الفصل الأول: ما ورد في النهي عن بيع الغرر
٩٨ - (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر".
رواه مسلم١، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، كلهم من طرقٍ عن أبي الزناد عن الأعرج عنه به٧.
ورواه ابن عبد البر٨ بإسناده عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن نافعٍ عن أبي هريرة ﵁ به. فإن كان محفوظًا عن الدراوردي فقد أخطأ فيه، فإن غيره يرويه عن عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ به كما تقدم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٥٣)] . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٧٢-٦٧٣)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٢)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٢)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٩)] . ٦ المسند (٢/٢٥٠،٣٧٦،٤٣٦،٤٣٩،٤٩٦) . ٧ وقع في المطبوع من مسند أحمد (٢/٣٧٦) ذكر هذا الحديث بإسناد آخر، وهو: عن عبيد الله بن عمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ به. وعند الرجوع إلى مخطوطٍ لمسند أحمد (جـ١/ص٦٧١) تبين أن هذا الإسناد خطأ، وأن الإسناد إنما هو: عن عبيد الله عن أبي الزناد عن الأعرج به. ويؤيد هذا أن الحافظ ابن حجر إنما ذكر هذا الحديث في أطرافه لمسند أحمد (٧/٣٥٣) من طريق أبي الزناد عن الأعرج ولم يذكره في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁. ولم يصب محقق أطراف مسند أحمد في استدراكه على الحافظ ابن حجر هذا الحديث من طريق أبي سلمة (٨/١٨٤) . ٨ التمهيد (٢١/١٣٥) .
[ ١ / ٣٠٣ ]
والدراوردي قد تكلم في حديثه عن عبيد الله بن عمر فقد قال فيه النسائي: "حديثه عن عبيد الله بن عمر منكر"١.
وجاء الحديث أيضًا من وجهٍ آخر، فقد رواه الطبراني في الأوسط٢ بإسناده عن أبي قرّة موسى بن طارق عن زمعة بن صالح عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر". وذكر الطبراني أن أبا قرة تفرد بهذا الإسناد.
وزمعة بن صالح ويعقوب بن عطاء ضعيفان٣.
وقال ابن عدي أيضًا في يعقوب: "عنده غرائب وخاصة إذا روى عنه أبو إسماعيل المؤدب وزمعة بن صالح، وعن زمعة أبو قرة"٤.
ورواه الطبراني أيضًا٥ بإسنادٍ آخر عن عطاء، وذلك من طريق ضرار بن صرد عن المطلب بن زياد عن ابن أبي ليلى عن عطاء به، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر". وضرار بن صرد تقدم الكلام فيه٦، وأنه ضعيف جدًا، فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يصلح للاعتبار، فيبقى أن هذا الحديث عن أبي هريرة إنما هو محفوظ من رواية الأعرج عنه به. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٦/٣٥٤) . ٢ المعجم الأوسط (٣/١٨-١٩) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٠٣٥،٧٨٢٦) . ٤ الكامل (٧/١٤٤) . ٥ المعجم الأوسط (٥/٣٨١) . ٦ عند حديث (٤٤) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
٩٩ - (٢) عن سهل بن سعد ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر".
رواه الطبراني في الكبير١ والأوسط٢، والدارقطني في الأفراد٣، وابن عبد البر٤، كلهم من طرقٍ عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عنه به.
وعبد العزيز بن أبي حازم قال فيه ابن معين: ثقة صدوق ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وقال مرة: ليس به بأس. ووثقه العجلي وابن نمير وابن حبان٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق"٦.
وقد روى مالك عن أبي حازم عن سعيد بن المسيب "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر"٧.
وقد أعل ابن عبد البر رواية عبد العزيز بن أبي حازم برواية مالك، فقال عن رواية عبد العزيز: "هذا خطأ، ولم يرو هذا الحديث أبو حازم عن سهل، وإنما رواه عن سعيد ابن المسيب كما قال مالك، وليس ابن أبي حازم في الحديث ممن يحتج به فيما خالف غيره، وهو عندهم لين الحديث ليس بحافظ، والحديث محفوظ من حديث أبي هريرة ﵁ ومعلوم أن سعيد بن المسيب من كبار رواة أبي هريرة"٨.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٦/١٧٢) . ٢ المعجم الأوسط (٥/٣٤٨) . ٣ ساق إسناده الحافظ ابن حجر في موافقة الخُبْر الخَبَر (١/٥٢٠) . ٤ التمهيد (٢١/١٣٥) . ٥ تهذيب التهذيب (٦/٣٣٤) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٠٨٨) . ٧ الموطأ (٢/٥١٣) . ٨ التمهيد (٢١/١٣٥) .
