فصل
وقع في رواية الثلاثة الآخرين بعض الاختلاف:
أما أبو الزبير: فقد تقدم رواية ابن عيينة عنه، وكذلك رواية الليث، وفيها: «صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء». ووقع في روايةٍ عنه عند عبد الرزاق: «المغرب» كذا نبَّه عليه ابن حجر في «فتح الباري» (^١).
وأما محارب: فتقدم برواية الأعمش عنه: «قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة»، ورواه ابن مهدي عن الثوري عن محارب «المغرب»، ذكره النسائي (^٢) في باب القراءة في المغرب بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وقال أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٠) (^٣): ثنا وكيع عن سفيان عن محارب .. عن جابر: «أن معاذًا صلَّى بأصحابه، فقرأ البقرة في الفجر، وقال عبد الرحمن ــ يعنى ابن مهدي ــ: المغرب».
وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (ص ٢٣٩) (^٤): حدثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا يقول: انتهى رجل من الأنصار معه ناضحانِ له إلى معاذٍ وهو يصلِّي المغرب، فاستفتح معاذ بسورة البقرة أو النساء ــ قال شعبة: شكَّ محارب ــ، فلما رأى ذلك الرجل صلَّى، ثم انطلق، فبلغ الرجلَ أن معاذًا يقول: هو منافق، فأتى رسولَ الله - ﵌ -، فذكر ذلك له، فقال رسول
_________________
(١) (٢/ ١٩٣).
(٢) (٢/ ١٦٨).
(٣) رقم (١٤٢٠٢).
(٤) رقم (١٧٢٨).
[ ١٦ / ١٧٢ ]
الله: «يا معاذُ، أفتَّان أفتان، أو قال: فاتن، أَوَ لَا قرأتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أو ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ــ قال شعبة: شكَّ محارب ــ وراءك ذو الحاجة والصغير، أو قال: الضعيف ــ شكَّ محارب».
وقد رواه أبو عَوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٨) من طريق أبي النضر وأبي داود الطيالسي قالا: ثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا قال: «أقبل رجلٌ بنا ضحينِ، وقد جَنَحَ الليلُ، فوافق معاذًا يصلِّي المغرب»، وذكر حديثه في هذا.
وأخرجه أحمد في «المسند» (٣/ ٢٩٩) (^١) عن محمد بن جعفر وحجاج عن شعبة، ولفظه: «أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحانِ له، وقد جَنَحَتِ الشمسُ، ومعاذٌ يُصلِّي المغرب » فساقه قريبًا من لفظ الطيالسي.
وأخرجه البخاري في «الصحيح» (^٢) عن آدم عن شعبة، وفيه: «أقبل رجل بناضحَينِ وقد جنح الليلُ، فوافق معاذًا يُصلِّي، فترك ناضِحَه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء فلولا صلَّيتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾». أحسب هذا في الحديث.
قال البخاري (^٣): وتابعه سعيد بن مسروق ومِسْعَر والشيباني. قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة»، وتابعه الأعمش عن محارب.
_________________
(١) رقم (١٤١٩٠).
(٢) رقم (٧٠٥).
(٣) بعد الحديث المذكور.
[ ١٦ / ١٧٣ ]
وذكر الحافظ في «الفتح» (^١) أن رواية مِسْعر عن محارب وصلها السرَّاج، وأنه وقع عنده «البقرة والنساء».
وأما رواية سعيد بن مسروق فعند أبي عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٨) وفي النسخة خطأ، ولفظها: «أن معاذًا أمَّ قومَه في صلاة المغرب، فمرَّ غلام من الأنصار »، وذكر حديثه في هذا.
وأما عبد الرحمن بن جابر: فقال أبو داود (^٢) في باب تخفيف الصلاة: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا طالب بن حبيب، سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي كعب: أنه أتى معاذَ بن جبل وهو يُصلِّي بقومٍ صلاةَ المغرب ــ في هذا الخبر ــ قال: فقال رسول الله - ﵌ -: «يا معاذُ، لا تكن فتّانًا، فإنه يصلِّي وراءك الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة والمسافر».
وفي «الفتح» (^٣) أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية عن جابر قال: «كان أُبي بن كعب يُصلِّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار » وفي آخره من كلام النبي - ﵌ -: «إنَّ منكم منفِّرينَ فإنَّ خلفكم الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ وذا الحاجة».
وذكر الحافظ (^٤) أن هذه القصة هي نفس القصة التي في «الصحيحين» (^٥)
_________________
(١) (٢/ ٢٠١، ١٩٣). وهو في «مسند السرّاج» (١٧٥) تحقيق إرشاد الحق الأثري.
(٢) رقم (٧٩١).
(٣) (٢/ ١٩٨). وهو في «مسند» أبي يعلى (١٧٩٢).
(٤) في المصدر السابق.
(٥) البخاري (٧٠٢) ومسلم (٤٦٦).
