قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم». لفظ مسلم (^١).
وهذه الصفة توافق الصفة التي رواها أبو موسى المصري ويزيد الفقير عن جابر، إلا أن في هذه بيان أن كلًّا من الطائفتين أتمَّتْ لأنفسها، فإذا كانت القصة واحدةً تعيَّن أن القصر إنما هو باعتبار الجماعة، وأن قوله هناك: «ولهم ركعة» أي في الجماعة، فلا يُنافي إتمامَهم لأنفسهم.
والقصة الثانية: صالح عن سهل بن أبي حَثْمة «أن رسول الله - ﵌ - صلَّى بأصحابه في الخوف، فصفَّهم خلفه صفَّين » (^٢) فذكر قصة وقع في حكايتها اضطراب، وذكر الحافظ في «الفتح» (^٣) أن سهلًا لم يشهد ذات الرقاع، وأن مراد [صالح بن] (^٤) خوَّات بقوله في الأولى: «عمن صلى » رجل آخر غير سهل، أستظهِرُ أنه خوَّات والد صالح.
[ق ١٨] فصل
رواية قتادة عن سليمان اليشكُري تدلُّ أن ذلك اليوم نزلت الآية، وشُرِعت صلاة الخوف على الصفة التي يُصلِّي فيها الإمام صلاةً واحدة، ويعارضه ما رواه منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي قال:
_________________
(١) رقم (٨٤٢). وأخرجه البخاري (٤١٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (٨٤١). ورواه البخاري (٤١٣١) بهذا الطريق.
(٣) (٧/ ٤٢٥).
(٤) زيادة من «الفتح».
[ ١٦ / ١٩٧ ]
«كنّا مع رسول الله - ﵌ - بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرّةً فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام رسول الله - ﵌ - مستقبلَ القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلفَ رسول الله - ﵌ - صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركع رسول الله - ﵌ -، وركعوا جميعًا »، فذكر مثل الصفة التي تقدمت عن عطاء عن جابر، ثم قال: «فصلّاها بعُسْفان، وصلَّاها في بني سُلَيم».
رواه أبو داود (^١) عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن منصور.
وخرَّجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٣٨) من طريق سعيد بن منصور، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي.
ورواه البيهقي في «السنن» (٣/ ٢٥٦) من طريق يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور كلاهما عن جرير.
وأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٥٩) (^٢): ثنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن منصور وقال: «فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢].
وبنحوه أخرجه أبو داود الطيالسي (^٣) عن ورقاء عن منصور.
_________________
(١) رقم (١٢٣٦).
(٢) رقم (١٦٥٨٠).
(٣) في «مسنده» (١٣٤٧).
[ ١٦ / ١٩٨ ]
ورواه النسائي في «السنن» (^١) عن عمرو بن علي عن عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا منصور، وقال: «فنزلت ــ يعني صلاة الخوف ــ بين الظهر والعصر».
وأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٦٠) (^٢): ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّث عن أبي عيّاش الزُّرَقي ــ قال: قال شعبة: كتب به إليَّ، وقرأتُه عليه، وسمعته منه يُحدِّث به، ولكني حفظتُه من الكتاب ــ «أن النبي - ﵌ - كان في مَصَافِّ العدوِّ بعُسْفانَ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلَّى بهم النبيُّ - ﵌ - الظهر، ثم قال المشركون: إنّ لهم صلاةً بعد هذه، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأموالهم، فصلَّى بهم رسول الله - ﵌ - العصر، [فصَفَّهم] صفَّينِ خلفَه ».
فلم يذكر نزول جبريل، ولا نزول الآية، ولا قال في آخره: «فصلّاها بعُسْفانَ، وصلَّاها في بني سُلَيم».
وكذلك أخرجه النسائي (^٣) عن أبي موسى وبُندار كلاهما عن غُندر، مع اختلاف يسير.
أقول: حديث أبي عيّاش صحَّحه الحاكم كما تقدم، وكذلك الدارقطني (^٤)، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (^٥) وعندي فيه وقفة، فإنني
_________________
(١) (٣/ ١٧٧).
