.الفصل الأول: ما ورد في النهي عن بيع ما لم يملك أو لم يقبض وربح ما لم يضمن
٦٣ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه".
رواه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، ومالك٦، وأحمد٧، والدارمي٨، كلهم من طرق عنه به. وفي لفظ بعضهم: "حتى يقبضه".
وفي لفظ للبخاري٩ ومسلم وأبي داود والنسائي وأحمد١٠: "لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافًا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم".
وفي لفظ للبخاري١١ ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد١٢: "كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٢٦،٢١٣٣،٢١٣٦)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٠-١١٦١)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٦٠-٧٦١-٧٦٢-٧٦٣-٧٦٤-٧٦٥)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٥-٢٨٦-٢٨٧)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٩-٧٥٠)] . ٦ الموطأ (٢/٤٩٧) . ٧ المسند (١/٥٦)، (٢/٢٢،٤٦،٥٩،٦٣-٦٤،٧٣،٧٩،١٠٨) . ٨ سنن الدارمي (٢/٣٢٩) . ٩ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٣٧)، كتاب الحدود (١٢/ رقم ٦٨٥٢)] . ١٠ المسند (٢/٧، ٤٠،٥٣، ١٥٠، ١٥٧)] . ١١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٦٧)] . ١٢ المسند (١/٥٦)، (٢/١٥،٢١،١١٢-١١٣،١٤٢) .
[ ١ / ٢١١ ]
فنهاهم رسول الله ﷺ". ولفظ مسلم: "فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه". وفي لفظ لأبي داود والنسائي: "نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيلٍ حتى يستوفيه".
وقد أخطأ عبد الله بن عمر العمري في هذا الحديث، فرواه عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ به. رواه البزار١، وأبو يعلى٢.
قال البزار: "لا نعلم أحدًا قال: عن ابن عمر عن عمر إلا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر ولم يتابع عليه".
وقد خالف عبد الله بن عمر العمري مالكٌ، وأخوه عبيد الله، وعمرُ بن محمد وغيرهم. فعلى هذا فإن المحفوظ في هذا الحديث هو أنه من مسند ابن عمر لا من مسند عمر - ﵄ -. والله أعلم.
٦٤ - (٢) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "أمَّا الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض"، قال ابن عباس: "ولا أحسب كلَّ شيء إلا مثله".
رواه البخاري٣، واللفظ له، ومسلم٤، وأبو داود٥، والترمذي٦، والنسائي٧، وابن ماجه٨، كلهم من طرقٍ عن طاووس عنه به.
_________________
(١) ١ مسند البزار (١/٢٦٥-٢٦٧) . ٢ المقصد العلي (المجلد الأول: ص٢٨٨)، إتحاف الخيرة المهرة (ص١٦٠-١٦١) . ٣ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٣٢،٢١٣٥)] . ٤ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٥٩-١١٦٠)] . ٥ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٦٢-٧٦٣)] . ٦ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٨٦)] . ٧ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٥-٢٨٦)] . ٨ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٩)] .
[ ١ / ٢١٢ ]
وفي لفظ بعضهم١: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه".
وفي لفظ للنسائي: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله".
وقد زاد البخاري ومسلم وأبو داود في روايتهم: "قال طاووس: قلت لابن عباس: لم؟ فقال: "ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ".
٦٥ - (٣) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل منه، وحتى يوزن. فقال رجلٌ: وأيُّ شيء يوزن؟ قال رجلٌ إلى جنبه: حتى يحرز".
رواه البخاري٢ واللفظ له، ومسلم٣، وأحمد٤، والطبراني في الكبير٥، كلهم من طرقٍ عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري سعيد بن فيروز عنه به.
وقوله "حتى يحرز" قال النووي: قوله "حتى يحرز" هو تقديم الزاي على الراء، أي يخرص. ووقع في بعض الأصول بتقديم الراء وهو تصحيف، وإن كان يمكن تأويله لو صح٦.
وقال الحافظ ابن حجر: "حتى يحرز" بتقديم الراء على الزاي، أي يحفظ ويصان. وفي رواية الكشميهني بتقديم الزاي على الراء أي يوزن
_________________
(١) ١ لفظ للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، وهو لفظ الترمذي وابن ماجه. ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب السلم (٤/رقم ٢٢٤٦، ٢٢٤٨،٢٢٥٠)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٧)] . ٤ المسند (١/٣٤١) . ٥ المعجم الكبير (١٢/١٣٥) . ٦ شرح صحيح مسلم (١٠/١٨١) .
[ ١ / ٢١٣ ]
أو يخرص. وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيها المالك، وصوَّب عياض الأول - أي يحرز - ولكن الثاني أليق بذكر الوزن"١ انتهى.
٦٦ - (٤) عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا. فقال مروان: ما فعلت؟ فقال أبو هريرة ﵁: أحللت بيع الصِّكاك، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى " قال: فخطب مروان الناس فنهى عن بيعها.
قال سليمان: فنظرت إلى حرسٍ يأخذونها من أيدي الناس.
رواه مسلم٢ وهذا لفظه، وابن أبي شيبة٣، وأحمد٤، والطحاوي٥، كلهم من طرقٍ عن بكير بن عبد الله الأشج عنه به. ولفظ ابن أبي شيبة: "حتى يكتاله".
والصكاك: جمع صك، وهو الكتاب، وذلك أن الأمراء كانوا يكتبون للناس بأرزاقهم وأعطياتهم كتبًا، فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها تعجلًا، ويعطون المشتري الصك ليمضي ويقبضه، فنهوا عن ذلك؛ لأنه بيع ما لم يقبض٦.
ورواه مالك٧ بلاغًا، وفيه: "دخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب النبي ﷺ على مروان بن الحكم " الحديث بنحوه.
_________________
(١) ١ فتح الباري (٤/٥٠٤) . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٢)] . ٣ مصنف ابن أبي شيبة (٥/١٥٦) . ٤ مسند أحمد (٢/٣٢٩،٣٣٧،٣٤٩) . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٣٨) . ٦ النهاية في غريب الحديث (٣/٤٣) . ٧ الموطأ (٢/٤٩٧-٤٩٨) .