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقد سبق ابن عبد البر في تخطئة عبد العزيز بن أبي حازم الدارقطني حيث قال عن رواية مالك المرسلة: "أصح"١، ثم قال: "لكن قد رواه عبد العزيز عن أبيه بالسندين فدلَّ على أنه حفظه"٢.
وقد أجاب ابن حجر عن كلام ابن عبد البر في عبد العزيز بن أبي حازم، حيث قال: "احتج به الشيخان"٣.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث حسن لذاته. ولكنه يرتقي بشواهده إلى الصحيح لغيره. ولذا حكم عليه الحافظ ابن حجر بقوله: "هذا حديث حسن صحيح"٤، والله أعلم.
١٠٠ - (٣) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تلامسوا، ولا تناجشوا، ولا تبايعوا الغرر، ولا يبيعنَّ حاضر لبادٍ، ومن اشترى محفَّلةً فليحلبها ثلاثة أيام فإن ردّها فليردّها بصاعٍ من تمر".
جاء هذا الحديث عن أنس ﵁ من طريقين:
الطريق الأولى: إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عنه به:
رواه أبو يعلى٥ باللفظ المذكور، ورواه مختصرًا الحارث بن أبي أسامة٦، والبزار٧، وابن عدي٨، والبيهقي٩، كلهم من هذا الطريق.
_________________
(١) ١ موافقة الخُبْر الخَبَر (١/٥٢٠) . ٢ المرجع السابق. ٣ المرجع السابق (١/٥٢١) . ٤ المرجع السابق (١/٥٢٠) . ٥ مسند أبي يعلى (٥/١٥٤-١٥٥) . ٦ بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (١/٤٩٤) . ٧ كشف الأستار (٢/٨٩-٩٠) . ٨ الكامل (١/٢٨٥) . ٩ السنن الكبرى (٥/٣١٩) .
[ ١ / ٣٠٦ ]
وإسماعيل بن مسلم المكي تركه يحيى وابن مهدي وابن المبارك. وقال ابن عيينة: كان يخطئ، أسأله عن الحديث فما كان يدري شيئًا. وقال أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بمتروك، يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك١.
وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف الحديث"٢، والذي يظهر لي أنه ضعيف جدًا.
الطريق الثانية: يونس عن الحسن عنه به:
رواه ابن عدي٣ بإسناده عن أبي عمارة به. ولفظه: "لا تناجشوا، ولا تلامسوا، ولا تبايعوا الغرر، ولا يبيع حاضر لبادٍ".
وأبو عمارة المذكور هو يعقوب بن إسحاق الرازي - قاله ابن عدي - وقد قال فيه أبو حاتم: "ما أرى بحديثه بأسًا، وهو أحبُّ إليَّ من علي بن عبد الله بن راشد مولى قراد"٤. وقد قال أبو حاتم في علي بن عبد الله بن راشد: "كان صدوقًا"٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١/٣٣٢) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٨٤) . ٣ الكامل (٧/١٥٢) . ٤ الجرح والتعديل (٩/٢٠٣) . وقد أغفل قول أبي حاتم الذهبيُّ وابنُ حجر، فلم يذكراه عند ترجمتهما ليعقوب بن إسحاق مع شدة عنايتهما بكتاب ابن أبي حاتم. انظر: ميزان الاعتدال (٦/١٢٢)، لسان الميزان (٦/٣٠٢-٣٠٣) . ٥ الجرح والتعديل (٦/١٩٣) .
[ ١ / ٣٠٧ ]
وقال ابن عدي في يعقوب بن إسحاق: "روى عن يونس بن عبيد وعن غيره ما لا يتابع عليه"١.
والمقدَّم هو قول أبي حاتم لأنه من بلده، فهو أعلم به. فعلى هذا فيكون الحديث بهذا الطريق حسنًا لذاته، وبشواهده يرتقي إلى الصحيح لغيره. والله أعلم.
١٠١ - (٤) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر".
رواه ابن ماجه٢، وأحمد٣، والطبراني في الكبير٤، كلهم من طريق الأسود بن عامر عن أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن عطاء بن أبي رباح عنه به.
