الفصل الأول: ما ورد في النهي عن الربا والتحذير منه١
١٣٣ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
رواه البخاري٢، ومسلم٣، وأبو داود٤، والنسائي٥، كلهم من طرقٍ عن سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عنه به.
وأبو الغيث اسمه سالم مولى ابن مطيع كما قال أبو داود عقب إخراجه للحديث.
_________________
(١) ١ نظرًا لكثرة الأحاديث الواردة في هذا الفصل، فقد اقتصرت منها على ما ورد في الكتب الستة. وقد فعلت هذا لعدم صلة هذه الأحاديث بأحاديث الرسالة صلة وثيقة؛ لكونها من باب الترهيب، فتناسب موضوعات الترغيب والترهيب أكثر من مناسبتها لأحاديث الأحكام، وجعلت الدراسة الفقهية لهذا الفصل مع الدراسة للفصل الآتي نظرًا لترابطهما. والله أعلم. ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الوصايا (٥/رقم ٢٧٦٦)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب الإيمان (١/٩٢)] . ٤ سنن أبي داود [كتاب الوصايا (٣/٢٩٤-٢٩٥)] . ٥ سنن النسائي [كتاب الوصايا (٦/٢٥٧) .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
ورواه البزار١، وابن أبي حاتم٢ كلاهما من طريق أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ به. إلا أنه ذكر الانقلاب في الأعراب بعد هجرته بدلًا من السحر.
وعمر بن أبي سلمة ضعفه شعبة، وابن معين. وقال ابن معين في رواية: ليس به بأس. وقال ابن المديني: ليس بذاك. وقال أحمد: هو صالح ثقة إن شاء الله. وقال البخاري: "صدوق إلا أنه يخالف في بعض حديثه"٣. وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: "صدوق يخطئ"٤. فهو على هذا صالح للمتابعة. وقد جاء نحو هذا الحديث عن غير واحدٍ من الصحابة٥. والله أعلم.
وقوله: (الموبقات) هي الذنوب المهلكات٦.
١٣٤ - (٢) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرضٍ مقدَّسةٍ، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ وعلى وسط النهر رجلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجرٍ في فيه فردَّه حيث كان، فجعل
_________________
(١) ١ كشف الأستار (١/٧٢) . ٢ ذكر إسناده ابن كثير في تفسيره (١/٤٩٢) . ٣ تهذيب التهذيب (٧/٤٥٦-٤٥٧) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٩١٠) . ٥ انظرها في: فتح الباري (١٢/١٨٩) . ٦ النهاية في غريب الحديث (٥/١٤٦) .
[ ٢ / ٤٠٨ ]
لما جاء ليخرج رمى في فيه بحجرٍ فيرجع كما كان. فقلت: ما هذا؟ قال: الذي رأيته في النهر آكل الربا".
رواه البخاري بهذا اللفظ١. وهو قطعة من حديثٍ طويل رواه البخاري في مواضع من صحيحه٢. وقد رواه بطوله أيضًا النسائي في الكبرى٣، وأحمد٤، ورواه مختصرًا - وليس فيه محل الشاهد - مسلم٥، والترمذي٦، كلهم من طرقٍ عن أبي رجاء العطاردي عنه به.
قال ابن هبيرة: إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة، لأن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر، وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئًا، وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه يمحقه٧. والله أعلم.
١٣٥ - (٣) عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله. قال - أي مغيرة -: قلت: وكاتبه وشاهديه؟ قال - أي إبراهيم النخعي -: إنما نحدِّث ما سمعنا".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢٠٨٥)] . ٢ انظر أرقام هذه الأحاديث عند حديث رقم (٨٤٥) . ٣ السنن الكبرى (٤/٣٩١-٣٩٢) (٦/٣٥٨) . ٤ المسند (٥/٨-٩، ١٤-١٥) . ٥ صحيح مسلم [كتاب الرؤيا (٤/١٧٨١)] . ٦ جامع الترمذي [كتاب الرؤيا (٤/٥٤٣)] . ٧ فتح الباري (١٢/٤٦٥) .
[ ٢ / ٤٠٩ ]
رواه مسلم١ واللفظ له، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، كلهم من طرقٍ عنه به.