[ ١ / ٢١٤ ]
قال الزرقاني في هذا المبهم: "هو أبو هريرة ﵁ كما في مسلم"١.
ورواه البزار٢، والطحاوي٣، والبيهقي٤، كلهم من طرقٍ عن مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان٥، فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان".
قال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة ﵁ إلا من هذا الوجه، تفرد به مخلد عن هشام".
وقال الهيثمي: "فيه مسلم بن أبي مسلم الخرمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
ومسلم بن أبي مسلم الجرمي ذكره ابن حبان في الثقات٦، ولكن قال فيه: "ربما أخطأ". ووثقه الخطيب٧.
وقد حسن الحافظ ابن حجر هذا الإسناد٨. وسوف يأتي نحو هذا اللفظ من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -. والله أعلم.
_________________
(١) ١ شرح الزرقاني لموطأ مالك (٤/٢٣٩) . ٢ كشف الأستار (٢/٨٦) . ٣ شرح مشكل الآثار (١٥/١٤٠) . ٤ السنن الكبرى (٥/٣١٦) . ٥ المراد بالصاعين: صاع البائع وصاع المشتري، كما سيأتي في حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - الآتي بعد هذا الحديث. ٦ الثقات (٩/١٥٨) . ٧ تاريخ بغداد (١٣/١٠٠) . ٨ فتح الباري (٤/٤١١) .
[ ١ / ٢١٥ ]
٦٧ - (٥) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه".
رواه مسلم١، وأحمد٢، والطحاوي٣، وابن حبان٤، والبيهقي٥، كلهم من طرقٍ عن أبي الزبير عنه به.
وعند مسلم والبيهقي تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر ﵁.
ورواه ابن ماجه٦، والدارقطني٧، والبيهقي٨ من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عنه ﵁، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري".
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى صدوق سيء الحفظ جدًا كما تقدم٩، إلا أن هذا الحديث حسن بشواهده١٠. والله أعلم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٢)] . ٢ مسند أحمد (٣/٣٢٧،٣٩٢) . ٣ شرح معاني الآثار (٤/٣٨) . ٤ الإحسان (١١/٣٥٣) . ٥ السنن الكبرى (٥/٣١٢) . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٠)] . ٧ سنن الدارقطني (٣/٨) . ٨ السنن الكبرى (٥/٣١٦) . ٩ تقدم عند حديث رقم (٤٤) . ١٠ ومنها حديث أبي هريرة ﵁ السابق في بعض طرقه.
[ ١ / ٢١٦ ]
٦٨ - (٦) عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحلُّ سلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".
رواه أبو داود١، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤ - مختصرًا - وأحمد٥، والدارمي٦، والحاكم٧. كلهم من طرقٍ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط جملة من أئمة المسلمين".
وفي لفظٍ لأحمد: "نهى عن بيعتين في بيعة"، بدل قوله: "ولا شرطان في بيع".
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تقدم٨ أن الأقرب في الحكم عليه أنه من باب الحسن.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث حسن. والله أعلم.
وروى الطبراني في الأوسط٩، والحاكم في علوم الحديث١٠، وابن حزم في المحلّى١١، عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٦٩)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٥-٥٣٦)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٨،٢٩٥)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٧-٧٣٨)] . ٥ مسند أحمد (٢/١٧٥،١٧٩،٢٠٥) . ٦ سنن الدارمي (٢/٣٢٩) . ٧ المستدرك (٢/١٧) . ٨ تقدم عند حديث رقم (٣) . (٤/٣٣٥) . ١٠ (ص١٢٨) . ١١ (٨/٤١٥-٤١٦) .
[ ١ / ٢١٧ ]
بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة - فذكر قصةً - جاء فيها أن أبا حنيفة حدّث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ "نهى عن بيع وشرط". وفي إسنادهم جميعًا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير، وهو متروك كما قال الدارقطني١. وكذلك شيخه محمد بن سليمان الذهلي، لم أجد له ترجمة.
وقد تابع عبد الله بن أيوب بن زاذان، عبد الله بن فيروز الديلمي، كما عند الخطابي في معالم السنن٢.
وعبد الله بن فيروز الديلمي والراوي عنه وهو محمد بن هاشم بن هشام، لم أجد لهما ترجمة.
وإضافة إلى ما تقدم من ضعف الإسناد، فإن في المتن نكارة، وذلك أن جميع طرق الحديث عن عمرو بن شعيب جاء فيها: "نهى عن شرطين في بيع". ولذا حكم ابن القيم على لفظ "نهى عن بيع وشرط"" بأنه لا يعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس، ولانعقاد الإجماع على خلافه٣.
وقد سبق ابن القيم في إنكار لفظ: "نهى عن بيع وشرط" شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة٥، والبيهقي٦ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه: "بعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد إلى
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال (٣/١٠٨) . (٣/٧٧٤) . ٣ أعلام الموقعين (٢/٣٦٩) . ٤ انظر: الفتاوى (١٨/٦٣) و(٢٩/١٣٢)، منهاج السنة (٤/١١٥) . ٥ المصنف (٥/٢٣٨) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٣٩-٣٤٠) .
[ ١ / ٢١٨ ]
أهل مكة فقال: تدري إلى أين بعثتك؟ بعثتك إلى أهل الله. ثم قال: "انههم عن أربع "، ثم ذكر الحديث بنحوه. وهذا لفظ ابن أبي شيبة.
ورواه ابن عدي١، والطبراني في الأوسط٢، والبيهقي٣، كلهم من طرقٍ عن يحيى بن بكير ثنا يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس - ﵄ - "أن النبي ﷺ قال لعتاب بن أسيد: إني قد بعثتك على أهل الله، أهل مكة " الحديث.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن صالح، تفرد به يحيى بن بكير".
وقال الهيثمي: "فيه يحيى بن صالح الأيلي، قال الذهبي: روى عنه يحيى بن بكير مناكير. قلت: ولم أجد لغير الذهبي فيه كلامًا، وبقية رجاله رجال الصحيح"٤.
