الفصل الأول: ما ورد في النهي عن الشروط في البيع وعن بيع وسلف
١٢٧ - (١) عن عائشة - ﵂ - قالت: جاءت بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عامٍ أوقيَّة فأعينيني. فقلت: إن أحبَّ أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤكِ لي فعلتُ. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا ذلك عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأَبوا إلاّ أن يكون الولاءُ لهم. فسمع النبيُّ ﷺ، فأخبرت عائشة النبي ﷺ، فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنّما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أمَّا بعد، ما بال رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحقُّ، وشرط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/٢١٦٨)]، وقد كرر البخاري هذا الحديث في أكثر من ثلاثةٍ وعشرين موضعًا. انظر أرقام هذه الأحاديث عند حديث رقم (٤٥٦) . ٢ صحيح مسلم [كتاب العتق (٢/١١٤١-١١٤٢-١١٤٣-١١٤٤)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب العتق (٤/٢٤٥-٢٤٨)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب الوصايا (٤/٣٧٩)] .
[ ١ / ٣٧٣ ]
والنسائي١، وابن ماجه٢، ومالك٣، وأحمد٤، كلهم من طرقٍ عنها به.
وقوله ﷺ: "خذيها واشترطي لهم الولاء"، تكلم في ثبوت هذه الجملة الشافعي٥، وابن عبد البر٦، وغيرهما٧. وقالوا: إنه قد تفرد بها هشام بن عروة عن أبيه ولم يتابع عليها.
وفي هذا التعليل نظر، فإنه قد قيل: إن عبد الرحمن بن نمر تابع هشامًا على هذا، فرواه عن الزهري عن عروة عنها٨.
وعبد الرحمن بن نمر - بفتح النون وكسر الميم٩ - اليحصبي، ضعفه ابن معين في الزهري. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن عدي: هو من جملة من يكتب حديثه في الضعفاء. ووثقه الذهلي وغيره. وقال أبو داود: ليس به بأس١٠. وجعله ابن حجر في مرتبة: "ثقة"١١. والذي يظهر أنه صدوق. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن النسائي [كتاب الزكاة (٥/١٠٧)، كتاب النكاح (٦/١٦٢-١٦٦)، كتاب البيوع (٧/٣٠٥-٣٠٦)] . ٢ سنن ابن ماجه [كتاب العتق (٢/٨٤٢-٨٤٣)] . ٣ الموطأ (٢/٥٩٨) . ٤ المسند (٦/٣٣،١٧٠،١٧٥،١٨٣،١٨٦،١٨٩،٢٠٦،٢١٣،٢٧١) . ٥ الأم (٤/١٦٣)، فتح الباري (٥/٢٢٥) . ٦ التمهيد (٢٢/١٧٢) . ٧ التلخيص الحبير (٣/١٣) . ٨ المرجع السابق. ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٠٣٠) . ١٠ تهذيب التهذيب (٦/٢٨٧-٢٨٨) . ١١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٠٣٠) .
[ ١ / ٣٧٤ ]
وعلى فرض أن هشام بن عروة تفرد بالجملة السابقة، فهشام ثقة حافظ١، ولم يخالف في هذه الجملة حتى ينكر عليه ما روى. والله أعلم.
وإنما أذن النبي ﷺ لعائشة - ﵂ - أن تشترط لهم الولاء مع فساده تنبيهًا على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء. ويقوي هذا ما جاء في بعض الروايات: "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤا"، وقيل: الأمر في قوله: "واشترطي لهم الولاء" للتهديد لهم كيف يشترطون ما لا يباح لهم، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢، وقيل: إن قوله: "اشترطي لهم الولاء" بمعنى "اشترطي عليهم"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٣. وقيل: غير ذلك٤.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية المعنى الأول٥. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٢) حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وقد تقدم٦.
(٣) حديث حكيم بن حزام ﵁ في بعض ألفاظه، وقد تقدم٧.
(٤) حديث عتاب بن أسيد ﵁، وقد تقدم٨.
(٥) حديث يعلى بن أمية ﵁، وقد تقدم٩.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري (٥/٢٢٥) . ٢ سورة فصلت، آية (٤٠) . ٣ سورة الإسراء، آية (٧) . ٤ فتح الباري (٥/٢٢٦) . ٥ الفتاوى (٢٩/٣٣٩) . ٦ تقدم برقم (٦٨) . ٧ تقدم برقم (٧٠)، عند الطريق الثالثة منه. ٨ تقدم برقم (٧١) . ٩ تقدم برقم (٧٣) .
