توطئة
البيع لغة: مصدر بعتُ. وهو ضد الشراء. وقد يأتي بمعنى الشراء، فيكون من الأضداد١.
وفي الشرع: مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكًا وتملّكًا٢.
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
- أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع﴾ ٣.
- وأما من السنة، فإن النبي ﷺ باع واشترى، وأقرّ المسلمين على بياعاتهم، إلا بيوعًا نهاهم عنها.
- وقد أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة٤.
- والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض. ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريقٍ إلى وصول كل واحدٍ منهما إلى غرضه ودفع حاجته٥.
وأما الأصل في البيع فهو الحل، لقول الله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٦.قال الشافعي - ﵀ -: " أصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا، إلا ما نهى عنه رسول الله ﷺ منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ محرم بإذنه داخل في المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه "١.
_________________
(١) ١ لسان العرب (٨/٢٣)، مادة (بيع)، المطلع على أبواب المقنع (ص٢٢٧) . ٢ التعريفات (ص٤٨) . ٣ سورة البقرة، آية (٢٧٥) . ٤ المغني (٤/٤) . ٥ المرجع السابق. ٦ تقدم تخريجها قريبًا.
[ ١ / ٢١ ]
الفصل الأول ما ورد في النهي عن بيع الميتة والخنزير والأصنام
١ - (١) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول بمكة عام الفتح: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله؛ أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام". ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: " قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه".
أخرجه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، وأحمد٧، كلهم من طرق عن يزيد بن أبي حبيب المصري عن عطاء بن أبي رباح عنه به. قال الترمذي: حسن صحيح.
وجاء في رواية لمسلم وأبي داود وأحمد٨: يزيد بن أبي حبيب أن عطاء كتب يذكر أنه سمع جابر بن عبد الله الحديث.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح [كتاب البيوع (٤/رقم ٢٢٣٦)، والمغازي (٨/٤٢٩٦)، التفسير (٨/رقم ٤٦٣٣)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢٠٧)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٦، ٧٥٧، ٧٥٨)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٩١)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠٩)] . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٢)] . ٧ مسند أحمد (٣/٣٢٤، ٣٢٦) . ٨ مسند أحمد (٣/٣٢٦) .
[ ١ / ٢٥ ]
وهذه الرواية أخرجها أيضًا البخاري تعليقًا١. وجاء في رواية أخرى لأحمد٢، وهي رواية ابن ماجه: يزيد بن أبي حبيب قال: قال عطاء بن أبي رباح.
فهذه الروايات فيها أن يزيد لم يسمع هذا الحديث من عطاء، والرواية الثانية لأحمد وابن ماجه محتملة. وقد صرح بعدم السماع أبو حاتم الرازي عندما سئل عن هذا الحديث فقال: يزيد بن أبي حبيب عن عطاء هو من حديث محمد بن إسحاق عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ، ولا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئًا٣.
إلا أن الروايات التي جاء التصريح فيها بأن عطاء قد كتب بهذا الحديث إلى يزيد تنفي الواسطة بينهما، فهو وإن لم يثبت أنه سمع منه هذا الحديث، إلا أنه قد كتب به إليه، والكتابة من طرق التحمل الصحيحة عند جمهور المحدثين، وعليها العمل عندهم بشروطها٤، ومن هؤلاء المحدثين الإمام البخاري، وتخريجه لهذا الحديث يدل على ذلك، وقد بوب في صحيحه بابًا في الاحتجاج بالكتابة، فقال: باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان٥.
وللحديث طريق أخرى أخرجها أحمد٦، والطبراني في الأوسط٧ عن ابن لهيعة: ثنا جعفر بن ربيعة عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح [كتاب البيوع (٤/عقب حديث رقم ٢٢٣٦)] . ٢ مسند أحمد (٣/٣٢٤) . ٣ العلل (١/٣٨٢) . ٤ تدريب الراوي (٢/٥٦) . ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العلم (١/رقم الباب:٧) . ٦ مسند أحمد (٣/٣٤٠) . ٧ المعجم الأوسط (٨/٣٧٣-٣٧٤) .
[ ١ / ٢٦ ]
عبد الله قال: " لما كان يوم فتح مكة اهراق رسول الله ﷺ الخمر وكسر جراره، ونهى عن بيعه وبيع الأصنام".
وفي إسناده ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي المصري.
كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا.
وقال ابن مهدي: لا أحمل عنه قليلًا ولا كثيرًا.
وقال أيضًا: لا أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه.
وقال أحمد: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض. وقال أيضًا: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه.
وأثنى عليه أيضًا ابن وهب، وأحمد بن صالح وغيرهما.
وقد بين أحمد بن صالح أن الضعف في حديثه ليس من قبله، وإنما من قبل الرواة عنه.
وقال عبد الغني بن سعيد الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح، ابن المبارك، وابن وهب، والمقري.
وقال ابن معين: كان ضعيفًا لا يحتج بحديثه؛ كان من شاء يقول له: " حدثنا".
وضعفه أيضًا أبو حاتم وأبو زرعة، وقالا: أمره مضطرب، يكتب الحديث على الاعتبار.
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك، فابن لهيعة يحتج به؟ قال: لا.
[ ١ / ٢٧ ]
وضعفه أيضًا ابن سعد، وأبو أحمد الحاكم، ووصفه ابن حبان بالتدليس، وذكر أنه هو السبب في وقوع المناكير في حديثه.
وقد عزى قوم ضعفه إلى احتراق كتبه، ومن هؤلاء: إسحاق بن عيسى، ويحيى بن بكير، والحاكم وغيرهم.
وأنكره ابن أبي مريم وغيره١.