ونسبة الهيثمي هذا الكلام للذهبي وهم؛ وذلك لأن الذهبي إنما نقل هذا الكلام من العقيلي وليس صادرًا عنه٥. وتمام كلام العقيلي: "يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عطاء أحاديث مناكير أخشى أن تكون منقلبة، هو بعمر بن قيس أشبه"٦. وعمر بن قيس هو المكي، المعروف بسندل، متروك٧.
_________________
(١) ١ الكامل (٧/٢٤٥) . ٢ المعجم الأوسط (٩/٢١) . ٣ السنن الكبرى (٥/٣١٣) . ٤ مجمع الزوائد (٤/٨٨) . ٥ ميزان الاعتدال (٦/٦٠) . ٦ الضعفاء (٤/٤٠٩) . ٧ انظر تهذيب التهذيب (٧/٤٩١-٤٩٣)، تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٩٥٩) .
[ ١ / ٢١٩ ]
وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة يحيى بن صالح وقال: "قد روي عن يحيى بن بكير عن يحيى بن صالح الأيلي غير ما ذكرت، وكلها غير محفوظة".
وقال فيه البيهقي: "غير قوي"١.
ولذلك قال فيه ابن حجر: "منكر الحديث"٢.
وممن حكم على هذا الإسناد بالنكارة البيهقي٣.
فعلى ذلك فإن المحفوظ في هذا الحديث أنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وأما ما رواه النسائي في الكبرى٤، وابن حبان٥ بإسنادهما عن ابن جريج أخبرني عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله، إنا نسمع منك أحاديثًا فتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: " نعم". فكان أول ما كتب كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة: "لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعًا، ولا بيع ما لم يضمن، ومن كان مكاتبًا على مائة درهم فقضاها إلا عشرة دراهم فهو عبد، أو على مائة وقية فقضاها إلاّ وقيتين فهو عبد".
فقد اختلف في عطاء هذا هل هو الخراساني أم ابن أبي رباح؟
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار (٨/١٠٨) . ٢ التلخيص الحبير (٣/٢٥) . ٣ السنن الكبرى (٥/٣١٣) . ٤ السنن الكبرى (٣/١٩٧) . ٥ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١٠/١٦١) .
[ ١ / ٢٢٠ ]
فذهب ابن حزم١ وتبعه عبد الحق٢ إلى أن عطاء هو الخراساني. واختار هذا الزيلعي٣.
وذهب ابن عساكر٤، والمزي٥، وابن كثير٦، وابن حجر٧ إلى أنه ابن أبي رباح.
_________________
(١) ١ المحلّى (٩/٢٣١) . وعبارته: "عطاء هذا هو الخراساني، لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص شيئًا، ولا من أحدٍ من الصحابة إلا من أنس وحده". وقد نسب نحو هذه العبارة الزيلعي وابن حجر إلى النسائي. ولم أجد هذه العبارة عند النسائي في سننه الكبرى في المطبوع والمخطوط منها (المخطوط: ٦٧/ب) . وقد اضطربا في ذلك - أي الزيلعي وابن حجر رحمهما الله - فالزيلعي نسبها في موضع إلى النسائي، وذلك في (نصب الراية (٤/١٩)، وفي موضع آخر (٤/١٤٣) ذكر عن النسائي أنه قال: "هذا حديث منكر، وهو عندي خطأ". وأما جملة: "عطاء هو الخراساني " فنسبها إلى عبد الحق، وكلام الزيلعي في هذا الموضع ليس فيه أدنى إشارة إلى أن النسائي يثبت عنه شيء في تعيين عطاء الوارد في الإسناد. وأما ابن حجر فكذلك أيضًا فإنه ذكر في حاشيته على موارد الظمآن - للهيثمي - (مخطوط ٨٤/ أ) عن النسائي أنه قال: "عطاء هو الخراساني ولم يسمع من عبد الله بن عمرو، ولا أعلم أحدًا ذكر له سماعًا منه"، بينما ذكر الحافظ هذا الحديث في كتابه إتحاف المهرة في ترجمة عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - ولم يذكر لعطاء الخراساني عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - شيئًا. ثم إن الحافظ ميز في كتابه التلخيص (٤/٢١٦) بين كلام ابن حزم الذي فيه تعيين عطاء الوارد في الإسناد وبين كلام النسائي في الحكم على الحديث بالنكارة. ومما يؤيد أن تعيين عطاء الوارد في الإسناد لا يثبت عن النسائي، أن المزي نقل كلامه وليس فيه هذا التعيين. تحفة الأشراف (٦/٣٦٢) . ٢ الأحكام الوسطى (٤/٢٠) . ٣ نصب الراية (٤/١٤٣) . ٤ نصب الراية (٤/١٤٣) . ٥ حيث ذكر هذا الحديث في كتابه تحفة الأشراف (٦/٣٦٢) في ترجمة عطاء بن أبي رباح عن عبد الله ابن عمرو - ﵄ -. ٦ جامع المسانيد والسنن (٢٦/٣١٧-٣١٨) . ٧ حيث ذكر هذا الحديث في ترجمة عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وذلك في كتابه إتحاف المهرة - مخطوط (١٣١- أ، ب) .
[ ١ / ٢٢١ ]
والذي يترجح لي أنه عطاء الخراساني، وذلك لأنه جاء منسوبًا بذلك في بعض الروايات كما عند عبد الرزاق١، وكذلك الخطيب البغدادي٢ مختصرًا.
فإذا ترجّح أن عطاء هو الخراساني فإنه لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن عمرو - ﵄ - وإنما أخذه من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، هكذا رواه الحاكم٣ والخطيب البغدادي٤ مختصرًا. ويؤيد هذا أن الشافعي قال عن حديث النسائي وابن حبان: "لم أعلم أحدًا روى هذا عن النبي ﷺ إلا عمرو ابن شعيب"٥.