وزاد أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه: "وكاتبه".
وزادوا أيضًا - عدا النسائي -: "وشاهديه".
وهذه الزيادة جاءت من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وقد اختلف في سماعه منه. فنفى ابن معين في رواية سماعه منه، وأثبته في رواية، وكذلك أثبته أبو حاتم والثوري وغيرهما. وتوسَّط ابن المديني، فأثبت سماعه منه في حديثين فقط - ليس منهما هذا الحديث -٧، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلِّسين٨ الذين يشترط تصريحهم بالسماع. فعلى هذا فلا يقبل من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه إلا ما صرح فيه بالسماع. وقد تتبع الحافظ ذلك فذكر أنها أربعة أحاديث فقط أحدها موقوف٩.
وقد توبع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وذلك فيما رواه النسائي١٠، وابن أبي شيبة١١، وأحمد١٢، كلهم من طرقٍ عن الحارث الأعور عن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٩)] . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٢٨)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥١٢)] . ٤ سنن النسائي [كتاب الطلاق (٦/١٤٩)، كتاب الزينة (٨/١٤٧)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٤)] . ٦ المسند (١/٣٩٣،٣٩٤،٤٠٢،٤٠٩،٤٣٠،٤٤٨،٤٥٣،٤٦٢،٤٦٤-٤٦٥) . ٧ انظر: تهذيب التهذيب (٦/٢١٥-٢١٦) . ٨ تعريف أهل التقديس (ص٩١-٩٢) . ٩ المرجع السابق. ١٠ سنن النسائي [كتاب الزينة (٨/١٤٧)] . ١١ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٣٤) . ١٢ المسند (١/٤٠٩،٤٣٠) .
[ ٢ / ٤١٠ ]
ابن مسعود ﵁ به. والحارث الأعور تقدم الكلام فيه١، وأن في حديثه ضعفًا.
فعلى هذا فهو صالح للمتابعة. فتكون هذه الزيادة من هذين الطريقين وكذلك بشاهدها وهو حديث جابر ﵁ تكون حسنة.
وروى هذا الحديث ابن خزيمة٢، والحاكم٣ كلاهما من طريق يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁ به. ويحيى بن عيسى الرملي ضعفه ابن معين. وقال أحمد: ما أقرب حديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي٤.
وقد خالفه سفيان الثوري كما عند أحمد٥، ووكيع عند ابن أبي شيبة٦، وشعبة عند أحمد٧ والنسائي٨، فإنهم كلهم رووه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث الأعور عن ابن مسعود ﵁. وهو المحفوظ من حديث الأعمش لاتفاق هؤلاء الأئمة عليه. وسوف يأتي مزيد من الحديث عن طريق الحارث الأعور هذه عند الكلام على حديث علي رضي الله عنه٩ والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام فيه عند الحديث رقم (٤٥) . ٢ صحيح ابن خزيمة (٤/٨-٩) . ٣ المستدرك (١/٣٨٧-٣٨٨) . ٤ تهذيب التهذيب (١١/٢٦٢-٢٦٣) . ٥ المسند (١/٤٠٩) . ٦ المصنف (٥/٢٣٤) . ٧ المسند (١/٤٦٤-٤٦٥) . ٨ سنن النسائي [كتاب الزينة (٨/١٤٧)] . ٩ رقم الحديث (١٣٧) .
[ ٢ / ٤١١ ]
١٣٦ - (٤) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم سواء".
رواه مسلم١ واللفظ له، وأحمد٢، وأبو يعلى٣، كلهم من طرقٍ عن هشيم عن أبي الزبير عنه به.
ورواه البزار٤، والترمذي٥ - مختصرًا - من طريق مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي عن جابر بن عبد الله وعن الحارث عن علي - ﵃ – به.
ولفظ البزار: عن النبي ﷺ "أنه لعن عشرة: آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والواشمة والموشومة ومانع الصدقة والمحل والمحلل له".
وقد أعل الترمذي هذا الإسناد بمجالد بن سعيد. ومجالد قد تكلم فيه. فقد ضعفه القطان، وابن سعد، وابن معين. وقال أحمد: ليس بشيء، يرفع حديثًا كثيرًا لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس. وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي٦.
