البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١/ ١٨٦): قال أحمد بن ثابت نا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر وعن معمر قال: رأيتُ قتادة قال لسعيد بن أبي عَروبة: أَمسِكْ عليَّ المصحفَ، فقرأ البقرة فلم يُخْطِ حرفًا، فقال: يا أبا النضر، لَأنا لصحيفة جابرٍ أحفظُ منّي لسورة البقرة.
إلا أنَّ في صلاحيتها للاحتجاج بها وحدَه نظرًا، ولاسيَّما إذا لم يُصرِّح قتادة في روايته بأنه روى عن تلك الصحيفة، فإن قتادة مدلِّس، ومن الجائز أن يُدلِّس عن سليمان ما أخذه من واسطة غير تلك الصحيفة.
هذا، وظاهرٌ من رواية قتادة عن سليمان في هذه القصة أن الصلاة التي وصفها كانت قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾، ولذلك احتاج النبي - ﵌ - إلى أن يصلّي بالقوم صلاتين، لتكون لكل من الطائفتين صلاةٌ تامة في الجماعة بدون خلل في المتابعة.
ولم يبين في هذه الرواية وغيرها مما تقدم: هل صلّى النبي - ﵌ - في تلك الغزوة بعد هذه الصلاة على وجه آخر مما أذن الله ﷿ فيه؟
[ق ١٧] لكن قال البخاري في غزوة ذات الرقاع من «الصحيح» (^١): وقال بكر بن سَوادة: حدثني زياد بن نافع عن أبي موسى أن جابرًا حدَّثهم قال: «صلّى النبي - ﵌ - بهم يومَ مُحارِبٍ وثعلبةَ».
وقد أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٥/ ١٤٦) (^٢) عن ابن أخي ابن وهب عن عمه قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سَوادة
_________________
(١) (٧/ ٤١٧) مع «الفتح».
(٢) (٧/ ٤١٧) ط. دار هجر.
[ ١٦ / ١٩٢ ]
حدَّثه يوم مُحارِب وثعلبةَ، لكل طائفة ركعة وسجدتين».
وأخرج ابن جرير أيضًا (^١): حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن الحكم عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﵌ - صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فقام صفٌّ بين يديه، وصفٌّ خلفَه، فصلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتينِ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقامَ هؤلاء، فصلَّى بهم رسول الله - ﵌ - ركعةً وسجدتينِ، ثم سلَّم، فكانت للنبي - ﵌ - ركعتين ولهم ركعة».
وبنحوه أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦٢) من طريق سليمان أبي إسحاق الشيباني عن يزيد الفقير.
وكذلك أخرجه النسائي في «السنن» (^٢) عن إبراهيم بن الحسن عن حجّاج بن محمد عن شعبة، وأخرجه أيضًا (^٣) من طريق يزيد بن زريع عن المسعودي عن يزيد الفقير، فساقه بمعنى حديث شعبة عن الحكم إلى قوله: «وسجدتين»، وزاد بعدها: «ثمّ إنّ رسول الله - ﵌ - سلَّم، فسلَّم الذين خلفه، وسلَّم أولئك».
وحديث شعبة أصح؛ لأن المسعودي ليس بالحافظ، وتغيَّر بأَخَرةٍ.
فكأنه - ﵌ - بعد أن صلّى بهم الظهر صلاتينِ كما تقدم أنزل الله ﷿ الآيات، فصلّى بهم العصر على قصر الخوف، بأن كانت لكل من الطائفتين
_________________
(١) (٧/ ٤١٩).
(٢) (٣/ ١٧٤).
(٣) (٣/ ١٧٥).
[ ١٦ / ١٩٣ ]