ولعلّ هذا هو سبب حكم النسائي على حديث عطاء عن عبد الله بن عمرو هذا بقوله: "هذا حديث منكر، وهو عندي خطأ"٦. والله أعلم.
فعلى هذا فيكون رجع هذا الإسناد إلى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد تقدم القول فيه. والله أعلم.
٦٩ - (٧) عن ابن عمر - ﵄ - قال: "ابتعت زيتًا في السوق، فلمّا استوجبته لنفسي لقيني رجلٌ فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجلٌ من خلفي بذراعي،
_________________
(١) ١ المصنف (٨/٤١٠،٤١١-٤١٢) . ٢ تقييد العلم (ص٧٧) . ٣ المستدرك (٢/١٧) . ٤ تقييد العلم (ص٧٦) . ٥ السنن الكبرى (١٠/٣٢٤) . ٦ نقل هذا المزي والزيلعي وابن كثير.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فالتفتُّ فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم".
رواه أبو داود١، وأحمد٢، وابن حبان٣، والطبراني٤، والدارقطني٥، والحاكم٦، كلهم من طرقٍ عن محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن عبيد بن حنين عنه به.
وعند أحمد وابن حبان تصريح ابن إسحاق بالسماع من أبي الزناد.
وقد تابع ابن إسحاق جرير بن حازم فيما رواه الطبراني٧، والدارقطني٨. وتابعه أيضًا إسحاق بن حازم فيما رواه الدارقطني٩، إلا أن في إسناده الواقدي، وهو محمد بن عمر، تركه أحمد وابن المبارك. وكذبه أحمد في رواية، والشافعي، وإسحاق، والنسائي، وابن المديني، وغيرهم١٠.
وأما أبو الزناد، فهو عبد الله بن ذكوان القرشي، وهو ثقة١١.
وعبيد بن حنين، فهو أبو عبد الله المدني، وهو ثقة١٢ أيضًا.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٦٥)] . ٢ المسند (٥/١٩١) . ٣ الإحسان (١١/٣٦٠) . ٤ المعجم الكبير (٥/١١٣-١١٤) . ٥ سنن الدارقطني (٣/١٣) . ٦ المستدرك (٢/٤٠) . ٧ المعجم الكبير (٥/١١٣) . ٨ سنن الدارقطني (٣/١٢) . ٩ المرجع السابق. ١٠ تهذيب التهذيب (٩/٣٦٣-٣٦٨) . ١١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٣٠٢) . ١٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٣٦٨) .
[ ١ / ٢٢٣ ]
فمما سبق يتبين أن الحديث صحيح من حديث ابن إسحاق وجرير بن حازم. والله أعلم.
٧٠ - (٨) عن حكيم بن حزام ﵁ قال: يا رسول الله؛ يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك".
جاء هذا الحديث عن حكيم بن حزام ﵁ من ثلاث طرق:
الطريق الأولى: يوسف بن ماهك عنه به:
اختلف فيه فرواه أبو داود١ باللفظ المذكور، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥، كلهم من هذا الطريق. قال الترمذي: "حديث حسن".
ورواه الطيالسي٦، وعبد الرزاق٧، وأحمد٨، وابن الجارود٩، والطحاوي١٠، كلهم من طرقٍ عن يوسف بن
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٦٨-٧٦٩)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٤،٥٣٦)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٩)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٧)] . ٥ المسند (٣/٤٠٢،٤٣٤) . ٦ مسند الطيالسي (ص١٨٧) . ٧ المصنف (٨/٣٨،٣٩) . ٨ المسند (٣/٤٠٢) . ٩ المنتقى (٢/١٨٢-١٨٣) . ١٠ شرح معاني الآثار (٤/٤١) . وقد رواه بإسنادين، وقد وقع في المطبوع منه سقط في إسناد الثاني منهما.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام ﵁ به. فذكروا واسطة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام ﵁. وجميع من روى هذا الحديث عن يوسف بن ماهك لم يذكروا تصريح يوسف بن ماهك بالسماع من حكيم بن حزام ﵁ ما عدا رواية همام بن يحيى العَوْذي عن يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك أن حكيم بن حزام حدثه به. رواها قاسم بن أصبغ في كتابه١.
واعتمد ابن حزم على رواية همام فأثبت اتصاله بين يوسف وحكيم بن حزام، فلذلك صحح الحديث من هذه الطريق٢. إلا أن رواية همام قد أُعلت بمخالفة غيره له ممن لم يذكر سماع يوسف من حكيم. فقال عبد الحق الإشبيلي: "هكذا ذكر- يعني همامًا - سماع يوسف بن ماهك من حكيم بن حزام، وهشام الدستوائي يرويه عن يحيى ويدخل بين يوسف وحكيم عبد الله بن عصمة، وكذلك هو بينهما في غير حديثٍ"٣.
وتابع هشامًا على روايته شيبان النحوي٤، وأبان العطار٥ وغيرهما.
والذي يظهر لي أن الخلل ليس من همام بن يحيى وإنما من نسخة كتاب قاسم بن أصبغ، فيكون سقط من كتابه ذكر
_________________
(١) ١ ذكر إسناد قاسم بن أصبغ ابن حزم في المحلَّى (٨/٥١٩) . ٢ المحلى (٨/٥١٩) . ٣ الأحكام الوسطى (٣/٢٣٨) . ٤ عند ابن الجارود والطبراني (٣/١٩٦)، والبيهقي (٥/٣١٣) . ٥ عند الدارقطني (٣/٨-٩) .
[ ١ / ٢٢٥ ]
عبد الله بن عصمة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام ﵁. وقد روى ابن حبان١، والدارقطني٢ هذا الحديث من طريق همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير به، وذكرا عبد الله بن عصمة بين يوسف وحكيم. قال ابن القطان: "هكذا رواه قاسم بن أصبغ، وأنا أخاف أن يكون سقط من الإسناد ابن عصمة، ورواية الدارقطني تبين ذلك"٣.
وممن رجّح ذكر الواسطة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام ﵁ ابن عبد الهادي٤.