وقد خلص فيه الذهبي إلى أنه ضعيف؛ لاختلاطه بعد احتراق كتبه٢.
وخلص فيه ابن حجر إلى أنه " صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما"٣.
والذي يظهر لي مما سبق من أقوال العلماء أنه ضعيف يعتبر به. ورواية العبادلة عنه أقوى من غيرها، ولكنها مع ذلك فيها ضعف. والله أعلم.
وقد تفرد عبد الله بن لهيعة بالرواية عن جعفر بن ربيعة لهذا الحديث كما قال الطبراني٤، إلا أنه مع ذلك تصلح هذه الطريق للمتابعة. والله أعلم.
- قوله: " إن الله ورسوله حرم" أسند الفعل إلى ضمير الواحد، وهو هنا جائز، ووجهه الإشارة إلى أمر النبي ﷺ ناشئ من أمر الله، قاله ابن حجر - ﵀ -.
قال: وهو نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وقد جاء في بعض طرق الحديث في الصحيح " إن الله حرم"، وفي رواية لابن مردويه " إن الله ورسوله حرما"٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٥/٣٧٤-٣٧٩) . ٢ المغني في الضعفاء (١/٣٢٥)، الكاشف (٢/١٢٢)، سير أعلام النبلاء (٨/١٣-١٤) . ٣ تقريب التهذيب. رقم الترجمة (٣٥٦٣) . ٤ المعجم الأوسط (٨/٣٧٤) . ٥ فتح الباري (٤/٤٩٦) .
[ ١ / ٢٨ ]
- قوله: " فإنه يطلى بها السفن" الطلي هو لطخ الشيء بالشيء١.
- قوله: " ويستصبح بها الناس" أي يشعلون بها سرجهم٢.
- قوله: " لا، هو حرام" اختلف في هذا التحريم؛ هل هو للبيع فقط، أم للانتفاع مطلقًا.
ورجح الحافظ ابن حجر٣ - ﵀ - أن يكون عائدًا إلى البيع.
قال الحافظ: " هكذا فسره العلماء؛ كالشافعي ومن اتبعه"، وقال: " ويؤيد أن التحريم يعود إلى البيع ما جاء في رواية لأحمد لهذا الحديث فيها أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ فما ترى في بيع شحوم الميتة؟ ".
ويؤيده أيضًا ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن ابن عباس أنه ﷺ قال وهو عند الركن: " قاتل الله اليهود؛ إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه"٤.
والمعنى أن الصحابة ﵁ سألوا النبي ﷺ عن شحوم الميتة، - وقد كان مقررًا عندهم أنه يحرم أكل الميتة وأجزائها - إلا أنهم سألوا عن حكم بيعها أو بعضها، لا ما فيه من المنافع؛ ظنًا منهم أن الميتة إنما يحرم أكلها، وأما بيعها أو أجزاء منها فلا يحرم، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، وذكر لهم أن هذا من جنس احتيال
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٥/١٠) مادة (طلي) . ٢ النهاية في غريب الحديث (٣/٧) . ٣ فتح الباري (٤/٤٩٦) . ٤ فتح الباري (٤/٤٩٦)، وسيأتي تخريج الحديث في موضعه - إن شاء الله - برقم (٣١) .
[ ١ / ٢٩ ]
اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم أذابوها ثم باعوها، والله سبحانه إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه.
- قوله: " إن الله لما حرم شحومها" يشير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ الآية١.
- قوله: " جملوه" جاء في بعض الروايات " أجملوه".
قال ابن الأثير: جملت الشحم وأجملته: إذا أذبته واستخرجت دهنه، وجملت أفصح من أجملت٢.
قال البغوي: فيه دليل على بطلان كل حيلة يحتال بها للتوصل إلى المحرم، وإنه لا يتغير حكمه بتغيير هيئته وتبديل اسمه٣.
٢ - (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه".
أخرجه أبو داود٤، وهذا لفظه، ومن طريقه الدارقطني٥، والبيهقي٦.
وأخرجه الطبراني في الأوسط٧، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية٨.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (١٤٦) . ٢ النهاية في غريب الحديث (١/٢٩٨) . ٣ شرح السنة (٤/٢٢١) . ٤ سنن أبي داود (٣/٧٥٦) . ٥ سنن الدارقطني (٣/٧) . ٦ السنن الكبرى (٦/١٢) . ٧ المعجم الأوسط (١/٤٣) . ٨ حلية الأولياء (٨/٣٢٧) .
[ ١ / ٣٠ ]
وأخرجه ابن عدي في الكامل١ عند ترجمة معاوية بن صالح.
كلهم من طرق عن ابن وهب عن معاوية بن صالح، عن عبد الوهاب بن بخت، عن أبي الزناد، عن الأعرج عنه به.
وقال الطبراني: لم يروه عن أبي الزناد إلا عبد الوهاب بن بخت، ولا عن عبد الوهاب إلا معاوية بن صالح. تفرد به ابن وهب.
وابن وهب: هو الإمام المشهور الثبت عبد الله بن وهب المصري، وأما معاوية بن صالح فهو ابن حُدَير الحضرمي، وهو مختلف فيه، فوثقه ابن مهدي، وأحمد وأبو زرعة وغيرهم.
وتكلم فيه يحيى القطان، وابن معين في رواية، وغيرهما٢.
وقد احتج به مسلم في صحيح٣.
وقال الحافظ الذهبي: صدوق إمام٤. ورمز له في الميزان بـ (صح) ٥، وهو يرمز بهذا الرمز لمن كان العمل على توثيقه٦.
وقال الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام٧.
وعند النظر إلى أقوال أئمة الجرح والتعديل نجد أن قول الحافظ الذهبي أقرب من قول الحافظ ابن حجر؛ لكون أكثر الأئمة على توثيقه.