وجعله ابن حجر في هذه المرتبة أيضًا، وزاد: "وقد تغيَّر في آخر عمره"٧.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٩)] . ٢ المسند (٣/٣٠٤) . ٣ مسند أبي يعلى (٣/٣٧٧،٤٥٩) . ٤ مسند البزار (٣/٦٢) . ٥ جامع الترمذي [كتاب النكاح (٣/٤٢٧-٤٢٨)] . ٦ تهذيب التهذيب (١٠/٤٠-٤١) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٤٧٨
[ ٢ / ٤١٢ ]
وسوف يأتي في حديث عليّ رضي الله عنه١ أن المحفوظ في حديث الشعبي هو أنه عن الحارث الأعور عن علي ﵁ والله أعلم.
١٣٧ - (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه ومانع الصدقة، وكان ينهى عن النوح".
رواه النسائي٢ واللفظ له، وعبد الرزاق٣، وأحمد٤، والبزار٥. ورواه أبو داود٦ وابن ماجه٧ - مختصرًا - وليس فيه محل الشاهد - كلهم من طرقٍ عن الشعبي عن الحارث الأعور عنه به.
وقد رواه عن الشعبي جماعة فذكروه عن الحارث عن علي رضي الله عنه٨. وقد سبق عند ذكر حديث ابن مسعود ﵁ في هذا الفصل أن الأعمش رواه عن عبد الله بن مُرَّة عن الحارث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا بنحوه. ولعل هذا الاضطراب ناتج من الحارث الأعور فإنه ضعيف كما تقدم. ولعل المحفوظ من حديثه هو أنه عن ابن مسعود ﵁ لمتابعة غيره له في الرواية عن ابن مسعود ﵁، وأما حديثه عن علي ﵁ فلم يتابع عليه. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الحديث رقم (١٣٧) . ٢ سنن النسائي [كتاب الزينة (٨/١٤٧)] . ٣ المصنف (٦/٢٦٩) . ٤ المسند (١/٨٧، ١٥٨-١٥٩) . ٥ مسند البزار (٣/٦٢-٦٣) . ٦ سنن أبي داود [كتاب النكاح (٢/٥٦٢)] . ٧ سنن ابن ماجه [كتاب النكاح (١/٦٢٢)] . ٨ انظر: علل الدارقطني (٣/١٥٤) . ومسند البزار (٣/٦٢-٦٦) .
[ ٢ / ٤١٣ ]
١٣٨ - (٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، والبزار٢ كلاهما من طريق عمرو بن علي الفلاَّس عن ابن أبي عدي عن شعبة عن زُبيد عن إبراهيم عن مسروق عنه به.
وزاد البزار: "والشرك مثل ذلك".
وظاهر هذا الإسناد الصحة، فإن رواته كلهم ثقات، ولذا صححه البوصيري٣. إلا أنه قد اختلف على زبيد، فرواه عبد الرزاق٤، وعبد الرحمن بن مهدي٥ كلاهما عن الثوري عن زبيد به موقوفًا من قول ابن مسعود ﵁ بنحو لفظ البزار. ورواه النضر بن شميل عن شعبة عن زبيدٍ به موقوفًا أيضًا٦.
ورواه أيضًا عبد الرزاق٧، وابن أبي شيبة٨، كلاهما من طريق الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود ﵁ قوله. ولفظ عبد الرزاق: "الربا بضعة وسبعون بابًا، أهونها كمن أتى أُمَّه في الإسلام". ولفظ ابن أبي شيبة نحو لفظ البزار. وهذا الإسناد صحيح أيضًا.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٤)] . ٢ مسند البزار (٥/٣١٨) . ٣ مصباح الزجاجة (٢/١٩٨) . ٤ المصنف (٨/٣١٥) . ٥ السنة لمحمد بن نصر (ص٥٩) . ٦ المرجع السابق. ٧ مصنف عبد الرزاق (٨/٣١٤-٣١٥) . ٨ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٣٥) .
[ ٢ / ٤١٤ ]
ورواه عبد الرزاق١ أيضًا عن معمر عن عطاء الخراساني عن رجلٍ عن ابن مسعود قوله بنحوه. وفي إسناده مبهم.