فإذا ترجّح أن يوسف بن ماهك لم يسمعه من حكيم بن حزام ﵁ وأنه سمعه من عبد الله بن عصمة، فقد تابعه في الرواية عن عبد الله بن عصمة عطاء بن أبي رباح، وذلك فيما رواه النسائي٥، والشافعي٦، وأحمد٧، والطحاوي٨، كلهم من طرقٍ عن عطاء به.
فعلى ذلك فإن مدار هذه الطريق على عبد الله بن عصمة، وهو الجشمي، ذكره البخاري٩، وابن أبي حاتم١٠ ولم يذكرا
_________________
(١) ١ الإحسان (١١/٣٥٨) . ٢ سنن الدارقطني (٣/٩) . ٣ نصب الراية (٤/٣٢) . ٤ نصب الراية (٤/٣٣) . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٦)] . ٦ الرسالة (ص٣٣٦) . ٧ المسند (٣/٤٠٣) . ٨ شرح معاني الآثار (٤/٣٨) . ٩ التاريخ الكبير (٥/١٥٨) . ١٠ الجرح والتعديل (٥/١٢٦) .
[ ١ / ٢٢٦ ]
فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره مسلم في تابعي أهل مكة١. وذكره ابن حبان في الثقات٢.
وأما قول ابن حزم فيه: متروك٣. وكذا قول عبد الحق: ضعيف جدًا٤. فأجاب عن قولهما ابن عبد الهادي فقال: "كلاهما مخطئ في ذلك، وقد اشتبه عليهما عبد الله بن عصمة هذا بالنصيبي أو غيره ممن يسمى عبد الله بن عصمة"٥.
وكذلك تعقب ابن القطان عبد الحق فقال: "بل هو مجهول الحال"٦.
وأما الذهبي فقد اضطرب فيه، فقال في الميزان: "لا يعرف"٧، وقال في الكاشف: "ثقة"٨، وأصاب ابن حجر فجعله في مرتبة: "مقبول"٩.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لجهالة عبد الله بن عصمة، ولكنه يصلح للمتابعة، وقد توبع كما سيأتي.
_________________
(١) ١ الطبقات (١/٢٦٨) رقم (١٠٧١) . ٢ الثقات (٥/٢٧) . ٣ المحلى (٨/٥١٩) . ٤ الأحكام الوسطى (٣/٢٣٨) . ٥ نصب الراية (٤/٣٣) . ٦ تهذيب التهذيب (٥/٣٢٢) . وقد قال ابن عبد الهادي إن ابن القطان تبع عبد الحق. (نصب الراية: ٤/٣٣) . وهذا فيه نظر؛ لأن ابن القطان لم يتابع عبد الحق بل تعقبه. والله أعلم. ٧ ميزان الاعتدال (٣/١٧٥) . ٨ الكاشف (٢/٩٨) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٤٧٧) .
[ ١ / ٢٢٧ ]
الطريق الثانية: عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن موهب عن عبد الله بن محمد بن صيفي عنه به.
رواه النسائي١، والشافعي٢، وأحمد٣، والطحاوي٤، والطبراني٥ كلهم من هذا الطريق.
وصفوان بن موهب، وعبد الله بن محمد بن صيفي لم يوثقهما غير ابن حبان٦، ولذا قال الحافظ ابن حجر في كلٍّ منهما: "مقبول"٧.
والحكم على هذه الطريق كالحكم على الطريق السابقة.
الطريق الثالثة: عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم عن أبيه به.
رواه النسائي٨، وابن أبي شيبة٩، والطحاوي١٠، وابن حبان١١، والطبراني١٢ كلهم من هذا الطريق.
_________________
(١) ١ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٦)] . ٢ الرسالة (ص٣٣٥-٣٣٦) . ٣ المسند (٣/٤٠٣) . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٣٨) . ٥ المعجم الكبير (٣/١٩٤) . ٦ الثقات (٦/٤٦٩-٤٧٠)، (٥/٤٤) . ٧ تقريب التهذيب: رقم ترجمتهما (٢٩٤٢،٣٥٨٤) . ٨ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٦)] . ٩ المصنف (٥/١٥٥) . ١٠ شرح معاني الآثار (٤/٣٨) . ١١ الإحسان (١١/٣٦١) . ١٢ المعجم الكبير (٣/١٩٧) .
[ ١ / ٢٢٨ ]
ولفظ النسائي: عن حكيم بن حزام ﵁ قال: ابتعت طعامًا من طعام الصدقة، فربحت فيه قبل أن أقبضه. فأتيت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له فقال: "لا تبعه حتى تقبضه ".
وحزام بن حكيم بن حزام لم يوثقه غير ابن حبان أيضًا١. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول"٢.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث حكيم بن حزام ﵁. وأما ما رواه الطبراني٣ من طرقٍ عن محمد بن سيرين عن حكيم بن حزام ﵁ به فقد أعله بالانقطاع بين محمد بن سيرين وحكيم، البخاري٤ والترمذي٥. قال الترمذي: "هذا حديث مرسلٌ، إنما رواه ابن سيرين عن أيوب السختياني عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام".
فيكون بذلك قد عاد حديث محمد بن سيرين إلى حديث يوسف بن ماهك، وقد سبق ذكره.
والحديث بمجموع طرقه وشواهده حديث حسن. والله أعلم.
قال ابن المنذر: "بيع ما ليس عندك يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يقول: أبيعك عبد ًا أو دارًا معينة وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر، لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها.
_________________
(١) ١ الثقات (٤/١٨٨) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١١٨٩) . ٣ المعجم الكبير (٣/٢٠٦،٢٠٧) . ٤ التاريخ الكبير (٦/٥١٧) . ٥ جامع الترمذي (٣/٥٣٦) .
[ ١ / ٢٢٩ ]
ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن اشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها"١.
قال ابن حجر: قصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني٢.
وقد روى الحديث العقيلي٣ والطبراني٤، كلاهما من طريق العلاء بن خالد الواسطي عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن حكيم ﵁ به، بلفظ: "نهاني رسول الله ﷺ عن أربع خصال في البيع: عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وربح ما لم يضمن".