وأما أيوب بن عتبة فتكلم فيه ولا سيما في حديثه عن يحيى بن أبي كثير. فقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وضعفه ابن المديني ومسلم والنسائي. وقال أحمد: ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير. وقال أيضًا: مضطرب الحديث عن يحيى وفي غير يحيى. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال البخاري: ضعيف جدًا، لا أحدث عنه، وكان لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه. وقال الدارقطني: يترك. وقال مرة: شيخ يعتبر به٥.
_________________
(١) ١ الكامل (٧/١٥٢) . ٢ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٩)] . ٣ المسند (١/٣٠٢) . ٤ المعجم الكبير (١١/١٥٤) . ٥ تهذيب التهذيب (١/٤٠٨-٤٠٩) .
[ ١ / ٣٠٨ ]
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف"١.
وفي الإسناد أيضًا عنعنة يحيى بن أبي كثير وهو مدلّس ولم يصرّح بالسماع، إلا أن الحافظ ابن حجر ذكره في الثانية ممن يحتمل تدليسه٢.
وقد جاء الحديث من وجهٍ آخر، إلا أنه أضعف من السابق، فقد روى الطبراني في الكبير بإسناده عن يونس بن بكير عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر"٣.
والنضر أبو عمر هو ابن عبد الرحمن الخزاز. قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أيضًا: لا يحل لأحدٍ أن يروي عنه. وقال أحمد: ضعيف الحديث، ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف ذاهب الحديث. وقال أبو داود: لا يروى عنه، أحاديثه بواطيل. وقال النسائي: متروك الحديث٤. وجعله ابن حجر في مرتبة: "متروك"٥.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف عن ابن عباس - ﵄ - بوجهٍ من الوجوه إلا أنه يتقوّى بشواهده التي سبق ذكرها، فيكون حسنًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦١٩) . ٢ تعريف أهل التقديس (ص٧٦) . ٣ المعجم الكبير (١١/٢٥٤) . ٤ تهذيب التهذيب (١٠/٤٤١-٤٤٢) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧١٤٤) .
[ ١ / ٣٠٩ ]
١٠٢ - (٥) عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر".
رواه الطبراني في الأوسط١ بإسناده عن عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عن الحارث بن عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الحارث إلا عاصم، تفرد به أبو موسى".
وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي وثقه ابن معين، وقال فيه البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بالقوي٢. وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ كثيرًا فبطل الاحتجاج به إذا انفرد٣. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "صدوق يهم" ٤.
ويظهر لي أنه في مرتبة "ضعيف". والله أعلم.
والحارث بن عبد الرحمن هو ابن أبي ذباب الدوسي المدني. قال فيه أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي٥.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٦.
فمما سبق يتبين أن إسناد الحديث ضعيف، إلا أن الأحاديث الثابتة في هذا الفصل تشهد له كحديث أبي هريرة ﵁ وغيره، فيكون بها حسنًا لغيره، والله أعلم.
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٨/٩٨) . ٢ تهذيب التهذيب (٥/٤٦) . ٣ المجروحين (٢/١٢٩) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٠٦٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٢/١٤٨) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٣٠) .
[ ١ / ٣١٠ ]
١٠٣ - (٦) عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر".
رواه ابن حبان١، والبيهقي٢ بإسنادهما عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن نافع عنه به.
وهذا الإسناد فيه علة، وهي الانقطاع بين سليمان بن طرخان التيمي والد المعتمر بن سليمان وبين نافع، فقد قال أبو غسّان النَّهدي في سليمان التيمي: "لم يسمع من نافع" ٣.
قال الحافظ ابن حجر: "هذا إسناد ظاهره الصحة"، ثم قال: "ورجاله رجال الصحيح، لكنه معلول، وقد جرى ابن حبان على ظاهره، فأخرجه في صحيحه من طريق محمد بن عبد الأعلى عن معتمر، وكذا أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ممّا ليس في الصحيحين، وعلته أن بين سليمان التيمي وبين نافع فيه رجلًا لم يسم"٤.
ثم ساق الحافظ ابن حجر الحديث بإسناده إلى معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن رجلٍ عن نافع عن ابن عمر فذكره ".
ثم قال الحافظ: "وللحديث طريق أخرى أخرجه البيهقي٥ من رواية سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع، وفي ابن أبي ليلى مقال، ولعله المبهم المذكور".