_________________
(١) ١ الكامل (٦/٤٠٥) . ٢ تهذيب التهذيب (١٠/٢٠٩،٢١٠) . ٣ ميزان الاعتدال (٥/٢٦٠) . ٤ الكاشف (٣/١٥٧) . ٥ ميزان الاعتدال (٥/٢٦٠) . ٦ لسان الميزان (١/٩) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٧٦٢) .
[ ١ / ٣١ ]
وأما عبد الوهاب بن بُخت فقال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة١.
فعلى هذا، فهذا الإسناد حسن، وله شواهد؛ كحديث جابر ﵁
المتقدم وغيره تجعل الحديث صحيحًا لغيره. والله أعلم.
٣ - (٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت النبي ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير"، فقيل: يا رسول الله؛ أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يدهن بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام". ثم قال: " قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوها، ثم باعوها وأكلوا أثمانها".
رواه أحمد٢، وهذا لفظه، والبيهقي٣. كلاهما من طرق عن أسامة بن زيد الليثي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به. وزاد البيهقي " والأصنام" عند قوله " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير".
وأسامة بن زيد مختلف فيه؛ فوثقه ابن معين، والعجلي، وابن عدي وغيرهم.
وضعفه القطان، وأحمد، والنسائي وغيرهم٤.
قال الحافظان الذهبي٥ وابن حجر٦: صدوق يهم.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٢٥٤) . ٢ مسند أحمد (٢/٢١٣) . ٣ السنن الكبرى (٩/٣٥٥) . ٤ تهذيب التهذيب (١/٢٠٨-٢٠٩) . ٥ المغني في الضعفاء (١/٦٦) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣١٧) .
[ ١ / ٣٢ ]
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الخلاف فيه مشهور، وقد رجح الحافظ الذهبي أنه من باب الحديث الحسن١؛ لأن عمرو صدوق٢، فيبقى أن في الإسناد أسامة بن زيد، وهو متكلم فيه كما سبق، ولكن للحديث شاهد من حديث جابر بن عبد الله٣ - ﵄ - فيكون به حسنًا لغيره. والله أعلم.
٤ - (٤) عن عاصم بن ضمرة قال: أتي علي بدابة عليها سرج عليه خز، فقال: "نهانا رسول الله ﷺ عن ركوب عليها، وعن جلوس عليها، وعن جلود النمور عن ركوب عليها، وعن جلوس عليها، وعن الغنائم أن تباع حتى تخمس، وعن حبالى سبايا العدو أن يوطين، وعن الحمر الأهلية، وعن أكل ذي ناب من السباع، وأكل ذي مخلب من الطير، وعن ثمن الخمر، وعن ثمن الميتة، وعن عسب الفحل، وعن ثمن الكلب".
جاء هذا الحديث من ثلاث طرق:
الطريق الأولى: أخرجها عبد الرزاق قال: أخبرنا عباد بن كثير البصري عن رجل أحسبه خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة به باللفظ السابق٤.
وعباد بن كثير البصري كان من العباد، إلا أنه متروك الحديث كما قاله البخاري، والعجلي، والنسائي وغيرهم٥.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء (٥/١٧٥) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٠٥٠) . ٣ سبق تخريجه برقم (١) . ٤ مصنف عبد الرزاق (١/٧٠) . ٥ تهذيب التهذيب (٥/١٠١-١٠٢) .
[ ١ / ٣٣ ]
وجعله ابن حجر في مرتبة: متروك١.
وقوله " أحسبه خالد" لعل الصواب أنه عمرو بن خالد كما سيأتي، فإن عباد بن كثير معروف بالرواية عنه٢.
وعمرو بن خالد هذا هو القرشي مولاهم الواسطي.
قال فيه ابن معين، وأحمد، وأبو داود: كذاب.
وقال وكيع، وإسحاق، وأبو زرعة: يضع الحديث٣.
وأما حبيب بن أبي ثابت فقد قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس٤.
وأما عاصم بن ضمرة، فوثقه ابن المديني، والعجلي. وقال فيه النسائي: ليس به بأس.
وضعفه الجوزجاني، وابن عدي، وابن حبان٥.
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق٦.
فعلى هذا فإن الحديث من هذه الطريق ضعيف جدًا؛ لحال عباد بن كثير.
وإن صح احتمال وجود عمرو بن خالد في إسناده فيكون موضوعًا.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣١٣٩) . ٢ انظر تهذيب التهذيب (٨/٢٦) . ٣ تهذيب التهذيب (٨/٢٧) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٨٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٥/٤٥-٤٦) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٨٤) .
[ ١ / ٣٤ ]
الطريق الثانية: أخرجها عبد الرزاق١، والطحاوي٢ عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة مثله.
والطحاوي أخرجه مختصرًا، وليس فيه محل الشاهد، والإسناد عنده: ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت به.
والإسناد كما هو ظاهر فيه انقطاع بين ابن جريج، وحبيب بن أبي ثابت.
وقد قال الإمام أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت جاء بمناكير٣.
وقال أبو داود: ليس لحبيب عن عاصم شيءٌ يصح٤.
وقد تقدم، وسيأتي أيضًا أن المعروف برواية هذا الحديث عن حبيب بن أبي ثابت هو عمرو بن خالد الواسطي، وقد تقدم بيان حاله.
فعلى هذا فإن هذه الطريق لا يعتبر بها؛ لتدليس ابن جريج.
الطريق الثالثة: أخرجها أبو يعلى الموصلي٥، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند٦، وابن عدي٧، والعقيلي٨، والحاكم في
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق (١/٧٠) . ٢ شرح معاني الآثار (٤/٥٢،١٩٠) . ٣ تهذيب التهذيب (٦/٤٠٤) . ٤ سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود (ص ١٥٦) . ٥ مسند أبي يعلى الموصلي (١/٢٩٥) . ٦ المسند (١/١٤٧) . ٧ الكامل (٥/١٢٥) . ٨ الضعفاء (١/٢٢٤) .