قال الهيثمي: "فيه العلاء بن خالد الواسطي، وثقه ابن حبان وضعفه موسى بن إسماعيل" ٥.
والعلاء بن خالد الواسطي رماه موسى بن إسماعيل بالكذب٦، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، وكذلك رماه بالكذب يحيى القطان وابن معين٧.
وأما قول الهيثمي: "وثقه ابن حبان". فالجواب عنه أن ابن حبان قد اضطرب في العلاء بن خالد الواسطي، فذكره في الثقات٨ كما قال الهيثمي، وذكره أيضًا في المجروحين فقال فيه: "كان يُعْرف بأربعة أحاديث، ثم زاد الأمر وجعل يحدث بكلّ شيء سئل، فلا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه"٩.
_________________
(١) ١ فتح الباري (٤/٤٠٩-٤١٠) . ٢ سوف يأتي ذكر المزيد في هذا في الدراسة الفقهية. ٣ الضعفاء (٣/٣٤٥) . ٤ المعجم الكبير (٣/٢٠٧) . ٥ مجمع الزوائد (٤/٨٨) . ٦ تهذيب التهذيب (٨/١٨٠) . ٧ الكامل (٥/٢٢٠) . ٨ الثقات (٧/٢٦٧) . ٩ المجروحين (٢/١٨٣) .
[ ١ / ٢٣٠ ]
فعلى هذا فإن الحديث بهذا اللفظ لا يثبت عن حكيم بن حزام ﵁ لحال العلاء بن خالد الواسطي.
وأما متن الحديث فهو ثابت من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - كما تقدم ذكر حديثه.
٧١ - (٩) عن عتَّاب بن أسيد ﵁ قال: "لما بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة نهاه عن شفِّ ما لم يضمن".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وأبو يعلى٢. وإسنادهما واحد وهو عثمان بن أبي شيبة عن ابن فضيل عن ليث بن أبي سليم عن عطاء بن أبي رباح عنه به. إلا أن لفظ أبي يعلى أتم من لفظ ابن ماجه، ولفظه: "نهاه عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وشفِّ ما لم يضمن".
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف، وليث هو ابن أبي سليم ضعفه الجمهور، وعطاء هو ابن أبي رباح لم يدرك عتابًا" ٣. وذكر البوصيري بعض الشواهد له.
وقد تقدم الكلام في ليث بن أبي سليم وأنه ضعيف٤.
وأشار البوصيري إلى علة أخرى في هذا الإسناد، وهي الانقطاع بين عطاء وعتاب بن أسيد ﵁. وحكم على رواية عطاء بن أبي رباح عن عتاب ابن أسيد بالانقطاع المزي أيضًا٥.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٨)] . ٢ إتحاف الخيرة المهرة (ص١٤٦-١٤٧) . ٣ المصدر السابق. وانظر: مصباح الزجاجة (٣/١٥) . ٤ تقدم عند الطريق السابعة لحديث ابن عمر - ﵄ - رقم (٩) . ٥ تهذيب الكمال (٢٠/٧١) .
[ ١ / ٢٣١ ]
وللحديث طريق أخرى، فرواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن عتاب بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ قال له حين أمره على مكة: "هل أنت مبلغ عني قومك ما آمرك به؟ قل لهم: لا يجمع أحدٌ بيعًا ولا سلمًا، ولا يبع أحدٌ بيع غرر، ولا يبع أحدٌ ما ليس عنده".
وموسى بن عبيدة هو ابن نُشيط الرَّبذي المدني. قال فيه ابن معين: ليس بالكذوب ولكنه روى عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير. وقال مرّةً: ليس بشيء. وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث جدًا٢.
فمما تقدم يتبين أن موسى بن عبيدة الربذي ضعيف جدًا، ولا سيما في عبد الله بن دينار، فلا يعتبر به. وهذا الحكم أولى من قول ابن حجر فيه في تقريب التهذيب: "ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار"٣. وأصاب في الفتح فقال: "ضعيف جدًا"٤.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث إلى عتاب بن أسيد ﵁ ضعيف. إلا أنه قد سبق عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن النبي ﷺ قال لعتّاب هذا الحديث. فهو من مسند عبد الله بن عمرو لا عتابًا ﵃.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (١٧/١٦٢) . ٢ تهذيب التهذيب (١٠/٣٥٧-٣٥٨) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٩٨٩) . ٤ فتح الباري (٧/٦٩٤) .
[ ١ / ٢٣٢ ]
٧٢ - (١٠) عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان ينهى رب النخل أن يدين في ثمر نخله حتى يؤكل من ثمرتها مخافة أن يدين بدينٍ كثير فتفسد الثمرة فلا يوفَّى عنه، وكان ينهى رب الزرع أن يدين في زرعه حتى يبلغ الحصد، وكان ينهى رب الذهب إذا باعها بطعامٍ في الثمر أن يبيع الطعام حتى يكال الطعام فيقبضه مخافة الربا".
رواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن مروان بن جعفر السمري، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عنه به.
ومروان بن جعفر قال فيه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث٢.
وأما محمد بن إبراهيم بن خبيب، فقال ابن حبان: لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد٣.
وقد تابعه يوسف بن خالد السمتي كما عند البزار٤، إلا أن يوسف بن خالد متروك كما تقدم٥.
فعلى هذا فلا تصلح هذه المتابعة لشدة ضعف يوسف بن خالد السَّمتي.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٧/٢٦٠) . ٢ الجرح والتعديل (٨/٢٧٦) . ٣ الثقات (٩/٥٨) . ٤ كشف الأستار (٢/٩٦) . ٥ تقدم عند حديث رقم (٤٢) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
وأما جعفر بن سعد بن سمرة، وخبيب بن سليمان بن سمرة، وأبوه، فقال ابن القطان: "ما من هؤلاء يعرف حاله، وقد جهد المحدِّثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة"١.
وقال ابن حزم في جعفر بن سعد وخبيب بن سليمان: مجهولان٢.