(٢) رقم (١٦٥٨١).
(٣) (٣/ ١٧٦).
(٤) في «سننه» (٢/ ٦٠).
(٥) رقم (٢٨٧٦).
[ ١٦ / ١٩٩ ]
لم أرَ في شيء من طرقه تصريحَ مجاهدٍ بالسماع من أبي عياش، ومجاهد معروف بالإرسال عمن لم يَلْقَه حتى من عاصره. ثم رأيتُ البيهقي قال في «السنن» (٣/ ٢٥٧): «وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير، فذكر سماع مجاهد من أبي عياش ».
أقول: وقد روى ابن أبي نَجِيح نحوه عن مجاهد مرسلًا، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٤٢) (^١) من طريقين عن ابن أبي نَجِيح، قال في الأول: حدثني محمد بن عمرو (هو الباهلي) قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] قال: «يومَ كان النبي - ﵌ - وأصحابه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلَّى النبي - ﵌ - بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، أو أربعًا ــ شكّ أبو عاصم ــ ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فهمَّ المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فصلَّى العصر وقصرَ العصر إلى ركعتين».
ثم قال: حدثني المثنَّى قال: ثنا أبو حُذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: «كان النبي - ﵌ - وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلى النبي - ﵌ - بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، ركوعُهم وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين».
كذا قال، فإن كان المراد القصر المشهور من أربع إلى اثنتين، ويكون
_________________
(١) (٧/ ٤١١، ٤١٢) ط. دار هجر.
[ ١٦ / ٢٠٠ ]
لفظ مجاهد «الظهر أربعًا» كما شكَّ فيه أبو عاصم، فقد تقدَّم أن صلاة السفر لم تكن أربعًا قطُّ. وإن أراد قصر الخوف إلى ركعة مطلقًا، أو بالنظر إلى الجماعة والمتابعة، فكان ينبغي أن يقول في آخره: «وقصرت صلاة العصر إلى ركعة».
وقد روى النسائي (^١) وغيره من طريق سعيد بن عُبيد الهُنَائي ثنا عبد الله بن شَقِيق ثنا أبو هريرة قال: «كان رسول الله - ﵌ - نازلًا بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ، مُحاصِرًا المشركين، فقال المشركون: إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أَجْمِعوا أمركم، ثم مِيلُوا عليهم مَيلةً واحدة، فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يَقْسِم أصحابَه نصفينِ، فيُصلِّي بطائفةٍ منهم، وطائفةٌ مقبلون على عدوِّهم فيصلِّي بهم ركعةً، ثم يتأخَّر هؤلاء، ويتقدَّم أولئك فيصلِّي بهم ركعة، تكون لهم مع النبي - ﵌ - ركعة ركعة، وللنبي - ﵌ - ركعتان».
سعيد بن عُبَيد: قال أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وذلك لا يكفي في رفع جهالة حاله، مع أن هذه الصفة ــ كما يظهر ــ مخالِفة للصفة التي في حديث أبي عيّاش.
وأخرج الحاكم في «المستدرك» (^٣) من طريق يونس بن بكير عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «خرج رسول الله
_________________
(١) (٣/ ١٧٤). وأخرجه أيضًا أحمد في «المسند» (١٠٧٦٥) والترمذي (٣٠٣٥) وابن حبان (٢٨٧٢). وحسَّنه الترمذي.
(٢) (٦/ ٣٥٢). وانظر «تهذيب التهذيب» (٤/ ٦٢).
(٣) (٣/ ٣٠).
[ ١٦ / ٢٠١ ]
- ﵌ - في غزاةٍ، فلقي المشركين بعُسْفَانَ »، فذكر نحو ما في حديث أبي عيّاش. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وأقرَّه الذهبي، مع أن النضر أبا عمر وهو النضر بن عبد الرحمن الخزّاز لم يخرج له البخاري، بل هو أجمعوا على ضعفه (^١).