[ ١ / ٣٥ ]
معرفة علوم الحديث١. ومن طرق عن عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي، حدثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة به. ولفظ أبي يعلى: " أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وعن ثمن الميتة، وعن ثمن الخمر، والحمر الأهلية، وكسب البغي، وعن عسب كل ذي فحل ". وهو عند عبد الله بن أحمد مختصر، فليس فيه النهي عن بيع الخمر.
قال ابن عدي: هذا الحديث يرويه الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد، وعمرو متروك الحديث، ويسقطه الحسن بن ذكوان من الإسناد لضعفه.
وقال الحاكم بعد أن روى الحديث: " قال أبو عبد الله محمد بن نصر: وهذا حديث لم يسمعه الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت، وذلك أن محمد بن يحيى حدثنا قال: ثنا أبو معمر قال: حدثني عبد الوارث، عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت. وعمرو هذا منكر الحديث، فدلسه الحسن عنه".
وقد جعل الحافظ ابن حجر الحسن بن ذكوان في المرتبة الثالثة من المدلسين٢.
وقد صرح الأئمة كما سبق أن الساقط هو عمرو بن خالد الواسطي.
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث (ص١٠٩) . ٢ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص ٨٥) .
[ ١ / ٣٦ ]
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في الحسن بن ذكوان، فقال: أحاديثه بواطيل؛ يروي عن حبيب بن أبي ثابت، ولم يسمع من حبيب، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي١. ونحوه قال ابن معين وأبو داود٢.
وقد سبق ذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل في عمرو بن خالد الواسطي. وقد حكم أبو حاتم - ﵀ - على هذا الإسناد بالوضع، فقال: روى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ أحاديث موضوعة؛ خمسة أو ستة٣.
قال الهيثمي عقب إيراده للحديث: رجاله ثقات٤.
وهذا الحكم منه بناء على ظاهر الإسناد، وقد تقدم أن الإسناد فيه عله، وهي التدليس.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن علي ﵁، بل هو موضوع. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٢/٢٧٧) . وانظر: جامع التحصيل في أحكام المراسيل (ص ١٢٠) . ٢ المرجع السابق. ٣ علل الحديث (٢/١٠) . ٤ مجمع الزوائد (٤/٩٠) .
[ ١ / ٣٧ ]
٥ - (٥) عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قال: " إن الله ورسوله حرم عليكم شرب الخمر وثمنها، وحرم عليكم أكل الميتة وثمنها، وحرم عليكم الخنازير وأكلها وثمنها، وقال: قصوا الشوارب وأعفوا اللحى، ولا تمشوا في الأسواق إلا وعليكم الأزر، إنه ليس منا من عمل سنة غيرنا".
أخرجه الطبراني في الأوسط١، والكبير٢. من طريق الحسن بن حماد، ثنا أبو يحيى الحماني، عن يوسف بن ميمون، عن عطاء عنه به. قال الطبراني في الأوسط - وقد ذكر حديثًا بعد هذا الحديث بهذا الإسناد - قال: لم يرو هذين الحديثين عن عطاء إلا يوسف بن ميمون، ولا عن يوسف إلا أبو يحيى الحماني، تفرد به الحسن بن حماد الوراق.
وقال الهيثمي: فيه يوسف بن ميمون؛ وثقه ابن حبان، وضعفه الأئمة أحمد وغيره٣.
ويوسف بن ميمون هو الصباغ، قال فيه أحمد: ضعيف ليس بشيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث.
وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث جدًا. وقال ابن عدي: ما به بأس٤.
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٩/١٦٢) . ٢ المعجم الكبير (١١/١٥٢) . ٣ مجمع الزوائد (٤/٩٤) . ٤ تهذيب التهذيب (١١/٤٢٦) .
[ ١ / ٣٨ ]
وقد شذ ابن عدي في توثيقه له. وأما قول الهيثمي: وثقه ابن حبان. وكذلك قول الذهبي: ضعفوه. فلا عبرة بذكر ابن حبان له في الثقات١، فإن قولهما - أي الهيثمي والذهبي - فيه نظر؛ لأن ابن حبان إنما ذكر في الثقات يوسف بن ميمون القرشي٢، وأما يوسف بن ميمون الصباغ، فذكره في المجروحين، وقال: فاحش الخطأ كثير الوهم، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، فلما فحش ذلك منه في روايته بطل الاحتجاج به٣. فهذا قوله فيه، وهو موافق لرأي أكثر الأئمة الذين سبق ذكر أقوالهم.
وممن فرق بين يوسف بن ميمون القرشي والصباغ؛ البخاري٤ وابن أبي حاتم٥. وقد جعل الحافظ يوسف بن ميمون الصباغ في مرتبة " ضعيف"٦.
فمما سبق يتبين أن هذا الطريق ضعيف جدًا؛ لشدة ضعف يوسف بن ميمون الصباغ.
وفي هذا الإسناد علة أخرى، وهي النكارة. وذلك أن يوسف بن ميمون قد خالف يزيد بن أبي حبيب. فقد رواه يزيد عن عطاء، عن جابر بن عبد الله كما سبق في الحديث الأول، وهو المعروف. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الكاشف (٣/٢٦٣) . ٢ الثقات (٧/٦٣٧) . ٣ المجروحين (٣/١٣٤) . ٤ التاريخ الكبير (٨/٣٨٤) . ٥ الجرح والتعديل (٩/٢٣٠) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٨٨٩) .