وقال عبد الحق الإشبيلي في جعفر بن سعد: ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي٣.
وقال الذهبي في خبيب بن سليمان: لا يُعرف٤. وقال: مجهول الحال٥.
وقال في سليمان بن سمرة: ليس بالمشهور٦.
وخلص الحافظ الذهبي في الحكم على هذا الإسناد بقوله: "بكلِّ حالٍ هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم"٧.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال (١/٤٠٧)، تهذيب التهذيب (٢/٩٤) . ٢ ميزان الاعتدال (١/٤٠٧) . ٣ تهذيب التهذيب (٢/٩٤) . ٤ ميزان الاعتدال (٢/١٧٢) . ٥ ميزان الاعتدال (١/٤٠٧) . ٦ ميزان الاعتدال (١/٤٠٨) . ٧ المرجع السابق.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٧٣ - (١١) عن يعلى بن أمية ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ عتَّاب بن أسيد على مكة فقال: "إني قد أمرتك على أهل الله ﷿ بتقوى الله ﷿، ولا يأكل أحدٌ منهم من ربح ما لم يضمن، وانههم عن سلفٍ وبيعٍ، وعن صفقتين في البيع الواحد، وأن يبيع أحدهم ما ليس عنده".
رواه البيهقي١ بإسناده عن محمد بن إسحاق عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه به.
ومحمد بن إسحاق مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث. وعطاء هو ابن أبي رباح. وصفوان بن يعلى بن أمية التميمي ثقة٢.
فمما سبق يتبين أن علة هذا الإسناد هي تدليس ابن إسحاق. وقد تقدم٣ أن هذا الحديث إنما يحفظ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والله أعلم.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٣١٣) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٩٤٥) . ٣ عند حديث رقم (٦٨) .
[ ١ / ٢٣٥ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد من هذه الأحاديث النهي عن بيع ما ليس عند البائع وقت العقد، لقوله ﷺ لحكيم ﵁: "لا تبع ما ليس عندك".
وقد أجمع العلماء على النهي عن بيع ما لم يملك١.
وذلك أن الذي يبيع ما ليس عنده قد ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - وغيره، فالشارع أباح الربح للتاجر بشرط أن تكون السلعة في ضمانه قبل بيعها؛ ليكون الربح مقابل ضمانه، والخراج بالضمان، فإذا باع التاجر سلعة لا يضمنها، وذلك بأن لا تكون في ملكه، فذلك لا يجوز؛ سواء أكانت هذه السلعة معينة أم في الذمة، وهو المراد بنهي النبي ﷺ بقوله: "لا تبع ما ليس عندك"٢.
وألحق جمهور العلماء بهذا النهي أن يبيع في الذمة ما يملكه وهو السلم الحال، وقالوا: إذا كان عنده فإنه لا يبيعه إلا معينًا، وليس له أن يبيعه في الذمة.
وذهب الشافعي إلى جواز السلم الحال، وقال: "إذا جاز السلم المؤجل جاز السلم الحال من باب أولى"٣، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
أما السلم المؤجل فقد اتفق الفقهاء على جوازه، وهو أن يسلم عوضًا حاضرًا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل٥.
_________________
(١) ١ المبدع (٤/١٨) . ٢ انظر تفسير آيات أشكلت (٢/٦٩١) . ٣ انظر الأم للشافعي (٩/١٠٠) . ٤ انظر تفسير آيات أشكلت (٢/٦٩٢) . ٥ المغني (٤/٣١٢) .
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن السلم المؤجل مستثنى من النهي عن بيع ما ليس عند البائع؛ للنصوص الواردة في إباحته، وذهب الشافعي إلى أن السلم بيع لما في الذمة، وبيع ما ليس عندك بيع لما في الأعيان١، فافترقا.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية ما قدمناه أولًا في المراد في النهي عن بيع ما ليس عندك، وهو أن يبيع في الذمة ما ليس هو مملوكًا له، أو يملكه لكن لا يقدر على تسليمه؛ فالعندية ليست عندية الحس والمشاهدة، وإنما هي عندية الحكم والتمكين٢.
وبيع ما ليس عندك من قسم القمار والميسر؛ لأنه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره.
وأكثر الناس لو علموا لم يشتروا منه، بل يذهبون هم فيشترون من حيث اشترى هو، وإن قدر أن منهم من يعلم ويشتري؛ كما لو كانت عنده؛ لكونه يشتريها من مكان بعيد، أو يشتري جملة ونحو ذلك مما قد يتعسر على المشتري منه، وإنما يفعل ذلك إذا ظن أن هذا الربح هو الربح لو كانت عنده.
وليست المخاطرة الموجودة في بيع ما ليس عندك مخاطرة تجارة، وإنما مخاطرة ميسر وقمار، وذلك يتضمن أكل أموال الناس بالباطل، وهي كمخاطرة بالبيع قبل القدرة على التسليم؛ كبيع الثمار قبل بدو صلاحها، أو بيع حبل الحبلة، أو بيع العبد الآبق، وغير ذلك فإذا اشترى التاجر السلعة، وصارت عنده ملكًا، وقبضها فحينئذ دخل في خطر التجارة الذي لا بد منه، وباع بيع التجارة كما أحلها الله تعالى٣.
_________________
(١) ١ انظر الرسالة للشافعي (ص ٣٣٩-٣٤٠) . ٢ تهذيب السنن (٩/٢٩٩) . ٣ انظر تفسير آيات أشكلت (٢/٧٠٠-٧٠٢) .
[ ١ / ٢٣٧ ]
فإذا تبين مما تقدم معنى النهي عن بيع ما ليس عند البائع، فإن الشارع تأكيدًا لهذا الجانب نهى عن بيع السلع حتى تقبض وتضمن.
وهذا القبض واجب في كل مبيع، سواءً أكان مطعومًا أم غير مطعومٍ، وسواءً أكان منقولًا أم عقارًا، وسواء أبيع مقدّرًا أم جزافًا، وقبض كل شيءٍ بحسبه، فإن كان غير منقول وهو العقار كالبناء ونحوه الشجر، فبالتخلية بين المشتري وبينه وتمكينه من التصرف فيه بتسليمه المفتاح ونحوه.
