الفصل الأول: ما ورد في النهي عن النجش
١٨١ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن النجش".
رواه مالك١، ومن طريقه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، عن نافع عنه به.
وسوف يأتي ذكر النهي عن بيع النجش من حديث ابن عمر - ﵄ - أيضًا في فصل: النهي عن تلقي الركبان - إن شاء الله تعالى -.
١٨٢ - (٢) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "أقام رجلٌ سلعته فحلف بالله لقد أُعطي بها ما لم يعطها، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ الآية٧. قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربًا خائن".
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٥٢٧) . ٢ صحيح البخاري [كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٤٢)، كتاب الحيل (١٢/رقم ٦٩٦٣)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٥٦)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٥٨)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٤)] . ٦ المسند (٢/١٠٨) . ٧ سورة آل عمران، آية (٧٧) .
[ ٢ / ٥٨٧ ]
رواه البخاري١ واللفظ له، وابن أبي شيبة٢ - مختصرًا -، وابن أبي حاتم٣، والحاكم٤. كلهم من طرقٍ عن العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو إسماعيل السكسكي عنه به.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقد سبق أن البخاري قد رواه.
ورواه البزار٥، ومن طريقه الطبراني في الكبير٦ من طريق إبراهيم بن يوسف الكوفي الصيرفي، حدثنا حفص بن غياث عن العوام بن حوشب به مرفوعًا، بلفظ: "الناجش آكل الربا ملعون"، وسقط من إسناد الطبراني ذكر إبراهيم الصيرفي، وهو موجود في إسناد البزار في المسند، ولم يعزُ الهيثمي هذا الحديث إلى البزار، وهو على شرطه٧.
قال البزار: "هذا الحديث قد رواه غير واحدٍ عن ابن أبي أوفى موقوفًا، ولا نعلم أحدًا أسنده عن حفص إلا إبراهيم بن يوسف".
وإبراهيم بن يوسف الصيرفي قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات٨. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق فيه لين"٩.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الشهادات (٥/رقم ٢٦٧٥)، كتاب التفسير (٨/رقم (٤٥٥١)] . ٢ المصنف (٥/٢٣٨) . ٣ تفسير ابن أبي حاتم (ص٣٥٥)، رقم (٨٢٢) . ٤ المستدرك (٢/٨) . ٥ مسند البزار (٨/٢٨٢-٢٨٣) . ٦ ذكر إسناده الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد (٧/٣٠٥-٣٠٦) . ٧ مجمع الزوائد (٤/٨٦) . ٨ تهذيب التهذيب (١/١٨٥) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٧٦) .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقد خالف إبراهيم بن يوسف غيره في هذا الحديث - كما أشار البزار -، وذلك أن المحفوظ عن العوام بن حوشب هذا الحديث موقوف.
فعلى هذا فإن رواية إبراهيم بن يوسف شاذة. والله أعلم.
١٨٣ - (٣) عن عمران بن حصين ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلب والجنب، ونهى عن النجش واللمس في البيع، ونهى أن يبتاع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب على خطبة أخيه".
رواه إبراهيم بن طهمان في مشيخته١، ومن طريقه الطبراني في الكبير٢، من طريق مطر الورّاق عن رجاء بن حيوة عنه به.
ومطر الورّاق ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد، وابن معين في عطاء خاصة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن سعد: كان فيه ضعف في الحديث. وقال البزار: ليس به بأس. وقال أبو داود: ليس هو عندي بحجة ولا يقطع به في حديثٍ إذا اختلف٣.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف"٤.
وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع بين رجاء بن حيوة وعمران بن حصين ﵁، ومما يدل على ذلك أن عمران بن حصين ﵁ توفي سنة اثنتين
_________________
(١) ١ مشيخة إبراهيم بن طهمان (ص٨١-٨٢-٨٣)، رقم (٣١) . ٢ المعجم الكبير (١٨/٢٤٢) . ٣ تهذيب التهذيب (١٠/١٦٨-١٦٩) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٦٩٩) .
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وخمسين١، بينما توفي رجاء بن حيوة سنة اثنتي عشرة ومائة٢. فبين وفاتيهما ستون سنة. وقد قال يحيى بن معين في رجاء بن حيوة: "أدرك رجاء بن حيوة معاوية"٣.
والظاهر من هذه العبارة أنه قد أدرك آخر خلافة معاوية ﵁ وقد توفي معاوية ﵁ سنة ستين من الهجرة٤. ويضاف إلى هذا أن عمران ابن حصين ﵁ كان في البصرة، وكان رجاء بن حيوة في الشام. وقد حدث رجاء بن حيوة عن بعض الصحابة ولم يسمع منهم٥.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. وأما متن الحديث فمعروف عن عمران بن حصين ﵁ من طرقٍ وليس فيها ذكر النهي عن النجش واللمس في البيع، فإن هذا مما تفرد به مطرق الوراق عن رجاء بن حيوة. والله أعلم.
١٨٤ - (٤) عن عصمة بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حمى في الإسلام ولا مناجشة".
رواه الطبراني في الكبير٦ من طريق أحمد بن رشدين المصري عن خالد بن عبد السلام الصدفي عن الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب عنه به.
_________________
(١) ١ الإصابة في تمييز الصحابة (٣/٢٧) . ٢ تهذيب التهذيب (٣/٢٦٦) . ٣ سير أعلام النبلاء (٤/٥٦١) . ٤ الإصابة في تمييز الصحابة (٣/٤٣٤) . ٥ سير أعلام النبلاء (٤/٥٥٧) ٦ المعجم الكبير (١٧/١٧٨) .
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وأحمد بن رشدين المصري شيخ الطبراني كذبه أحمد بن صالح المصري. وقال ابن عدي: كذبوه، وأُنكرت عليه أشياء١.
والفضل بن المختار هو أبو سهل البصري. قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها٢.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيفٌ جدًا، وقد يكون موضوعًا. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٥) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٣.
(٦) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد تقدم٤.
(٧) حديث أبي هريرة ﵁، وسوف يأتي٥.
(٨) حديث ابن عباس - ﵄ -، وسوف يأتي٦.
(٩) حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، وسوف يأتي٧.
_________________
(١) ١ لسان لميزان (١/٢٥٧-٢٥٨) . ٢ لسان الميزان (٤/٤٤٩) . ٣ تقدم برقم (١٠٠) . ٤ تقدم برقم (١١٠) . ٥ سيأتي برقم (٢١٢) . ٦ سيأتي برقم (٢١٤) . ٧ سيأتي برقم (٢١٩) .
[ ٢ / ٥٩١ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن النجش في البيع.
والنجش بنون وجيم مفتوحتين، وحكي سكون الجيم١. وهو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها٢.
والنجش حرام بالإجماع٣.
ويقع بمواطأة البائع مع الناجش، فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص ذلك بالناجش، وقد يختص بالبائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعةً بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك٤.
وإنما نهي عن النجش؛ لأنّ فيه تغريرًا للراغب في السلعة وتركًا لنصيحته التي هو مأمور بها٥.
_________________
(١) ١ انظر: المُغْرِب (ص٤٤٣)، وشرح صحيح مسلم (١٠/١٥٩) . ٢ النهاية في غريب الحديث (٥/٢١) . ٣ شرح صحيح مسلم (١٠/١٥٩) . ٤ فتح الباري (٤/٤١٦) . ٥ معالم السنن (٣/٧١٨) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]