[ ١ / ٣٧٥ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم، النهي عن الشروط الفاسدة في البيع، وكذلك يستفاد من حديث عبد الله بن عمرو النهي عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيع.
فأما النهي عن بيعٍ وسلف فهو أن يجمع في عقدٍ واحدٍ بين بيع وقرض، مثل أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا العبد بخمسين دينارًا على أن تسلفني ألف درهم أو العكس. وإنما نهي عنه لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن فيدخل الثمن في حد الجهالة١. وأيضًا فإنه إنما أقرضه مائةً إلى سنة ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك٢. وكل قرض جرّ نفعًا - أي مشروطًا - فهو ربا٣.
والمقصود بالنهي عن بيعٍ وسلف هو ما إذا كان أحدهما مشروطًا على الآخر٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: معالم السنن (٣/٧٧٠) . ٢ انظر: تهذيب السنن (٩/٢٩٦) . ٣ معالم السنن (٣/٧٧٠) . "وكل قرضٍ جر نفعًا فهو ربا" لفظ حديث يروى عن النبي ﷺ ولم يصح فيه شيء. - انظر: نصب الراية (٤/٦٠)، التلخيص الحبير (٣/٣٤)، التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث (ص١١٣) . ٤ الخرشي على مختصر خليل (٥/٨١) .
[ ١ / ٣٧٦ ]
وأما النهي عن شرطين في بيع، فالذي يظهر في معناه هو ما ذكره ابن القيم١ من أن المراد بهذا النهي هو النهي عن بيعتين في بيعة - والذي سوف يأتي بيانه إن شاء الله تعالى -.
ويشهد لهذا أن بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - جاء بدل قوله: "ولا شرطان في بيع"، قوله: "نهى عن بيعتين في بيعة"، والله أعلم.
وقد أخذ أحمد في المشهور من مذهبه بظاهر هذا الحديث، فأجاز الشرط الواحد ونهى عن الشرطين، فقال مثلًا: إذا اشترى منه طعامًا وشرط حمله صح البيع، وإن شرط مع الحمل الطحن فسد البيع٢.
وعند أحمد رواية أخرى اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يصح أن يجمع شرطين فأكثر في البيع٣. وبهذا قال مالك٤، وابن سيرين، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان٥ وغيرهم. وهذا القول هو الذي تشهد له الأدلة من اعتبار الشروط في البيع وغيره إذا كانت لا تنافي الشرع، وليس هناك من الأدلة ما يصح في النهي عنه، وقد تقدم أن رواية "نهى عن بيع وشرط" لا تصح، وأن رواية "نهى عن شرطين في بيع" المراد بها النهي عن بيعتين في بيعة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (٩/٢٩٥) . ٢ المغني (٤/٣٠٨)، الإنصاف (٤/٣٤٨) . ٣ الإنصاف (٤/٣٤٨) . ٤ قوانين الأحكام الشرعية (ص٢٧١) . ٥ المجموع (٩/٣٧١) .
[ ١ / ٣٧٧ ]
وعند أبي حنيفة١، والشافعي٢ أن الشرط لا يصح في البيع، فلو اشترى زرعًا مثلًا وشرط الحصاد فيبطل البيع، وقد تقدم أنه لا دليل صريح صحيح على هذا القول. والله أعلم.
وليعلم أن ما سبق من الكلام في الشروط عند الفقهاء هو ما إذا كان الشرط ليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته وليس منافيًا لمقتضى العقد، وإنما يكون فيه مصلحة لأحد المتعاقدين.
فأما إذا كان الشرط من مقتضى العقد، كأن يشترط الحلول وسلامة المبيع من العيوب ونحو ذلك، أو يشترط ما فيه مصلحة للعقد، كأن يشترط البائع رهنًا، أو المشتري أجلًا ونحو ذلك، فمثل هذه الشروط يجوز اشتراطها باتفاق الفقهاء.
وقد اتفق العلماء على أن الشرط إذا كان منافيًا لمقتضى العقد، كأن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع أو لا يهبه أو لا يعتقه، أو كان في الشرط غرر، كاشتراط الحمل في الحيوان، فهذا لا يجوز٣، أو يشترط الولاء على العبد إذا باعه فأُعتق، كما في حديث عائشة - ﵂ -. وأما البيع فقد اختلفوا في جوازه وعدمه. والله أعلم.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع (٥/١٦٩) . ٢ المجموع (٩/٣٦٨) . ٣ انظر فيما سبق: بدائع الصنائع (٥/١٦٨-١٧٢)، شرح الخرشي (٥/٨٠-٨١)، المجموع (٩/٣٥٨-٣٦٤)، المغني (٤/٣٠٩) .
[ ١ / ٣٧٨ ]