وإن كان منقولًا وبيع جزافًا فقبضه يتم بنقله من حوزة البائع إلى غيره.
وإن كان المبيع منقولًا وبيع مقدرًا بكيلٍ أو وزنٍ أو عدٍ أو نحو ذلك، فلا يكفي النقل، بل لابد أيضًا من توفيته، وذلك بكيل ما بيع بالكيل، ووزن ما بيع بالوزن، وعد ما بيع بالعد وهكذا.
وهذا هو الذي دلّ عليه مجموع الأحاديث السابقة. وبهذا القول قال الشافعي١.
وأما مالك فخص النهي عن بيع ما لم يقبض بالطعام فقط٢.
وأبو حنيفة استثنى العقار من اشتراط القبض فيه، لأن الحنفية يرون أن الحكمة في النهي عن بيع ما لم يقبضه هو احتمال هلاك المبيع. قالوا: وهذا الهلاك لا يتوهم حصوله في العقار٣. والقبض عند الحنفية فيما يشترط فيه القبض يتم ولو بالتخلية٤.
_________________
(١) ١ المجموع (٩/٣١٩) فما بعدها، روضة الطالبين (٣/٥١٥-٥١٨)، الحاوي (٥/٢٢٦-٢٢٨) . ٢ المعونة (٢/٩٧٢) . ٣ بدائع الصنائع (٥/١٨٠-١٨١) . ٤ المرجع السابق (٥/٢٤٤-٢٤٥) .
[ ١ / ٢٣٨ ]
وأما الحنابلة فعندهم روايات في هذه المسألة أشهرها أن النهي عن بيع ما لم يقبض هو فيما إذا كان المبيع مكيلًا أو موزونًا وبيع بهما، فيشترط فيه الكيل أو الوزن مع النقل١.
وقد تقدم أن الذي تدل له السنة هو القول بعموم النهي عن بيع ما لم يقبض. وكذلك بيع ما لم يقبض فيه ربح ما لم يضمن٢، وقد نُهي عنه كما جاء في بعض أحاديث هذا الفصل٣.
ومعنى ربح ما لم يضمن، هو أن يبيع سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها، فهي من ضمان البائع الأول ليس من ضمان المشتري، فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه فيكون من ضمانه. قاله الخطابي٤.
قال ابن العربي: "وأما ربح ما لم يضمن فإنما لم يجز؛ لأن بيعه لا يجوز؛ لأن ما لم يضمن إما أنه لا يملك فيكون من بيع ما ليس عندك، وإما لأنه غير مقدورٍ على تسليمه، فيكون من باب الغرر والمخاطرة"٥.
وهناك صورة ثالثة يكون فيها الربح لما لم يضمن وهو بيع ما لم يقبض وإن كان مملوكًا. وقد تقدمت هذه الصورة في كلام الخطابي.
والنهي عن ربح ما لم يضمن من محاسن الشريعة، فإنه لم يتم عليه استيلاء ولم تنقطع علق البائع عنه فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على
_________________
(١) ١ انظر: المبدع (٤/١١٧-١٢٢) . ٢ انظر: تهذيب السنن (٩/٢٩٩) . ٣ الأحاديث ذات الأرقام التالية: (٦٨،٧٠،٧١،٧٣) . ٤ معالم السنن (٣/٧٧٠) . ٥ القبس (٢/٧٩٩) .
[ ١ / ٢٣٩ ]
إغماضٍ وتأسفٍ على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه ويكون من ضمانه فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه١.
ويستثنى من النهي عن ربح ما لم يضمن بيع الثمار بعد بدو صلاحها وهي على رؤوس الشجر، ذلك أنه يجوز بيعها وهي كذلك على الصحيح، وإذا أصابتها جائحة من ريحٍ وغيره فإنها من ضمان البائع، وإنما جوز هذا البيع للحاجة إليه، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجاز البيع؛ لأنها في حكم المقبوض بالتخلية، وصارت من ضمان البائع بالجائحة؛ لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه٢. والله أعلم.
والناظر في أسواق المسلمين اليوم يرى كثيرًا من المعاملات التي يبيع فيها بعض الناس ما ليس عنده، فإذا علم التاجر حاجة شخص إلى سلعة ما؛ كسيارة أو أثاث أو غيرهما، والحال أن هذا الشخص لا يستطيع شراء هذه السلعة بالنقد، فيقول له التاجر: أنا أشتري لك هذه السيارة وأبيعها لك مؤجلة بكذا، فيربح ما لم يضمن، فلا يجوز له أن يبيعها حتى يقبضها القبض الشرعي الذي سبق ذكره، ثم بعد ذلك للمشتري الخيار في الشراء.
ومن هذه الصور أيضًا ما يفعله بعض التجار في بعض الأسواق؛ كأسواق الماشية أو السيارات أو غيرهما؛ فيشتري سيارة في السوق، ثم يعرضها للبيع وهي في مكانها، وقد يشتريها آخر، ويعرضها للبيع مرة أخرى،
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (٩/٢٩٨) . ٢ انظر: تهذيب السنن (٩/٢٩٨) .
[ ١ / ٢٤٠ ]
وهكذا، فقد تباع أكثر من مرة وهي ما زالت في مكانها من غير أن يتحقق لأحدهم قبض فيها.
وبسبب انتشار مثل هذه الصور في أسواق المسلمين وقع الضرر بمن يحتاج هذه السلع؛ لأنه يزيد في ثمنها من يريد الربح فيها فقط، والشارع أباح له الربح بشرط تحقق قبضه فيها، وضمانه لها، وكثير من هؤلاء التجار الذين يريدون الربح فقط لو علم أنه لا يربح فيها حتى يقبضها ويضمنها فإنه يكف عن الشراء، وبهذا تتوفر السلع في الأسواق لمن يحتاجها بثمن أقل.
[ ١ / ٢٤١ ]