وكذلك حديث طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر: أخشى أن يكون ملفَّقًا من عدة قصص، وأخشى أن لا يكون هناك وجودٌ لحَزْم بن أبي كعب، وإنما وقع تحريف وتغيير، وذهاب إلى واقعة أبي بن كعب، وأكثر ما يقع في الكتب [ق ١٤] في هذه الطريق: «حزم بن أبي كعب»، وقد قال البخاري (^١) في طالب: «فيه نظر»، ولم يُوثِّقه أحد، إلا أن ابن حبّان ذكره في «الثقات» (^٢)، وليس ذلك بنافعٍ له؛ لما عُرِف من شرط ابن حبان، مع تساهله حتى أنه لا يفي بشرطه، كما بينتُه في موضع آخر.
وأما محارب: فإنه لم يضبط هذا الحديث، كما عُرِف من كثرة شكِّه فيه، واضطرابِه، كما يُعلَم مما تقدم، وأحسبه سمع في هذا الباب عدة أحاديث متقاربة المعنى، فكان يلتبس عليه بعضها ببعض.
وبالجملة، فما وقع في تلك الرواية عن أبي الزبير من ذكر المغرب إذا ضُمّ إلى وقوع ذلك في أكثر الروايات عن محارب، مع وقوعه في روايةٍ لطالب، وإن ظهر أنه خطأ، فإنه يدل على أنّ هناك قصةً أخرى تتعلق بالمغرب.
فصل
قال البخاري في «الصحيح» (^٣): «باب إذ اصلَّى ثمَّ أمَّ قومًا: حدثنا سليمان بن حرب وأبو النعمان قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن
_________________
(١) في «التاريخ الكبير» (٤/ ٣٦٠).
(٢) (٦/ ٤٩٢).
(٣) (٢/ ٢٠٣) (مع الفتح)، ورقم الحديث (٧١١).
[ ١٦ / ١٧٨ ]
عمرو بن دينار عن جابر قال: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي - ﵌ -، ثم يأتي قومَه فيُصلِّي بهم».
وكذلك أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٧) من طريق أبي معمر وعبد الوارث عن أيوب عن عمرو، ومن طريق سليمان بن حرب ومسدد ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو.
وقال مسلم في «الصحيح» (^١): حدثنا قُتيبة بن سعيد وأبو الربيع الزهراني، قال أبو الربيع: ثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن عمروبن دينار عن جابر بن عبد الله قال: «كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - العشاءَ، ثم يأتي مسجدَ قومه فيُصلِّي بهم»
قال النووي في «شرح مسلم» (^٢): «قال أبو مسعود الدمشقي: قتيبة يقول في حديثه: عن حماد عن عمرو، ولم يذكر فيه أيوب، فكان ينبغي لمسلم أن يبينه، وكأنه أهمله لكونه جعل الرواية مَسُوقةً عن أبي الربيع وحده».
أقول: هذا العذر غير كافٍ، بل لابدَّ أن يزاد فيه أحد أمرين:
إما أن يكون مسلم استثبت قتيبة لما قال حماد عن عمرو، فقال: الناس يروونه عن حماد عن أيوب عن عمرو، فقال قتيبة: نعم هو كذلك، ولكن مسلمًا لم يطمئن كل الاطمئنان إلى هذا لشبهة التلقين. وأشار إلى ذلك بجعله السياق لأبي الربيع.
_________________
(١) رقم (٤٦٥/ ١٨١).
(٢) (٤/ ١٨٣).
[ ١٦ / ١٧٩ ]
الثاني: أن يكون مسلم جزم بأن في رواية قتيبة تقصيرًا محضًا، لا يلزم منه اختلاف.
وفي «جامع الترمذي» (ص ٧٥) (^١): باب ما ذُكِر في الذي يُصلِّي الفريضة ثم يؤمُّ الناسَ بعد ما صلَّى: حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - المغربَ، ثم يرجعُ إلى قومه فيؤمُّهم».
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أمَّ الرجلُ القومَ في المكتوبة وقد كان صلّاها قبل ذلك، أن صلاة من ائتمَّ به جائزة، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوِي من غير وجهٍ عن جابر
أقول: يظهر أن الترمذي يخالف مسلمًا في هذا الحديث؛ فمسلم يرى أن حديث قتيبة هو حديث أبي الربيع نفسُه، وعنده فيما يظهر أن حماد بن زيد إنما روى عن أيوب عن عمرو بلفظ أبي الربيع، وأن كلمة «العشاء» صحيحة في الحديث، وإن لم تقع في رواية سليمان بن حرب وعارم، وأن قتيبة قصَّر في الإسناد، ووهم في قوله: «المغرب» بدل «العشاء».
وأما الترمذي فيرى ــ فيما يظهر ــ أن حديث قتيبة غير حديث أبي الربيع، وأن حماد بن زيد سمع الحديث من عمرو بن دينار، كما رواه قتيبة، وفيه «المغرب»، وسمعه من أيوب عن عمرو، كما رواه سليمان بن حرب وعارم، أو بزيادة «العشاء» كما قال أبو الربيع.
_________________
(١) (٢/ ٤٧٧ تحقيق أحمد شاكر)، ورقم الحديث (٥٨٣).
[ ١٦ / ١٨٠ ]
أقول: وإذا كان هكذا فزيادة أبي الربيع «العشاء» فيها نظر؛ لاحتمال أنه زادها بناءً على المعنى، على ما يظهر من أكثر الروايات.
ثم رأى الترمذي أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم، وإنما اختار الترمذي هذه الرواية لِنصِّها على المغرب؛ لأنه قد يستبعد هذا فيها:
أولًا: ما جاء عن بعض السلف من كراهية إعادتها، أو عن جماعة منهم أنه إذا أعادها شَفعَها بركعةٍ، كما ذكره الترمذي في موضع آخر (^١).
ثانيًا: لضيق وقتها.
فجواز الإعادة فيها يدلُّ على الجواز في غيرها من باب أولى، خاصةً الظهر والعشاء.
فإن قيل: إن هذه الرواية تنفرد بذكر المغرب.
قلت: إنما تنفرد بالنص عليها فقط، وكثير من الروايات تُطلِق، فتشمل المغرب، فقد تقدمت رواية شعبة عن عمرو: «كان معاذ بن جبل يُصلّي مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع فيؤمُّ قومه، فصلَّى العشاء »
ونحوها رواية سُلَيم بن حيان، وقد تقدمت، وكذلك جاء في أكثر الروايات عن ابن عيينة كما مرَّ، وغيرها.
بل أوضح الروايات في ذلك ما اختاره البخاري (^٢) ﵀ في هذا الباب، وهي رواية سليمان بن حرب وعارم عن حماد بن زيد عن أيوب عن
_________________
(١) عقب الحديث (٢١٩).
(٢) في «صحيحه» (٧١١).
[ ١٦ / ١٨١ ]