_________________
(١) ١ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٤٦) . ٢ السنن الكبرى (٥/٣٠٢) . ٣ تهذيب التهذيب (٤/٢٠٢-٢٠٣) . ٤ موافقة الخُبْر الخَبَر (١/٥٢٢) . ٥ السنن الكبرى (٥/٣٣٨) .
[ ١ / ٣١١ ]
وهذا الاحتمال يظهر أنه احتمال بعيد، فإن سليمان التيمي غير معروف بالرواية عن ابن أبي ليلى، ولذلك لم يذكره المزي في تلاميذه. والذي يظهر أنه إسناد آخر إلا أنه ضعيف لضعف ابن أبي ليلى. وقد سبق الكلام فيه وأنه ضعيف١. إلا أن ابن أبي ليلى قد توبع فيما رواه أحمد٢ بإسناده عن محمد بن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر " الحديث. وهذا إسناد حسن لتصريح ابن إسحاق بالسماع من شيخه نافع.
فمما سبق يتبين أن الحديث صحيح لغيره. وقول الحافظ ابن حجر فيه "إسناده حسن صحيح"٣ أولى من قوله في تعليل الحديث - لما سبق - وإن كان كلام الحافظ في تعليل الحديث متأخرًا عن تصحيحه. وذلك أن كتابه "موافقة الخُبْر الخبَر" متأخر عن كتابه "التلخيص الحبير"٤. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٧) حديث علي بن أبي طالب ﵁، وسوف يأتي٥.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٤٤) . ٢ المسند (٢/١٤٤) . ٣ التلخيص الحبير (٣/٦) . ٤ دليل ذلك أن الحافظ ابن حجر ذكر في آخر كتابه التلخيص الحبير (٤/٢١٩) أنه فرغ من تتبعه سنة عشرين وثمانمائة. بينما جاء في آخر كتابه موافقة الخُبْر الخَبَر (٢/ ٤٥٢-٤٥٣) أنه انتهى من إملائه سنة ست وثلاثين وثمانمائة. ٥ سيأتي برقم (٢٢٣) .
[ ١ / ٣١٢ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع الغرر.
والغرر هو الخطر١. وهو ما طوى عنك علمه وخفي عليك باطنه وسرُّه٢.
والنهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة٣. فكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلومٍ، ومعجوزًا عنه غير مقدورٍ عليه فهو غرر.
وإنما نهى الرسول ﷺ عن هذه البيوع تحصينًا للأموال أن تضيع وقطعًا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها٤.
والمراد بالغرر المنهي عنه ما كان غررًا ظاهرًا يمكن الاحتراز عنه، فأما ما تدعو إليه الحاجة، ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال الحمل واحد أو أكثر، وذكر أو أنثى، وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك، فهذا يصح بيعه بالإجماع.
ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها حقير، منها: أن الأُمَّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم يُر حشوها، ولو باع حشوها منفردًا٥ لم يصح.
_________________
(١) ١ الصحاح (٢/٧٦٨)، مادة (غرر) . ٢ معالم السنن (٣/٦٧٢) . ٣ شرح صحيح مسلم (١٠/١٥٦) . ٤ معالم السنن (٣/٦٧٢) . ٥ أي: وهو في الجبة.
[ ١ / ٣١٣ ]
وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرًا مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعةً وعشرين.
وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأُجرةٍ، وعلى جواز الشرب من ماء السِّقاء بعوضٍ مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام.
وقد يختلف العلماء في بعض مسائل الغرر ويكون اختلافهم مبنيًا على اختلافهم في هذا الغرر هل هو يسير لا يؤثر أم أنه يؤثر١. ومن أمثلة ذلك: بيع المغيبات في الأرض كالجزر والبصل والفجل وما أشبه ذلك. فقد اختلف العلماء في حكم بيعها بناءً على الغرر الموجود فيها، هل هو غرر حقير أم لا٢؟ وقد رجح ابن القيم القول بجواز بيعها٣، وهو مذهب المالكية٤.
_________________
(١) ١ المجموع (٩/٢٤٦-٢٤٧) . ٢ شرح صحيح مسلم (١٠/١٥٧) . ٣ زاد المعاد (٥/٨٢٠-٨٢١) . ٤ المعونة (٢/١٠٠٩) .
[ ١ / ٣١٤ ]