[ ١ / ٣٩ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم من الأحاديث الثابتة تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
أما الخمر فسوف يأتي الكلام فيه في الفصل الآتي - إن شاء الله تعالى -.
وأما الميتة: فهي ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة؛ إما في الفاعل أو في المفعول، فما ذبح للصنم، أو في حال الإحرام، أو لم يقطع منه الحلقوم ميته، وكذا ذبح ما لا يؤكل لا يفيد الحل، ويستثنى من الميتة للحل ما فيه نص١؛ وهو الجراد والحوت.
وهذا التعريف فيما كان مفتقرًا إلى ذكاة، وأما ما ليس كذلك؛ كالصيد فهو حلال ولو لم يذكى.
وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة٢؛ من لحم وشحم وعصب، وأما الجلد فإنه إذا دبغ يباح بيعه؛ لحديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميتة، فقال: " هلا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها"٣.
وهذا الحديث ليس فيه ذكر الدباغ، إلا أن هناك أدلة أخرى تقيده بالدباغ؛ كحديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ٤.
_________________
(١) ١ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (٢/٥٨٤) . ٢ الإجماع (ص ١٠١) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح [كتاب البيوع (٤/ رقم ٢٢٢١)، كتاب الذبائح (٩/ رقم ٥٥٣١)]، وصحيح مسلم [كتاب الحيض (١/٢٧٧)] . ٤ صحيح مسلم [كتاب الحيض (١/٢٧٧)] . موطأ مالك [كتاب الصيد (٢/٣٩)] . سنن أبي داود [كتاب اللباس (٤/٣٦٧)] . جامع الترمذي [كتاب اللباس (٤/٢٢١)] . سنن النسائي [كتاب الفرع والعتيرة (٧/١٧٣)] . سنن ابن ماجه [كتاب اللباس (٢/١١٩٣)] . ولفظ الترمذي والنسائي وابن ماجه: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ".
[ ١ / ٤٠ ]
وقد ذهب الزهري والليث إلى جواز بيع جلد الميتة حتى قبل الدباغ١، ودليل الزهري هو حديث ابن عباس - ﵄ - المتقدم: " أن رسول الله ﷺ مرة بشاة ميتة " الحديث. فليس فيه اشتراط الدباغ للانتفاع به.
إلا أن هذا الحديث الذي استدل به مطلق، يقيده حديث: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
ومذهب مالك في المشهور عنه٢، وأحمد في رواية٣ المنع من بيع جلود الميتة حتى لو دبغت، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٤، والجلد من الميتة فهو نجس.
ويرى المالكية أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة طهارة كاملة، وإنما يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة فقط٥.
واستدل أحمد بحديث عبد الله بن عكيم: أن رسول الله ﷺ كتب إلى جهينة قبل موته بشهر: " ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"٦.
_________________
(١) ١ التمهيد (٤/١٥٦) . ٢ الخرشي على مختصر سيدي خليل (١/٨٩) . ٣ الإنصاف (١/٨٩)، زاد المعاد (٥/٧٥٨) . ٤ سورة المائدة، الآية (٣) . ٥ المنتقى (٣/١٣٤) . ٦ أخرجه أبو داود [كتاب اللباس (٤/٣٧٠-٣٧١)]، واللفظ له. والترمذي [كتاب اللباس (٤/٢٢٢)] . والنسائي [كتاب الفرع والعتيرة (٧/١٧٥)] . وابن ماجه [كتاب اللباس (٢/١١٩٤)] . والطيالسي (١٢٩٣) . وأحمد (٤/٣١٠-٣١١) . والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/٤٦٨) . والطبراني في الصغير (١/٢٢١-٢٢٢) . =
[ ١ / ٤١ ]
_________________
(١) = وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من الحديث (ص ١١٣-١١٤) . والحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص ١١٦)، كلهم من طرق عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم به. وقال الترمذي: حسن. وقال الحازمي: حديث حسن على شرط أبي داود والنسائي. وأعل هذا الحديث بالانقطاع بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن عكيم. وأعل أيضًا بالإرسال؛ حيث إن ابن عكيم لم يسمع من النبي ﷺ كما قال البخاري. (التاريخ الكبير:٥/٣٩) . وأجيب عن علة الانقطاع بأنه قد صح تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابن عكيم، كما قال ابن حجر (فتح الباري (٥/٥٧٦) . وذلك في مسند أحمد (٤/٣١١) . وابن حبان [الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (٤/٩٥)] . وأما الجواب عن علة الإرسال فيقال: إن ابن عكيم وإن لم يسمع من النبي ﷺ فقد سمع كتاب النبي ﷺ. والكتابة من طرق التحمل المعتبرة عند المحدثين. (تدريب الراوي: ٢/٥٦) . وأقوى ما علل به الحديث الاضطراب في الإسناد والمتن. أما الاضطراب في الإسناد فإنه تارة يقول ابن عكيم: عن كتاب النبي ﷺ، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب. والاضطراب في المتن فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بقيد شهر أو شهرين، أو أربعين يومًا، أو ثلاثة أيام. (التلخيص الحبير: ١/٦٠) . وقد نقل الترمذي عن أحمد أنه ترك هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده. وقال الخلال: لما رأى أبو عبد الله - أي أحمد بن حنبل - تزلزل الرواة فيه توقف فيه. (التلخيص الحبير: ١/٥٩) . وممن أثبت الاضطراب في الحديث الحازمي في الاعتبار (ص ١١٨) . وأجاب ابن حبان عن علة الاضطراب في الإسناد ودفعها. (الإحسان: ٤/٩٦) . والذي يظهر لي أن الاضطراب في بعض طرق الحديث لا يمنع الاحتجاج به، فالحديث صحيح. والله أعلم.