فعلى هذا فإن المحفوظ في هذا الحديث الوقف. وأما رواية ابن أبي عدي عن شعبة والتي فيها الرفع فشاذة.
وقد روى هذا الحديث الحاكم٢ بإسناده عن محمد بن غالب تمتام عن عمرو بن علي الفلاس به بلفظ ابن ماجه، وزاد: "أيسرها مثل أن ينكح الرجل أُمَّه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وقد رواه البيهقي من طريق الحاكم ثم قال: "هذا إسناد صحيح والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهمًا، وكأنه دخل لبعض رواته إسنادٌ في إسناد"٣.
وإسناد ومتن الحاكم فيه ملاحظتان:
الأولى: وهي ما سبق من أن المحفوظ عن ابن مسعود ﵁ في هذا الحديث الوقف.
الثانية: وهي التي أشار إليها البيهقي وهي نكارة المتن. فقد خالف محمد بن غالب ابن ماجه والبزار في زيادته التي زادها وهو ليس ممن يحتمل تفرده إذا خالف.
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق (٨/٣١٤) . ٢ المستدرك (٢/٣٧) . ٣ شعب الإيمان (٤/٣٩٤) .
[ ٢ / ٤١٥ ]
فإن محمد بن غالب هذا وثقه الدارقطني وقال: وهم في أحاديث. وقال ابن المنادي: كتب عنه الناس ثم رغب أكثرهم عنه لخصالٍ شنيعةٍ في الحديث وغيره. ووثقه ابن حبان١.
والاحتمال الذي ذكره البيهقي وهو أن يكون دخل لبعض رواته إسنادٌ في إسناد يشهد له ما ذكره الدارقطني في شأن محمد بن غالب، فإنه ذكر له نحو ما وقع له في هذا الحديث من إدخال إسناد حديثٍ في متن حديثٍ آخر٢.
ويشهد لهذا أيضًا أن البيهقي٣ روى بإسناده عن محمد بن غالب تمتام حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، وهو بالمتن الذي ساقه الحاكم. فهذا يؤيد أن محمد بن غالب دخل عليه متن حديث أبي هريرة ﵁ في إسناد حديثه عن ابن مسعود ﵁.
فمما سبق يتبين أن هذا المتن الذي ساقه الحاكم منكرٌ مرفوعًا. وقد سبق أن متنه ثابت عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا كما عند عبد الرزاق وغيره، والله أعلم.
وقد جاء لحديث ابن مسعود ﵁ شواهد منها:
أولًا: حديث أبي هريرة ﵁:
رواه ابن ماجه٤، والبيهقي في الشعب٥، كلاهما من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عنه به. ولفظ ابن ماجه: "الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أُمّه".
_________________
(١) ١ لسان الميزان (٥/٣٣٩-٣٤٠) . ٢ انظر في هذا: تاريخ بغداد (٣/١٤٥) . ٣ شعب الإيمان (٤/٣٩٤) . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٤)] . ٥ شعب الإيمان (٤/٣٩٥) .
[ ٢ / ٤١٦ ]
وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السِّندي المدني، ضعفه يحيى بن سعيد، وابن سعد، وأبو داود، والنسائي. وقال أحمد: حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به. وقال ابن معين: كان أُمِّيًّا ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صالح لين الحديث محله الصدق. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن المديني: كان ضعيفًا ضعيفًا، وكان يحدث عن محمد بن قيس، وعن محمد بن كعب بأحاديث صالحة، وكان يحدث عن نافع، وعن المقبري بأحاديث منكرة١.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "ضعيف، سنَّ واختلط"٢.
وحديثه هذا عن المقبري لم يتابعه عليه أحدٌ ممن يعتبر به، وهو شاهد لقول ابن المديني السابق فيه.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. وممن ضعفه البوصيري٣.
وقد توبع أبو معشر متابعة قاصرةً، إلا أن هذه المتابعة ضعيفة جدًا، فقد رواه ابن أبي شيبة٤ بإسناده عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عنه به. فقال: "عن جده" بدلًا "عن أبيه". وعبد الله بن سعيد المقبري تركه أحمد، والفلاس، والدارقطني. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١٠/٤٢٠-٤٢١) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧١٠٠) . ٣ مصباح الزجاجة (٢/١٩٧) . ٤ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٣٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٥/٢٣٧-٢٣٨) .
