقصود من شَرْعِ الإمامة هو الائتمام في كل شيء، ولكن في ذلك الوقت رُخِّص بالإخلال ببعض ذلك لحكمة التدريج.
أو يقال: الإمامة إنما شُرِعت للائتمام، والائتمام يتفاوت، فاكتُفِي أولَ الأمر بائتمام غير كامل؛ لمصلحة التدريج إلى الائتمام الكامل.
قلت: في هذا نظر من وجوه:
الأول: أن الحديث وإن احتمل هذا المعنى، فهو محتمل لما قلنا، لعل ما قلنا أقرب.
الثاني: أن التدريج إنما يقع في الشرع لمصلحة، كالتدريج في تحريم الخمر وغيره، وقد تظهر المصلحة في سنة معاذ، وذلك أن المسبوق يَشُقّ عليه أن يتابع الإمام فيما هو فيه، ثم يقضي بعد ذلك ما فاته؛ لأنه قد يدركه في ثانية المغرب بحيث لا تحسب له تلك الركعة، وقد أتى ببعضها، فيحتاج إلى أن يتشهد معه التشهد الأول والثاني، وليسا محسوبَيْنِ له، ثم يقوم فيصلّي ركعة ويتشهد، ثم أخرى ويتشهد.
وقريب من هذا قد يتفق في الصلوات الأخرى، فأما إذا بدأ فصلَّى
[ ١٦ / ٢٣٣ ]
لنفسه حتى لحِقَ الإمام فوافقه، فإنه يسلِّم معه، فرُخِّص لهم أولًا فيما يَخِفُّ عليهم، ومع ذلك فليس في ذلك مخالفةٌ لحديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به»؛ لأن المسبوق إنما كان يصلّي ما سبق به منفردًا قبل أن يجعل الإمام إمامًا له، فإذا وصل إلى ما فيه الإمام اتخذه إمامًا من حينئذ، ووافقه وتابعه.
فأما اقتداء المفترض بالمتنفل: فلا يظهر لي فيه شيء من هذا القبيل.
الثالث: أن العمل إذا شُرِع لمعنى، واقتضت الحكمة التدريج في إبلاغ ذلك العمل غايتَه فالمعقول أن يرعى فيه أولًا المقصود الأهم، ويكون التدريج في الفروع. وأنتم تزعمون أن الموافقة في النية هي الأصل، حتى أن لا ينعقد عندكم إلا بها، فلو كان الأمر كما زعمتم لكان الظاهر أن يُهتمّ أولًا بالموافقة في النية، ويكون التدريج في الموافقة الظاهرة، فكيف وانعكس الحال؟ !
الرابع: أن النبي - ﵌ - فصَّل في حديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به» أشياء، قال: «فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا» وزاد في رواية: «فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا سجد فاسجدوا» إلى غير ذلك.
فنصَّ على المتابعة التي قد علموا أنها مشروعة، فلو أريد به نسخ جواز اقتداء المفترض بالمتنفل لكان أولى بأن ينصَّ عليه مما ذكر.
الخامس: أنه نصَّ على المتابعة في الأفعال تفصيلًا، والمتابعة في النية على حسب دعواكم أهمُّ منها، فلو كان الأمر كما قلتم لكان النص على المتابعة في النية
_________________
(١) على حسب دعواكم أولى.
[ ١٦ / ٢٣٤ ]
هذا، وقد نصّ في هذا الحديث على قوله: «وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا» فبيَّن أن هذا من الائتمام الذي شُرِعت له الإمامة، وعندكم أن هذا منسوخ، وقال جماعة منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي: إن الإمام إذا صلَّى قاعدًا لعذرٍ وجب على المأموم إذا لم يكن معذورًا أن يصلِّي قائمًا، ولا يخفى فُحْشُ المخالفة في هذا.
واتفقوا على صحة اقتداء المتنفل بالمفترض مع اختلاف النية، وهو مخالف قطعًا لهذا الحديث، لو كان شاملًا للائتمام في النية على ما قلتم في اقتداء المفترض بالمتنفل.
واتفقوا على أن من المخالفة في بعض ما نصّ عليه في التفصيل ما لا يبطل الصلاة ولا القدوة، حتى ولو كانت لغير عذر، فما لم ينصّ عليه أولى.