[ ١ / ٤٢ ]
وتكلم في حديث: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، وأعله بعبد الرحمن بن وعله١.
أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، فهي آية عامة، وقد جاءت السنة فخصصت الجلد المدبوغ بجواز الانتفاع به وبيعه٢.
وأما قولهم: " الدباغ لا يطهر الجلد طهارة كاملة" فمعارض لقوله ﷺ: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، ولا دليل يصرف هذه الطهارة عن الطهارة الكاملة.
أما حديث عبد الله بن عكيم، فأجاب عنه بعض العلماء بتضعيفه٣، وأولى من هذا الجواب أن يقال: إن الإهاب الذي نهى النبي ﷺ عن الانتفاع به في حديث عبد الله بن عكيم هو الجلد ما لم يدبغ، فإذا دبغ لا يقال له إهاب، هكذا قال النضر بن شميل، وهو من أئمة اللغة٤، فلا معارضة بين حديث ابن عكيم وحديث " إذا دبغ الإهاب فقد طهر"؛ لكون الأول فيما إذا كان الجلد قبل الدباغ، والثاني فيما دبغ٥.
وأما عبد الرحمن بن وعلة، فقد وثقه ابن معين، والعجلي، والنسائي٦، وابن عبد البر٧.
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب التهذيب (٦/٢٩٤) . ٢ انظر: الحاوي الكبير (١/٦١) . ٣ انظر تهذيب السنن (١١/١٢٣-١٢٤)، نصب الراية (١/١٢١) . إلا أن جميع العلل التي ضعف بها قد سبق الجواب عنها. ٤ نقله عنه أبو داود في سننه (٤/٣٧١) . ٥ انظر المجموع شرح المهذب (١/٢٧٢) . ٦ تهذيب التهذيب (٦/٢٩٣) . ٧ التمهيد (٤/١٤٠) .
[ ١ / ٤٣ ]
وأيضًا فللحديث شواهد من حديث عائشة١، وابن عمر٢، وغيرهما - ﵃ أجمعين -.
إذا ترجح أن جلد الميتة يباح بيعه إذا دبغ، فإنه يشترط أيضًا أن يكون الجلد من حيوان مأكول اللحم، فلا يباح بيع جلود السباع ونحوها مما لا يحل أكله، لحديث النبي ﷺ: " دباغ الأديم ذكاته" ٣، فأقيم
_________________
(١) ١ أخرجه مالك، كتاب الصيد (٢/٣٩٧)، ومن طريقه أخرجه: أبو داود [كتاب اللباس (٤/٣٦٨)]، وابن ماجه [كتاب اللباس (٢/١١٩٤)]، والنسائي [كتاب الفرع والعتيرة (٧/١٧٦)] بلفظ: " أن رسول الله ﷺ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت ". وفي الإسناد أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، لا تعرف. إلا أنه قد تابعها الأسود بن يزيد كما عند النسائي [كتاب الفرع والعتيرة (٧/١٧٤)]، بلفظ: " سئل النبي ﷺ عن جلود الميتة، فقال: " دباغها طهورها "، وفي لفظ " دباغها ذكاتها "، وفي لفظ: " ذكاة الميتة دباغها ". وتابعها أيضًا عطاء بن يسار كما عند الدارقطني (١/٤٩)، بلفظ " طهور كل أديم دباغه "، وقال الدارقطني: إسناد حسن كلهم ثقات أهـ. فالحديث صحيح. ٢ أخرجه الدارقطني (١/٤٨)، وقال: إسناده حسن. ٣ أخرجه الدارقطني (١/٤٥-٤٦)، واللفظ له. وأخرج نحوه أحمد (٣/٤٧٦)، و(٥/٦-٧)، والنسائي [كتاب الفرع والعتيرة (٧/١٧٣-١٧٤)]، والبيهقي [(١/٢١)]، كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن بن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق ﵁، عن النبي ﷺ. وجون بن قتادة لا يصح أن له صحبه. انظر الإصابة (١/٢٧١) . وقال فيه أحمد: لا يعرف. وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (٢/١٢٢) . قال ابن حجر: مقبول. ويشهد له ما أخرجه أحمد (١/٢٢٧) بإسناده عن ابن عباس أن داجنة لميمونة ماتت، فقال رسول الله ﷺ: " ألا انتفعتم بإهابها، ألا دبغتموه، فإنه ذكاته "، وأيضًا يشهد له لفظ الحديث الذي أخرجه النسائي (٧/١٧٦) من حديث عائشة، وقد تقدم قريبًا.
[ ١ / ٤٤ ]
الدباغ مقام الذكاة، والذكاة إنما تعمل في الحيوان مأكول اللحم. فكذلك يجب أن يكون الدباغ لا يعمل إلا في مأكول اللحم١.
وأيضًا فقد وردت أحاديث تنهى عن الانتفاع بجلود السباع، ومن هذه الأحاديث:
١ - حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تركبوا الخز ولا النمار"٢.
٢ - حديث خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية فقال: " أنشدك بالله؛ هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس جلد السباع والركوب عليها؟ قال: نعم" ٣.
٣ - وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر"٤.