[ ١٦ / ١٧٤ ]
عن أبي مسعود الأنصاري: «أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ».
وفي «مسند أحمد» (٥/ ٣٥٥) (^١): ثنا زيد بن الحُباب حدثنى حسين ثنا عبد الله بن بُريدة قال: سمعتُ أبي بُريدةَ يقول: إن معاذَ بن جبل يقول (^٢): صلَّى بأصحابه صلاةَ العشاء، فقرأ فيها بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، فقام رجل وأتى الرجل النبي - ﵌ -، فاعتذر إليه، فقال: إني كنتُ أعمل في نخلٍ، فخِفتُ على الماء، فقال رسول الله - ﵌ -: «صَلِّ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوِها من السور».
وفي «المسند» أيضًا (٣/ ١٢٤) (^٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صُهَيب ــ وقال مرة: أخبرنا عبد العزيز بن صُهيب ــ عن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومَه، فدخل حرامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه، فدخل المسجدَ ليصلِّي مع القوم، فلما رأى معاذًا طوَّلَ تجوَّزَ في صلاته، ولَحِقَ بنَخْلِه يَسْقيه فأقبل النبي - ﵌ - على معاذ، فقال: «أفتَّانٌ أنتَ؟ أفتَّان أنت؟ لا تُطوِّلْ بهم، اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما».
_________________
(١) رقم (٢٣٠٠٨).
(٢) كذا بزيادة «يقول» في الطبعة القديمة من «المسند». ولا توجد في الأصول الخطية والنسخة المحققة.
(٣) رقم (١٢٢٤٧).
[ ١٦ / ١٧٥ ]
وفي «المسند» أيضًا (٥/ ٧٤) (^١): ثنا عفّان ثنا وُهَيب ثنا عمرو بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة الأنصاري عن رجل من بني سَلِمةَ يقال له: سُلَيم، أتى رسولَ الله - ﵌ - فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فيُنادِي بالصلاة، فنخرج إليه، فيُطوِّل علينا، فقال رسول الله - ﵌ -: «يا معاذ بن جبل، لا تكنْ فتَّانًا، إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّفَ على قومك» ثم قال سليم: ستَرونَ غدًا إذا التقى القومُ إن شاء الله، قال: والناس يتجهزون إلى أُحُدٍ، فخرَج، وكان في الشهداء، رحمة الله ورضوانه عليه.
وذكره الحافظ في «الفتح» (^٢) ثم قال: وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أن رجلًا من بني سلمة .. فذكر مرسلًا، ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضًا.
أقول: والسياق يُشبِه سياق رواية عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر كما في «سنن» البيهقي (٣/ ١١٧)، لكن ليس في رواية ابن مقسم «إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك».
ومعاذ بن رفاعة لم يدرك سليمًا؛ لأن سليمًا استشهد بأحد كما في القصة، ولكن يمكن أن يكون سمعها من جابر أو غيره. والله أعلم.
_________________
(١) رقم (٢٠٦٩٩).
(٢) (٢/ ١٩٤). وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٠٩)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ٦٧).
[ ١٦ / ١٧٦ ]
قال الحافظ في «الفتح» (^١): وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأيَّد ذلك بالاختلاف في الصلاة: هل هي العشاء أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة: أهي البقرة، أو ﴿اقْتَرَبَتِ﴾؟ وبالاختلاف في عذر الرجل: هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل وهو تَعْبان، أو لكونه أراد أن يَسْقِيَ نخلَه إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بريدة ويحتمل أن يكون النهي أولًا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنَّتْ نفوسُهم بالإسلام ظنَّ أن المانع زال، فقرأ بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ فصادف صاحب الشغل.
أقول مستعينًا بالله ﷿: حديث أنس سندُه بغاية القوة، وهو ظاهر في أن الصلاة التي أطالها معاذ هي الصبح، فمن المحتمل أن يكون معاذ صلَّى الصبح فأطال ففارقه حرام، وصلَّى العشاء فأطال ففارقه سُلَيم، اتفق الأمرانِ في يومٍ، أو أيامٍ متقاربة، فكان معاذ يَعْتِبُ على كلٍّ منهما، فبلغَ النبيَّ - ﵌ - الأمرانِ، فعاتب معاذًا، ولذلك كرَّر عليه: «أفتّان أفتّان أفتّان».
وانفرد أنس بذكر قصة حرام؛ لأنه خاله، وانفرد جابر بذكر قصة سليم؛ لأنه من رهطه، وقضى الله ﷿ أن استشهد الرجلان: سُلَيم وحرام، الأول بأُحُد والثاني ببئر معونة.
وأما حديث حسين ــ وهو ابن واقد ــ عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: فأحسِبُه انتقل ذهن الراوي من قصة إلى قصة، فجاء المتن ملفَّقًا، وقد استنكر أحمد أحاديث حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة جدًّا.
_________________
(١) (٢/ ١٩٤).
[ ١٦ / ١٧٧ ]