[ ٢ / ٤١٧ ]
وقد جاء الحديث من وجهٍ آخر أيضًا. فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير١، والعقيلي٢، والبيهقي٣ كلهم من طريق عبد الله بن زياد عن عكرمة بن عمار عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ به بنحوه مرفوعًا.
وعبد الله بن زياد منكر الحديث كما قال البخاري. إلا أنه قد تابعه النضر بن محمد - وهو ثقة٤ - كما عند ابن الجارود٥ والبغوي٦ بإسنادٍ صحيحٍ عنه.
وتابعهما أيضًا عفيف بن سالم الموصلي - وهو صدوق٧ - كما عند ابن عدي٨ والبيهقي٩.
وخالفهم أحمد بن إسحاق الحضرمي، فقد رواه العقيلي١٠ بإسناده عنه عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام ﵁ موقوفًا عليه.
وأحمد بن إسحاق الحضرمي ثقة١١.
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير (٥/٩٥) . ٢ الضعفاء (٢/٢٥٧) . ٣ شعب الإيمان (٤/٣٩٤) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧١٤٨) . ٥ المنتقى (٢/٢١٨-٢١٩) . ٦ تفسير البغوي - معالم التنزيل - (١/٣٤٤) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٦٢٧) . ٨ الكامل (٥/٢٧٥) . ٩ شعب الإيمان (٤/٣٩٤) . ١٠ الضعفاء (٢/٢٥٨) . ١١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧)
[ ٢ / ٤١٨ ]
ورواه عبد الرزاق١ موقوفًا أيضًا على عبد الله بن سلام ﵁ وذلك من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: "الربا اثنان وسبعون حوبًا، أصغرها حوبًا كمن أتى أُمَّه في الإسلام، ودرهم من الربا أشدُّ من بضعٍ وثلاثين زنية"٢.
وعطاء الخراساني وإن لم يسمع من عبد الله بن سلام رضي الله عنه٣ إلا أنه يؤيد أن الحديث من قول عبد الله بن سلام ﵁ من هذا الطريق، وهذا الذي رجحه الإمام البخاري٤.
ولعلّ الاضطراب الواقع في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ ناشئ من اضطراب عكرمة بن عمار في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، فإنه كان يضطرب في حديثه٥.
وقد ذكر أبو حاتم أن الأوزاعي روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباسٍ قوله. قال أبو حاتم: هذا أشبه٦. ويحيى لم يسمع أحدًا من الصحابة٧ فهو منقطع.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف أيضًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المصنف (١٠/٤٦١) . ٢ الجملة الثانية في الحديث، وهي قوله: "ودرهم من الربا " الحديث، قد وردت مرفوعة من حديث عبد الله بن حنظلة وابن عباس ﵄. انظر: القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد (ص ٥١-٥٢) . ٣ فقد توفي عبد الله بن سلام ﵁ سنة ثلاثٍ وأربعين (تاريخ مواليد العلماء ووفياتهم: ١/١٤١)، وولد عطاء الخراساني سنة خمسين من الهجرة. (تهذيب التهذيب: ٧/٢١٣) . ٤ انظر كتاب: الوقوف على الموقوف (ص ١٣٦) . ٥ انظر: تهذيب التهذيب (٧/٢٦١-٢٦٣) . ٦ علل الحديث (١/٣٧٢) . ٧ انظر: جامع التحصيل (ص٣٦٩) .
[ ٢ / ٤١٩ ]
ثانيًا: حديث البراء بن عازب ﵁ مرفوعًا:
رواه الطبراني في الأوسط١ من طريق معاوية بن هشام عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه به. ولفظه: "الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مثل إتيان الرجل أُمَّه، وأربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا عمر بن راشد، ولا رواه عن عمر بن راشد إلا معاوية بن هشام، ولا يروى عن البراء إلا بهذا الإسناد".
وقد تابع معاوية بن هشام عبد الرزاق٢، إلا أنه رواه عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن رجلٍ من الأنصار عن النبي ﷺ بنحوه.