فغاية الأمر أن يكون اقتداء المفترض بالمفترض أولى من اقتدائه بالمتنفل؛ لمخالفته له في بعض النية، فإن كان لعذر ما فلا حرج، وبهذا تتفق الأدلة بدون حاجة إلى نسخ، ولا فسْخٍ.
هذا، وفي «الفتح» (^١): عن ابن حبان أن القصة التي في هذا الحديث ــ وهي أنه - ﵌ - جُحِش شِقُّه الأيمن، فصلَّى جالسًا، فصلّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما سلّم قال: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به » ــ كانت في ذي الحجة سنة خمس. وعلى هذا فهي متقدمة على صلاته في الخوف بطائفةٍ ركعتين، ثم بطائفةٍ ركعتين، لأنها كانت بنَخْلٍ في غزوة محارب وثعلبة، وهي ذات الرقاع، فإن البخاري اختار أنها كانت بعد خيبر،
_________________
(١) (٢/ ١٧٨). وانظر «صحيح ابن حبان» (٥/ ٤٩٢).
[ ١٦ / ٢٣٥ ]
واستدلّ على ذلك بأدلّة. والله أعلم.
ومما احتجوا به قوله في بعض طرق هذا الحديث: «ولا تختلفوا عليه» (^١).
قال العثماني (^٢): «فإنه يشمل الاختلافَ عليه في الأفعال الباطنة».
ويُجاب: بأن حقيقة اختلافهم عليه هو أن يكون بعضهم موافقًا، وبعضهم مخالفًا.
ولفظ مسلم (^٣): «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهمَّ ربَّنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون».
فقوله: «أجمعون» يعود ــ والله أعلم ــ إلى جميع الجمل قوله: «فإذا كبَّر فكبِّروا » وما بعدها.
وقد علمتَ من الكلام على الدليل السابق جوازَ أن يصلِّي المأمومون كلهم مفترضين، والإمام متنفل، وأن ذلك ليس من الخلاف للائتمام الذي شُرِعت له الإمامة، فأولى من ذلك أن يكون بعضهم مفترضًا، وبعضهم متنفلًا.
وبالجملة، فالتفصيل في الحديثين يدلُّ أن الموافقة والمتابعة المطلوبة
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) «فتح الملهم» (٣/ ٤٣٣).
(٣) رقم (٤١٤).
[ ١٦ / ٢٣٦ ]
إنما هي في الصفة الظاهرة، فأما الباطن فأصل مقصود الشارع من الباطن الإخلاصُ والخضوع وصدق التوجه إلى الرب سبحانه، وكلّ مصلٍّ مأمورٌ بذلك، فإذا اتفقوا فيه فقد اتفقوا في كل شيء من مقصود الباطن.
هذا، وإذا دقَّ عليك فهمُ بعض ما تقدم، فيكفيك أن تعلم أن غاية ما في قوله: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به» وقوله: «فلا تختلفوا عليه» أن يكون ظاهر اللفظ يتناول الموافقة في نية الصلاة فرضًا ونفلًا.
ويجاب عنه: بأن هذا العموم
_________________
(١) على تسليمه مخصَّص بأدلة الجواز، وقد تقدَّم عن ابن حبان والبخاري ما يقتضي أن بعض أدلة الجواز متأخرة حتمًا عن هذا الحديث. وما ذكره العثماني من أنَّ الظاهر التأخرُ، لا يصادم النقل. فإن سُلِّم الجهل بالتاريخ، أو تأخَّر هذا الحديث عن أدلة الجواز، فالصحيح في الأصول: العمل بالتخصيص أيضًا، وقد تأكّد ذلك بأنه في التفصيل اقتصر على الأعمال الظاهرة، مع أن المتابعة فيها كانت معلومة عندهم، فلو أريد نسخُ جواز ائتمام المفترض بالمتنفل لكان النصّ عليه في التفصيل أولى وأحرى. وأيضًا، فهذا العموم على تسليمه قد خُصَّ عند جماعة منهم أبو يوسف وأبو حنيفة والشافعي، قالوا: إذا صلى الإمام جالسًا لم يجب الجلوس على المأموم، بل يجب عليه القيام في الفرض. بل خُصَّ بالنظر إلى اختلاف النية اتفاقًا، فأجازوا ائتمام المتنفل بالمفترض.
[ ١٦ / ٢٣٧ ]