_________________
(١) ١ انظر الحاوي الكبير (١/٥٨)، والمجموع (١/٢٧٣) . ٢ رواه أبو داود (٤/٣٧٢)، وابن ماجه (٢/١٢٠٥)، ولفظه لأبي داود. ولفظ ابن ماجه " كان رسول الله ﷺ ينهى عن ركوب النمور " وإسناده صحيح. ٣ رواه أبو داود (٤/٣٧٢)، والنسائي (٧/١٧٦)، واللفظ له، وأحمد (٤/١٣١-١٣٢)، ولكن الحديث عنده عن المقدام بن معدي كرب قال: " نهى " الحديث، ورواه أحمد (٤/١٣٢) مختصرًا، والطبراني (٢٠/٢٦٧)، والحديث عنده عن المقدام بن معدي كرب، ورواه أيضًا (٢٠/٢٦٩) بلفظ أبي داود، وفي إسنادهم جميعًا بقية بن الوليد، وهو ثقة، إلا أنه يدلس، ولكه قد صرح بالتحديث في روايتي أحمد، فالحديث صحيح، فإنه لا يضر تردد الراوي بين أن يكون معاوية أو المقدام؛ لكونهما جميعًا من الصحابة ﵃، وروى أحمد (٤/٩٥) نحوه بإسناد آخر، وهو صحيح. ٤ رواه أبو داود (٤/٣٧٢)، وفي إسناده عمران بن داور القطان، مختلف فيه، وسيأتي الكلام فيه عند حديث (١٨٧)، وأنه صدوق يهم.
[ ١ / ٤٥ ]
٤ - وحديث أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه رضي الله عنهأن رسول الله ﷺ: " نهى عن جلود السباع"١.
٥ - وحديث أبي ريحانة ﵁: " أن رسول الله ﷺ حرم عشرة: الوشر، والوشم، والنتف، ومكامعة٢ الرجل للرجل ليس بينهما ثوب، ومكامعة المرأة بالمرأة ليس بينهما ثوب، وخطي الحرير على أسفل، وخطي الحرير على العاتقين، والنمر - يعني جلد النمر - والنهبة، والخاتم إلا لذي سلطان"٣.
_________________
(١) ١ رواه أحمد (٥/٧٤-٧٥)، وأبو داود (٤/٣٧٤)، والترمذي (٤/٢١٢)، والنسائي (٧/١٧٦)، والحاكم (١/٣٦)، وصححه، كلهم من طرق عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة به، وهذا لفظهم، وزاد الترمذي " أن تفترش ". وقال الترمذي: ولا نعلم أحدً قال: عن أبي المليح، عن أبيه غير سعيد بن أبي عروبة. ثم رواه مرسلًا، وقال: هذا أصح. انتهى. وسعيد بن أبي عروبة هو من أوثق الرواة عن قتادة (شرح علل الترمذي: ٢/٦٩٤)، وقد روى الطبراني بإسناد صحيح عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الملح، عن أبيه، عن النبي ﷺ (المعجم الكبير: ١/١٩٢)، ولكن لعل المحفوظ في حديث شعبة الإرسال؛ لكلام الترمذي السابق. ولكن كما سبق، فإن سعيد بن أبي عروبة من أوثق الرواة عن قتادة، إلا أن يخالفه جمع من الثقات، فيقدمون عليه، وعلى فرض أن الحديث مرسل، فيشهد له حديث معاوية السابق، فيكون حسنًا لغيره. والله أعلم. ٢ المكامعة هي: أن يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحد لا حاجز بينهما. النهاية (٤/٢٠٠) . ٣ رواه أحمد (٤/١٣٥)، واللفظ له، وأبو داود (٤/٣٢٥،٣٢٦)، والنسائي (٨/١٤٣،١٤٤)، وابن ماجه (٢/١٢٠٥) مختصرًا، كلهم من طرق عن عياش بن عباس القتباني، عن أبي الحصين الحجري، عن أبي عامر الحجري، عن أبي ريحانة. ورجال الإسناد ثقات ما عدا أبي عامر، فقد قال فيه الحافظ: مقبول. وقد نقل الحافظ عن الإمام مالك أن ضعف الحديث. (فتح الباري: ١٠/٣٣٧)، ولكن تضعيف الإمام مالك راجع إلى الجملة الأخيرة من الحديث، ولكن موضع الشاهد من الحديث له شواهد سبق ذكر بعضها، فيكون الحديث بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
[ ١ / ٤٦ ]
وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها مقال، إلا أنها بمجموعها تصلح للاحتجاج بها.
وممن قال بجواز بيع جلود الميتة إذا دبغت إذا كانت من حيوان مأكول اللحم في حال الحياة الأوزاعي، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور١، وأحمد في رواية اختارها القاضي٢، وابن قدامة٣، وابن تيمية٤، وغيرهم.
وقال أبو حنيفة٥، والشافعي في الجديد٦: يباح بيع جلد الميتة مطلقًا إذا دبغ، إلا الخنزير، واستثنى الشافعي أيضًا الكلب وما تولد عنهما. وهذا القول رواية عن أحمد٧.
ودليل هذا القول قوله ﷺ: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ٨.
وأما استثناء الكلب والخنزير فلأنهما نجسان قبل موتهما٩.
وهذا القول يجب أن يقيد بالأحاديث الواردة في النهي عن جلود السباع التي قد سبق ذكرها. وكذلك قوله ﷺ: " دباغ الأديم ذكاته"، وقد سبق بيان وجه الاستشهاد به على أن الدباغ خاص لجلد ما يؤكل لحمه.
_________________
(١) ١ التمهيد (٤/١٨٢)، معالم السنن (٤/٣٦٧) . ٢ الإنصاف في مسائل الخلاف في مذهب الإمام أحمد بن حنبل (١/٨٦-٨٧) . ٣ حيث قال في المغني (١/٨٦-٨٨): الدبغ إنما يؤثر في مأكول اللحم. ٤ مجموع الفتاوى (٢١/٩٥-٩٦) . ٥ انظر: البناية شرح الهداية (١/٣٦٦) . ٦ المجموع (١/٢٦٨) . ٧ المغني (١/٨٧)، المبدع (١/٧٣)، الإنصاف (١/٨٩) . ٨ سبق تخريجه في أول الكلام على حكم بيع الميتة. ٩ انظر: المجموع (١/٢٦٧-٢٦٨) .
