فصل
أجاب بعض أئمة الحنفية في الهند (^١) عن حديث معاذ: بأن أصل القصة إنما هي أن معاذًا كان يُصلِّي مع النبي - ﵌ - المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم في العشاء والصبح، فإن في حديث الترمذي (^٢): «أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - المغربَ، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم». وفي «الصحيحين» (^٣): «كان معاذ بن جبل يُصلِّي مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى بهم العشاء، فقرأ بالبقرة».
وفي موضع في رواية الترمذي اختصار فلم يذكر العشاء، وفي حديث الصحيح اختصار فلم يذكر المغرب، فلما تعدّد اللفظ منهما تصرَّف فيه الرواة على حسب ظنونهم.
أقول: قد تقدَّم الكلام على حديث الترمذي، ويكفيك أن تراجع الروايات، وتتدبَّرها، لتعلم حال هذا الجواب. والله المستعان.
وأجاب هذا الإمام (^٤) عن حديث صلاة الخوف أن الصلاة التي قيل في حكايتها إنه صلَّى بطائفةٍ ركعتين، ثم صلَّى بطائفة ركعتين، فكان له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ووقع في بعض الروايات زيادة «ثم سلم»، إنما المراد بها الصفة التي رواها صالح بن خوّات عمن شهد ذات الرقاع، أنه
_________________
(١) هو الشيخ أنور شاه الكشميري في «فيض الباري» (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) رقم (٥٨٣).
(٣) البخاري (٧٠١) ومسلم (٤٦٥).
(٤) «فيض الباري» (٣/ ٢٤٧).
[ ١٦ / ٢٢٢ ]
صلَّى بطائفةٍ ركعةً ثم ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم وذهبوا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم ركعةً، وثبتَ جالسًا حتى أتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم.
وإنما تجوَّز الراوي فاعتبرَ ثباتَ الإمام قائمًا حتى صلَّت الطائفة الأولى ركعتها الثانية، ركعةً تابعة له أي الإمام، وكذلك اعتبر ثباته جالسًا حتى صلت الطائفة الثانية ركعتها ركعة أخرى له.
فالحاصل: أن الإمام صلّى بالطائفة الأولى ركعة على الحقيقة، وانتظرها حتى صلَّت ركعة أخرى، فكان كأنه صلَّى ركعة أخرى، فتكون له ركعتان بهذا التجوُّز. ثم صلَّى بالطائفة الثانية ركعةً على الحقيقة، ثم انتظرها حتى صلَّت ركعة أخرى، فكان كأنه صلَّى ركعة أخرى. وأما زيادة «ثم سلَّم» في الوسط فتجوُّزٌ أيضًا، والمعنى أن الطائفة الأولى سلَّمت لأنفسها، فأضيف ذاك السلام إلى الإمام.
أقول: لا يخفى ما في هذا التأويل من البعد، مع أنه لا مُلْجِئَ إليه؛ لأن الرباعية تتكرَّر في اليوم ثلاث مرات، وقد يُحتاج في الغزوة الواحدة إلى صلاة الخوف في يومين وأكثر.
والظاهر أن الصلاة التي صلّاها بنخلٍ ركعتين ثم ركعتين هي الظهر كما في رواية الشافعي وغيرها، وأن الصلاة التي صلّاها كما في رواية صالح بن خوّات عمن شهد هي العصر، وقد جاء مثلها عن جابر كما تقدم، ورواية قتادة عن سليمان بن قيس تُؤيِّد ذلك، وقد تقدَّم البحث فيها.
وهبْ أنه لا دليلَ على هذا، فهو على الأقلّ محتملٌ احتمالًا ظاهرًا، وإذا كان كذلك فلا مُلجِئَ إلى ما ادّعاه هذا الإمام من حمْلِ الكلام على التعمية والإلغاز. والله الموفق.
[ ١٦ / ٢٢٣ ]
وقد يجاب: بأن في رواية قتادة عن سليمان بن قيس أن تلك الصلاة كانت قبل نزول آية النساء في صلاة الخوف، وأن الآية نزلت بعدها، وعلى هذا فهذه الصفة منسوخة.
أقول: قد تقدَّم الكلام على رواية قتادة عن سليمان، وأن قتادة مدلِّس، فيجوز أن يروي عن سليمان ما سمعه من غيره مما ليس في الصحيفة، وعلى فرض أنه إنما يروي عنه من تلك الصحيفة، ففي جواز الاحتجاج بما في الصحيفة وحده نظر، مع أن اعتماد جماعة من الأكابر عليها يُقوِّي شأنها، ولكن الذي يظهر من اعتمادهم عليها إنما هو في الرواية، ولم يتبين اعتمادهم عليها في الاحتجاج.
فأما فتوى الحسن بصلاة الخوف مرتين بكل طائفة مرة، فلعله إنما اعتمد في ذلك على روايته عن أبي بكرة، ولعل روايته عن جابر لم تكن عن الصحيفة، بل عن طريق غيرها، كما يظهر من زيادته في روايته: «ثم سلَّم»، وليس ذلك في رواية أبي بشر وقتادة، حتى إن قتادة لما أراد [أن] يروي بزيادة «ثم سلَّم» رواه عن الحسن عن جابر، كما مر.
وقد تقدم أن رواية مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي معارضة لرواية قتادة عن سليمان في تاريخ نزول الآية، وإن لم يتضح التاريخ، وأن البخاري رجَّح تأخُّر غزوة ذات الرقاع، فتكون على هذا قصة جابر متأخرةً عن قصة أبي عيّاش، وكذلك رواية أبي بكرة، إن صحّ ما في بعض الروايات أنه شهد تلك الصلاة مع النبي - ﵌ -، فهي متأخرة عن نزول الآية [ق ٢٣] حتمًا، وإلا فالأمر محتمل.
[ ١٦ / ٢٢٤ ]
فإن قيل: مما يدلّ على تقدُّمِ هذه الصلاة على نزول الآية أنها مخالفة لظاهر الآية، فإن في الآية: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. فظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ الأمرُ بتأخُّرهم عقب الركعة الأولى.
قلت: قد يحتمل أن يكون صالحًا للسجود في الأولى، والسجود في الثانية، فيكون ذلك صالحًا لهذه الصفة التي فيها أنه يُصلِّي بكل طائفة مرةً.
وعلى فرض أنه صالح لها، فقد تقدم أن الصفة التي فيها صلاة الإمام بكل طائفةٍ ركعة هي من القصر الذي أباحه الله ﷿ أول هذه الآية، إذ قال سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فقوله بعد ذلك: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ إنما هو بيان لذلك القصر الذي أباحه، أو لبعض أنواعه، وإذا كان كذلك فليس الأمر لإيجاب هذه الصفة بعينها، لما علمتَ أنها بيان للمباح، بدليل اقتصاره على نفي الجناح.
ومما يدل على هذا أن النبي - ﵌ - قد صلَّى بعد نزول الآية صلاة الخوف بأوجهٍ أخرى، منها ما يخالف ظاهر الآية. فبان بهذا أن تلك الصلاة التي فيها أنه صلَّى بهؤلاء مرةً، وبهؤلاء مرةً، أن فرض تقدمها على نزول الآية، فليس في الآية ولا في صلاة النبي - ﵌ - بعض الأحيان بحسب ظاهر الآية ما يوجب نسخَ الصفة السابقة، فتدبر! والله الموفق.
[ ١٦ / ٢٢٥ ]