وقال ابن حجر في «الفتح» (^٢): وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: «لما خرج النبي - ﵌ - إلى الحديبية لقيتُه بعُسفانَ، فوقفتُ بإزائه، وتعرضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظهر، فهَمَمْنا أن نُغِير عليهم، فلم يَعْزِم لنا، فأَطلعَ الله نبيَّه على ذلك، فصلَّى بأصحابه العصر صلاة الخوف » الحديث.
أقول: حال الواقدي مشهور، ولكن ابن حجر استأنس به مع ما تقدم، وذلك أن ما جاء من حديث أبي عيّاش وأبي هريرة من الصلاة بعُسْفَان لم يتعين تاريخها، وقد جاء في المغازي أن النبي - ﵌ - أتى على عُسْفَان مرتين: مرةً في غزوة بني لِحْيان، ذكر ابن إسحاق (^٣) أنها كانت على رأس ستة أشهر بعد فتح بني قريظة. والثانية: في عمرة الحديبية.
ولم يُذكر في شيء منهما قتال، ولا مقاربة لجيش قريش إلا ما رواه الواقدي.
_________________
(١) انظر «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٤١، ٤٤٢).
(٢) (٧/ ٤٢٣).
(٣) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٧٩).
[ ١٦ / ٢٠٢ ]
نعم ذكر ابن إسحاق (^١) في غزوة بني لِحْيان أن بني لحيان تحصَّنوا من المسلمين، فقال المسلمون: لو أنّا هبطنا عُسْفانَ لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا مكة، فخرج ــ يعني النبي - ﵌ - ــ في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسْفان، ثم بعث فارسَيْنِ من أصحابه حتى بلغا كُراع الغَمِيم، ثم كرَّا، ورجع رسول الله - ﵌ - قافلًا.
فيحتمل أن قريشًا لما بلغهم خروج النبي - ﵌ - وأصحابه إلى بني لِحْيان، ثم نزول عسفان، خافوا ــ كما ظنَّه المسلمون ــ أن يكون قاصدًا مكة، فبعثوا خيلَهم وعليها خالد لترقب ما يفعله المسلمون، وتقاربوا ولم يكن قتال، والله أعلم بحقيقة الحال.
هذا، وقد اختلف في غزوة ذات الرقاع: أهي غزوة مُحارِب خَصَفة، أم غيرها؟ فأكثر أهل المغازي على الأول، وزعم الواقدي أنها غيرها، وتبعه القطب الحلبي في «شرح السيرة»، ذكره الحافظ في «الفتح» (^٢).
واختلف أيضًا في غزوة ذات الرقاع: فقال موسى بن عقبة: لا ندري كانت قبل بدر، أوبعدها، أو قبل أُحُد أو بعدها.
قال ابن حجر (^٣): الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعتْ، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع.
_________________
(١) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٨٠).
(٢) (٧/ ٤١٨).
(٣) في «الفتح» (٧/ ٤١٧).
[ ١٦ / ٢٠٣ ]
أقول: لم أجد نصًّا في أن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت في الخندق، إلا ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ذكر تأخير النبي - ﵌ - الصلاة يوم الخندق، ثم قال: «وذلك قبل أن يَنزِل في القتال ما نزل» (^١).
وقد بيَّنه في رواية أخرى، قال: «وذلك قبل أن ينزل صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾». راجع «مسند أحمد» (٣/ ٢٥) (^٢).
فيحتمل أنهم في الخندق لم يكونوا متمكنين من الصلاة جماعة على ما في آيات النساء: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ﴾ مع ما بينه النبي - ﵌ -، وإنما كانوا متمكّنين من الصلاة على ما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وإذا كان هكذا لم يكن في حديث أبي سعيد ولا قصة الخندق [ق ١٩] دليل على أن صلاة الخوف لم تكن قد شُرعتْ، وإنما في ذلك دليل على أنه لم يكن قد شُرع هذا القدر منها، وهو الذي تضمَّنه قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
والصلاة في ذات الرقاع كانت جماعة على ما بيَّن به النبي - ﵌ - آية النساء.