[ ١ / ٤٧ ]
هذا فيما يتعلق بجلد الميتة، وكلام العلماء فيه.
أما شعر الميتة وصوفها، فجمهور العلماء على أنه طاهر يجوز بيعه١، لأنه لا تحل فيه الحياة الحيوانية، ومنع الشافعي من ذلك٢. والراجح هو قول الجمهور، وقد بين ابن القيم ضعف قول الشافعي هنا٣.
أما عظم الميتة، فمنع بيعه جمهور العلماء٤، وأجاز بيعه أبو حنيفة٥، وأحمد في رواية٦. والراجح هو قول الجمهور؛ لأن عظم الميتة منها، فهو داخل في قوله ﷺ: " إن الله حرم بيع الخمر والميتة " الحديث. وليس من دليل قائم يدل على إخراج العظم من هذا الحكم.
وقد أخذ بعض العلماء من النهي عن بيع الميتة النهي عن بيع كل نجس.
قال الخطابي: فيه دليل على فساد بيع السرقين٧، وبيع كل شيء نجس العين٨.
وقال البغوي: في تحريم الخمر والميتة دليل على تحريم بيع الأعيان النجسة وإن كان منتفعًا بها في أحوال الضرورة٩.
_________________
(١) ١ البناية (١/٣٧٧)، الخرشي على مختصر سيدي خليل (١/٩٠)، المغني (١/٩٥) . ٢ المجموع (١/٢٩١) . ٣ وذلك في زاد المعاد (٥/٧٥٤-٧٥٦) . ٤ انظر: المنتقى (٣/١٣٧)، المجموع (١/٢٩٥)، المغني (١/٨٩)، الفروع (١/١١٠) . ٥ مختصر الطحاوي (ص ١٧)، بدائع الصنائع (٥/١٤٢) . ٦ الفروع (١/١١٠) . ٧ هو ما تدمل به الأرض. وهو لفظ معرب. ويقال: سرجين. (لسان العرب: ١٣/٢٠٨) . ٨ معالم السنن (٣/٧٥٦) . ٩ شرح السنة (٨/٢٨) .
[ ١ / ٤٨ ]
ويجب التنبيه هنا إلى أنه وإن حرم بيع الميتة وما يقاس عليها من الأعيان النجسة، فهذا التحريم لا يتعدى إلى الانتفاع بها؛ فالميتة مثلًا وإن حرم بيعها، فإنه يجوز الانتفاع بها بإطعامها للبزاة والصقور ونحوها، وأيضًا الزيت النجس وإن حرم بيعه، فإنه يجوز الانتفاع به في الاستصباح ونحوه. وهكذا السرقين النجس، فإنه وإن حرم بيعه، فإنه يجوز الانتفاع به في عمارة الأرض للزرع والثمر عند جمهور العلماء١، وهكذا.
فإن قيل: كيف يباح الانتفاع بالشيء ويحرم بيعه؟
فالجواب: أنه لا يلزم من إباحة الانتفاع إباحة البيع. فالصحابة ﵁ لما سمعوا بالنهي عن بيع الميتة سألوا النبي ﷺ عن بيع شحومها، وذلك لما فيها من المنافع، فنهاهم النبي ﷺ عن بيع شحومها، ولم ينههم عن الانتفاع بها.
قال الشافعي في كلامه على الانتفاع بالزيت النجس: " ويستصبح به، فإن قيل: كيف ينتفع به ولا يبيعه؟ قيل: قد ينتفع المضطر بالميتة ولا يبيعها، وينتفع بالطعام في دار الحرب ولا يبيعه في تلك الحال، قال: وقد نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وأباح الانتفاع به في بعض الأحوال، فغير مستنكر أن ينتفع الرجل بالزيت ولا يبيعه في هذه الحال"٢.
وقال ابن القيم: " ينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، بلا لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع"٣.
وأما الخنزير فهو مجمع على تحريم بيعه أيضًا٤؛ وذلك لنجاسته.
_________________
(١) ١ انظر في ذلك: حاشية الجمل على شرح المنهج (٣/٢٢-٢٣)، زاد المعاد (٥/٧٤٩-٧٥٣) . ٢ الحاوي الكبير (١٥/١٦٠) . ٣ زاد المعاد (٥/٧٥٣) . ٤ الإجماع (ص١٠١) .
[ ١ / ٤٩ ]
قال ابن القيم: تحريم بيع الخنزير يتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة١.
وهل يقاس على الخنزير كل ما لا نفع فيه مباح من الحيوانات؟
قال البغوي في ذلك: تحريم بيع الخنزير دليل على أن ما لا ينتفع به من الحيوانات لا يجوز بيعها، مثل الأسد، والقرد، والدب، والحية، والعقرب، والفأرة، والحدأة، والرخمة، والنسر، وحشرات الأرض ونحوها٢.
وأما ما لا نفع فيه مطلقًا فسوف يأتي ذكر النهي عن بيعه في فصل النهي عن إضاعة المال - إن شاء الله تعالى -.
وأما الأصنام فهي جمع صنم، وهو ما عبد من دون الله، وكان مصورًا على صورة ما. فإن لم يكن مصورًا فهو وثن٣.
وحرم بيع الأصنام حتى لا تنتشر في المجتمع الإسلامي، فتكون سببًا لوقوع الناس في الشرك بالله، واتخاذها آلهة من دون الله.
قال ابن القيم: وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت؛ صنمًا أو وثنًا، أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك، وعلى عبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها. وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها٤.
_________________
(١) ١ زاد المعاد (٥/٧٦١) . ٢ شرح السنة (٨/٢٨) . ٣ انظر: لسان العرب (١٢/٣٤٩) . ٤ زاد المعاد (٥/٧٦١) .
[ ١ / ٥٠ ]