ورواه محمد بن يوسف الفريابي عن عمر بن راشد عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن البراء به بمثله مرفوعًا. رواه ابن أبي حاتم٣، ثم نقل عن أبيه أنه قال: "هو مرسل، ولم يدرك يحيى ولا إسحاق البراء بن عازب ﵁". وعلى قول أبي حاتم يكون هذا الإسناد معضلًا.
ويظهر لي أن هذا الاضطراب في الإسناد هو من قبل عمر بن راشد، فإنه كان ضعيفًا، ولا سيما في حديثه عن يحيى بن أبي كثير. فقد قال فيه أحمد: حدث عن يحيى ابن أبي كثير بأحاديث مناكير. وقال البخاري: حديثه عن يحيى مضطرب٤.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد منكر. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٧/١٥٨) . ٢ المصنف (٨/٣١٤) . ٣ المراسيل (ص١٨٩) . وانظر: علل الحديث (١/٣٨١) . ٤ تهذيب التهذيب (٧/٤٤٦) .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ثالثًا: حديث أنس ﵁:
رواه ابن الجوزي١ بإسناده عن طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عنه به. ولفظه: "الربا سبعون بابًا، أهون بابٍ منه الذي يأتي أمَّه في الإسلام وهو يعرفها، وإن من أربى الربا خرق المرء عرض أخيه، وخرق عرض أخيه أن يقول فيه ما يكره من مساويه، والبهتان أن يقول فيه ما ليس فيه".
وطلحة بن زيد هو أبو مسكين القرشي. اتهمه بالوضع ابن المديني، وأحمد، وأبو داود. وقال البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال النسائي أيضًا: "ثنا أبو فروة - محمد بن يزيد - عن أبيه عن طلحة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بأحاديث مناكير"٢.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذا الإسناد لشدة ضعفه. والله أعلم.
رابعًا: حديث عائشة - ﵂ -:
رواه أبو نعيم٣ ومن طريقه ابن الجوزي٤ من طريق سوار بن مصعب عن ليث وخلف بن حوشب عن مجاهدٍ عنها به.
وسوار بن مصعب هو الهمداني أبو عبد الله الكوفي. قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس بثقة. وقال النسائي وغيره: متروك٥.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذا الإسناد أيضًا لشدة ضعفه. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الموضوعات (٢/٢٤٦) . ٢ تهذيب التهذيب (٥/١٦) . ٣ الحلية (٥/٧٤) . ٤ الموضوعات (٢/٢٤٦-٢٤٧) . ٥ لسان الميزان (٣/١٢٨-١٢٩) .
[ ٢ / ٤٢١ ]
هذه هي الشواهد التي وقفت عليها في هذا الحديث. وتبين لي أن الحديث لا يصح مرفوعًا من جهة الإسناد، وإنما صحّ موقوفًا عن ابن مسعود ﵁. والله أعلم.
وقد أعلّه ابن الجوزي أيضًا من جهة نكارة المتن، فقال: "واعلم أن مما يرد صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمةٍ لا تتعدى ارتكاب نهيٍ. فلا وجه لصحة هذا"١.
١٣٩ - (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تُرى من خارج بطونهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا".
رواه ابن ماجه٢ واللفظ له، وأحمد٣، وأبو القاسم الأصبهاني٤، كلهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عنه به.
وعلي بن زيد بن جدعان تقدم٥ أنه ضعيف.
وأبو الصلت قال فيه الذهبي: لا يعرف٦. وقال ابن حجر: مجهول٧.
_________________
(١) ١ الموضوعات (٢/٢٤٨) . ٢ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٣)] . ٣ المسند (٢/٣٥٣) . ٤ الترغيب والترهيب (٢/١٨٩) . ٥ تقدم عند حديث رقم (٨٦) . ٦ ميزان الاعتدال (٦/٢١٤) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٨١٧٨) .
[ ٢ / ٤٢٢ ]
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وأيضًا فإن حديث الإسراء الطويل خرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس ﵁ وغيره. ولم يذكر فيه ما جاء في هذا الحديث.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف. وممن ضعفه البوصيري١. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٨) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٢.
_________________
(١) ١ مصباح الزجاجة (٢/١٩٧) . ٢ تقدم برقم (٢٨) .
[ ٢ / ٤٢٣ ]