وعلى هذا، فليس فيما ذُكِر دليلٌ على تأخر ذات الرقاع عن الخندق، وما اتصل به من أمر بني قريظة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (١١١٩٨) والنسائي (٢/ ١٧) وابن خزيمة (٩٩٦، ١٧٠٣) وغيرهم. وإسناده صحيح.
(٢) رقم (١١١٩٩).
[ ١٦ / ٢٠٤ ]
وفي «الفتح» (^١) أيضًا: عن ابن إسحاق وابن سعد وابن حبان أنها كانت قبل الخندق وقريظة، وأن أبا معشر يجزم بأنها كانت بعد الخندق وقريظة، وذهب البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واحتج على ذلك بما صح عن أبي موسى الأشعري أنه شهد ذات الرقاع، مع أن أبا موسى إنما جاء بعد أيام خيبر (^٢)، وبما رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن حَيْوة وابن لَهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن مروان أنه سأل أبا هريرة: هل صلَّى مع النبي - ﵌ - صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم، في غزوة نجد.
علَّق البخاري طرفًا منه (^٣) وأخرجه أبو داود في «السنن» (^٤)، وذكر أبو داود عقبه (^٥) بسند فيه مقال: عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: «خرجنا مع رسول الله - ﵌ - إلى نجد، حتى إذا كنا بذات الرقاع ». وأبو هريرة إنما جاء أيام خيبر.
وحكى الحافظ في «الفتح» (^٦) عن البيهقي وغيره: أنهم ذهبوا إلى أنها غزوتان، أطلق على كل منهما ذات الرقاع.
_________________
(١) (٧/ ٤١٧). وانظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٠٣) و«الطبقات» (٢/ ٦١) و«الثقات» (١/ ٢٥٧).
(٢) انظر صحيح البخاري مع «الفتح» (٧/ ٤١٦، ٤١٧).
(٣) عقب الحديث (٤١٣٧).
(٤) رقم (١٢٤٠). وأخرجه أيضًا أحمد (٨٢٦٠) والنسائي (٣/ ١٧٣) وابن خزيمة (١٣٦١) وغيرهم.
(٥) رقم (١٢٤١). وأخرجه أيضًا الطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٣١٤) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٦٤).
(٦) (٧/ ٤١٧). وانظر «دلائل النبوة» (٣/ ٣٧٢).
[ ١٦ / ٢٠٥ ]
أقول: وما وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس عن جابر: «انطلقنا نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام» (^١) ظاهرٌ في تقدُّم ذلك على خيبر، بل وعلى الحديبية، وهي قبله، وذلك أنهم إنما يتلقَّون عِيرَ قريش إذا لم يكن بينهم موادعة، وقد وادعهم النبي - ﵌ - في الحديبية، واستمرَّ ذلك حتى غَدَرتْ قريش بإعانة بني بكر على خزاعة، فغزاهم النبي - ﵌ - وافتتح مكة.
هذا، وقد يُتوهَّم من قوله في رواية قتادة عن سليمان «نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام» أن هذا في غزوة بدر، وليس كذلك، بل هذه عِيرٌ أخرى.
هذا، ومقتضى ما أطلق عليه أكثر أهل المغازي من أن ذات الرقاع، أو غزوة محارب وثعلبة بنَخْلٍ، كانت قبل الخندق وقريظة، فهي قبل غزوة بني لِحْيان، وقبل الحديبية فتكون الصلاة فيها قبل الصلاة بعُسْفان، وقد يجوز أن يكون أبو عيَّاش لما ذكر شأن عُسْفان إنما ذكر نزول جبريل ينذر النبي - ﵌ - بما همَّ به المشركون، فتوهم بعضهم أنه نزل بالآيات في صلاة الخوف.
وبالجملة، فلم يتضح أيهما السابق، غزوة محارب وثعلبة أم عُسْفان؟ والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) سبق ذكرها وتخريجها.
[ ١٦ / ٢٠٦ ]